هل تصبح المجمعات الصناعية عاملا مسرعا لكل من الصادرات وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة؟ لطالما كانت المجمعات الصناعية الركيزة الأساسية للاستثمار الأجنبي المباشر والصادرات عبر أوروبا وجنوب شرق آسيا والهند، فضلا عن كونها الطريقة التي أسهمت بها المشاريع الصغيرة والمتوسطة في إنتاج السلع لأغراض التصدير. مصر جربت هذا النهج في الماضي من خلال مشاريع تجمع بين صناعات معينة في مكان واحد، لكن هذه التجارب لم تترجم إلى طفرة حقيقية على مستوى صادرات هذه الصناعات. فكيف يمكننا الاستفادة من المجمعات الصناعية لتحقيق ميزة تنافسية لمصر، وجذب الاستثمار والأعمال التي ستجد مكانا آخر من العالم إذا لم نوفر لها المجمعات المناسبة؟
استعرض منتدى إنتربرايز للصادرات والاستثمارات الأجنبية خبرات وتوصيات بعض الفاعلين في القطاع، بما في ذلك: شادي وليم (لينكد إن) العضو المنتدب لمجموعة التنمية الصناعية (أي دي جي)، ومحمد الجبيلي (لينكد إن) من مشروع تطوير التجارة وتنمية الصادرات في مصر المُمول من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وندى الأحول (لينكد إن) مديرة تطوير الأعمال بشركة ترانسمار.
ما الموقف حاليا؟ أطلقت الحكومة وأنشأت العديد من المناطق الصناعية في مصر، مثل العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر، حسبما أوضح شادي وليم، مضيفا أن مصر لديها أيضا مجمعات تطورت بشكل طبيعي مثل دمياط، التي حجزت مكانها كمركز لإنتاج الأثاث جيلا بعد جيل. بمعنى أنه إذا دمجنا تأسيس المجمعات الصناعية مع التخطيط الحضري، يمكننا إنشاء قطاع وبيئة جغرافية محددة، بحسب وليم.
قانون التوازن: إنشاء مجمع صناعي أمر معقد، ولا يتطلب إخبار صاحب الشركة بمكان إطلاق مشروعه وحسب، على حد وصف وليم، بل تحتاج المنطقة إلى إغراء الأعمال من خلال البنية التحتية. مناطق مثل العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر مثلا تنجح في جذب الأعمال التجارية لأن لديها فهم عام لقوى العمل والخدمات والمرافق والعمليات اللوجستية التي تحتاجها الشركات. كما أن الأماكن التي يقع عليها الاختيار لإنشاء منطقة أو تجمع صناعي ينبغي أن تكون جاهزة لاستقبال المصانع ودعمها.
قاعدة مشتركة: يبحث معظم المصنعين عن مزايا المجمعات، التي توفر حيزا يضم العديد من المشاريع المماثلة، مما يسمح بمشاركة الخبرات والخدمات اللوجستية مع الآخرين، بحسب وليم. كما أن المرافق المشتركة على طول سلسلة الإنتاج بأكملها تؤدي إلى تبسيط الإجراءات وخفض التكاليف ورفع الإنتاجية. المجمعات توفر أيضا مستوى معينا من الإبداع، يجعل الشركات قادرة على التمسك بمواردها البشرية والاستفادة من البحث والتطوير واستغلال كل الموارد المتاحة، طبقا لوليم. إجمالا، ينجذب المستثمرون إلى مزايا مثل توفير الطاقة وسهولة سلسلة التوريد والعمالة أكثر من الموقع الجغرافي المميز، وفق ندى الأحول.
لا بد من وضع التكنولوجيا في الاعتبار عندما إنشاء المجمعات لتحقيق الكفاءة والرقمنة، بحسب محمد الجبيلي، وكذلك اختيار أماكن قريبة من مصادر الميزة التنافسية لإنشاء المجمعات، سواء كانت القوى العاملة أو مكونات سلسلة التوريد.
ما المجالات التي يعتقد الخبراء ضرورة استهدافها من خلال المجمعات المستقبلية؟ ينبغي استخدام المنطق عند اختيار أماكن المجمعات، واستخدام البنية التحتية اللوجستية القائمة حاليا لصالحها، مثل الموانئ، بحسب الأحول. مجمعات الدلتا وشمال مصر مثلا تكون متخصصة في المنتجات الزراعية، بينما تركز المجمعات القريبة من موانئ البحر الأحمر على الطاقة المتجددة، وفق الأحول، التي تتوقع أن تحقق الأخيرة "مكاسب واضحة وسريعة"، خصوصا في ظل أهميتها العالمية وموارد البلاد الطبيعية.
لدينا أيضا ميزة تنافسية قوية بالنسبة للأسمنت ومشتقاته، وفق الأحول، مشيرة إلى تضاعف حجم هذه الميزة الآن بالتحديد في ظل معاناة تركيا المصدر الإقليمي القوي من تبعات الزلازل. وأكدت وجوب الاهتمام بالمواد الخام المستخرجة من مصر، والتي تصدر للخارج بأسعار زهيدة، بينما تحولها الدول المستوردة إلى منتجات تبيعها بعشرة أضعاف سعرها. وكذلك الاهتمام بالصعيد، موضحة أن تأسيس مجمع صناعي في جنوب مصر لتجهيز المنتجات يعتبر خطوة وسيطة لزيادة قيمة الصادرات المصرية.
هذه القائمة يجب أن تشمل قطاعي التكنولوجيا والتكنولوجيا المالية، وفق وليم، وهما من القطاعات التي أثبتت قدراتها وإمكانياتها خلال السنوات الماضية. وأشار إلى أن المهارات والقدرات اللغوية المتوفرة في مصر أسهمت في نجاح تجربة مراكز الاتصال وتطوير البرمجيات. فيما قال الجبيلي إن منتجات قطاعي الملابس والهندسة حققت نجاحا يسمح بتكوين مجمعات صناعية.
المشروعات الصغيرة والمتوسطة هي كلمة السر في تطوير المجمعات الصناعية وانتشارها، بحسب الأحول، التي ترى أن الحكومة يمكن أن تدشن مجمعات صناعية طبيعية بالاعتماد على مستأجرين بارزين أو مجموعة من الشركات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة المحيطة. ولكن إذا لم تتوفر ميزة جغرافية مثل القرب من الموارد الطبيعة كحال دمياط مثلا، تميل المشروعات الصغيرة والمتوسطة الاتجاه للمراكز الحضرية. جذب تلك المشروعات يتطلب أن تدعم الحكومة القطاعات المختارة بكثافة، مع الصبر على تحقيق عوائد النمو المطلوبة بعد عشرة سنوات على الأرجح، بحسب وليم.
المجمعات الصناعية يلزمها عمال: الشركات الكبيرة التي تعمل في مجمعات تحتاج إلى عمالة كثيفة ومدربة تدريبا مميزا. ولذلك نحتاج إلى شبكة فعالة تجذب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وعمالة ضخمة تحفز الشركات على التواجد بالقرب من المصدر الذي يوفر تلك الميزة التنافسية.
بناء المجمعات الصناعية ليس نهاية المطاف،فنحن بحاجة إلى تصدير منتجات ذات جودة عالية وتتناسب مع المعايير العالمية. هذه المهمة تقع على عاتق المنتجين المصريين، وفق وليم، الذي لا يظن أن لديهم الكفاءة التكنولوجية والمعرفية اللازمة لتقديم منتج بالمواصفات المناسبة. وبالإضافة إلى ذلك، تفتقر مصر للتوجيهات التي تجبر المنتجين على الالتزام بمستوى معين من الجودة، كما أن السوق المصرية عليها المطالبة بجودة أفضل حتى ترتقي بمعايير الصناعة إلى المستوى المنشود، بحسب ما أضافه وليم.
العمل الجاد والصبر والالتزام: تدشين مجمعات صناعية تتمكن من توفير منتجات بالجودة المناسبة للتصدير عملية صعبة وتتطلب وقتا، وربما تحتاج الدولة إلى نحو 20 عاما للاعتراف بها كمركز صناعي في مجال ما، بحسب وليم.
الميزة التنافسية مربط الفرس: جذب الاستثمار الأجنبي يتطلب تقديم خدمات وحوافز من شأنها توفير ما بين 25% إلى 30% من التكاليف، ومن دون هذا لن تفكر أي شركة في مغادرة بلدها الأم وضخ استثمارات في مصر، طبقا للأحول. بعض هذه المتطلبات يسهل على الحكومة توفيره مثل العمالة الرخيصة والطاقة، لكن الشركات لن تستثمر في مصر إذا كانت إدارة أنشطتها صعبة ومكلفة وتواجه العراقيل.
التركيز على الاستثمارات طويلة الأجل بدلا من المشروعات الصغيرة والمتوسطة: لا بد من التفكير في ما يمكن أن تقدمه مصر من مميزات تنافسية داخل حركة التجارة العالمية، من خلال البحث عن الفرص المتاحة في الطلب العالمي. ويعد هذا المنهج محوريا ومهما لأن مصر تتنافس مع دول أخرى لديها مزايا مماثلة، ولكنها لا تعاني من نفس المشكلات، بحسب ما قالته الأحول. وبعد هذا سيكون علينا الحفاظ على هذه البيئة المستدامة مع دعمها بالمجمعات الصناعية، كل هذا سيكون كفيلا بجذب الاستثمار الأجنبي المباشر والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بدعم من الحملات الترويجية للمجمعات الصناعية.
الاستثمار في التدريب والتأهيل أمر لا غنى عنه لتدشين مجمعات صناعية ناجحة ومستدامة، ويجب على الشركات الاهتمام بتدريب العمالة حتى تحصل على منتج عالي الجودة وفقا للمعايير العالمية، بحسب وليم. المجمعات الصناعية تعتبر مساحة لاستضافة مراكز تدريب، مع إلحاق العمالة الماهرة بالسوق مباشرة.
ما الذي ننتظره؟ يرتبط تقييم مستقبل المجمعات الصناعية في مصر بقطاع الخدمات اللوجستية، ولدينا مثلا تجربة شركة ترانسمار التي تركز على تنمية خطوط الشحن في مصر بهدف دعم حركة التصدير، بحسب ما قالته الأحول. ولذلك فإن وضع استراتيجية واضحة سيسهل من عملية اختيار القطاعات الأولى بالاهتمام، بحسب الجبيلي. كما يجدر بشركات القطاع الخاص أن تعزز التعاون ومشاركة الخبرات فيما بينها لإنجاح المجمعات الصناعية، حسبما ذكر وليم.
أبرز أخبار الصناعة هذا الأسبوع:
- أبو قير تضع حجر الأساس لمصنع أسمدة جديد: دخلت شركة أبو قير للأسمدة المملوكة للدولة شراكة مع مؤسسات حكومية أخرى، لإطلاق شركة جديدة باسم شمال أبو قير للمغذيات الزراعية برأسمال مليار جنيه لإنتاج الأمونيا والنترات، وفق إفصاح (بي دي إف) تلقته البورصة المصرية.