🏭 صناعة البلاستيك.. حصان أسود يعيد رسم خريطة التصنيع في مصر: تعد الصناعات البلاستيكية من أسرع القطاعات الصناعية نموا في مصر، إذ تدخل منتجاتها في معظم سلاسل القيمة الحيوية بداية من السيارات، والتي تمثل ما بين 20 إلى 40% من مكوناتها، إلى الإلكترونيات والملابس والهواتف المحمولة. ومع تسجيل القطاع نموا بنحو 16% في حجم الإنتاج خلال 2025، يبرز دوره في تعميق التصنيع المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد، وفقا لرئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة خالد أبو المكارم.
لكن هذه الصناعة تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، في ظل ضغوط بيئية متصاعدة وتشريعات دولية أكثر صرامة وتغير ملحوظ في شهية المستثمرين. مؤتمر بلاستيكس 2026 — الذي حضرته إنتربرايز— جاء ليحسم النقاش: القضية لم تعد “هل ننمو؟” بل “كيف ننمو دون أن نفقد قدرتنا على المنافسة عالميا؟”. والرسالة كانت واضحة: مستقبل النمو بات مشروطا بالامتثال البيئي والابتكار التكنولوجي، خاصة مع تصاعد لوائح الكربون الأوروبية، رغم التفاؤل الحذر الذي غذاه اتجاه خفض أسعار الفائدة وعودة الاهتمام الاستثماري.
بالأرقام: يشهد قطاع الصناعات البلاستيكية نموا مطردا على المستوى المحلي بلغ 15% في حجم الإنتاج خلال العام الماضي، مع وصول الصادرات إلى نحو 2.4 مليار دولار، تمثل 25% من إجمالي صادرات قطاع الكيماويات والأسمدة البالغة 9.5 مليار دولار بنهاية 2025. كما زاد الاستثمار الأجنبي في قطاع البلاستيك بنسبة 8.5% خلال عامي 2024 و2025، مع توقعات بزيادة إضافية تصل إلى 10% هذا العام، بحسب أبو المكارم.
نمو مبرر: يرجع نمو إنتاج قطاع البلاستيك والمطاط في مصر إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج في العديد من الدول والذي وصل إلى حد إغلاق العديد من المصانع بها، في الوقت الذي تحولت فيه مصر إلى وجهة جاذبة ومحطة بديلة لإطلاق استثمارات جديدة تعوض هذا النقص العالمي، حسبما أوضح أبو المكارم.
ليس مجرد زيادة في الطاقة الإنتاجية: لم يعد كافيا للمصنع أن ينتج أكثر، بل ينبغي أن ينتج أنظف، بحسب أبو المكارم. كما أن إعادة التدوير لم تعد رفاهية أو خيارا بيئيا، بل أصبحت شرطا أساسيا للنفاذ إلى الأسواق الأوروبية، وفقا لما قاله رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية شريف الصياد. المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة أعاد صياغة استراتيجيته لعام 2026 بالكامل عبر زيادة المعارض الخارجية، وتغيير نموذج المشاركة إلى لقاءات أعمال مباشرة، والاستعانة باستشاريين محليين داخل الأسواق المستهدفة، كما بدأ الأعضاء التوسع في أسواق جديدة غير تقليدية، خاصة في إفريقيا، إلى جانب إعادة تقييم أسواق كبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا في ضوء التحولات الأخيرة في خريطة التجارة العالمية، وفقا لما كشفه أبو المكارم.
المعادلة الجديدة: لم تعد كفاءة الإنتاج وحدها هي المعيار، بل أصبحت القدرة على المنافسة في ظل التحول الأخضر هي الرهان الحقيقي، بحسب المشاركين في المؤتمر. ويعني خفض البصمة الكربونية عبر الامتثال لآلية CBAM أن المصدرين المصريين سيواجهون حواجز جمركية إضافية إذا لم يثبتوا تراجعا حقيقيا في الانبعاثات، وهو ما يتزامن مع تحد آخر يتمثل في الرسوم الحمائية التي فرضتها بعض الأسواق مؤخرا على صادرات البوليمرات والكيماويات المصرية.
ومع ذلك، يرى الخبراء أن تراجع أسعار الفائدة المتوقع في 2026 يمثل طوق نجاة استراتيجي، فهو لا يقلل فقط من تكاليف التمويل الرأسمالي لتحديث المصانع، بل يساعد أيضا في امتصاص صدمة التكاليف التي قد تفرضها الرسوم الحمائية الدولية، مما يحافظ على تنافسية السعر المصري.
يدفع هذا التحول حاليا نحو دمج إعادة التدوير لاستغلال المواد الخام بنسبة 100%، ليس فقط لحماية الموارد، بل لخفض التكلفة النهائية للمنتج، حسبما اتفق أبو المكارم والصياد. كما أن تقنيات مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد، التي انخفضت تكلفتها محليا لتصل إلى 15 ألف جنيه للماكينة، تتيح إنتاجا أسرع وأكثر كفاءة، ما قد يقلص حصة الصناعة التقليدية بنسبة 90% خلال العقد المقبل، ويحتم على المصنعين الإسراع بمواكبة هذا التحول التقني والتمويلي.
خفض الفائدة يمثل دفعة قوية: بدأت البنوك تقديم برامج تمويل مخصصة لصناعة البلاستيك وإعادة تدويره، مقترنة بدعم فني واستشارات لضمان استدامة المشاريع، وفقا لما قاله نادر سعد علي، الرئيس التنفيذي لقطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة والخدمات المصرفية التجارية في البنك الأهلي المصري . كما أن تراجع أسعار الفائدة المتوقع في 2026، بعد خفض 725 نقطة أساس في العام الماضي يمثل أملا للمصنعين، إذ يقلل تكلفة الاقتراض اللازم لتحديث خطوط الإنتاج لتتوافق مع المعايير الأوروبية، بحسب لاعبي القطاع.
الصناعات البلاستيكية تعيد تموضعها إقليميا: لم تعد أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجرد مستهلك أو منتج للمواد الخام الأساسية، لكنها تشهد تحولا نحو منتجات أكثر تخصصا وقيمة مضافة، وفقا لما قاله إيهاب نصر الدين مدير مبيعات البولي أولفين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة إكسون موبيل كيميكال لإنتربرايز. الشركات الكبرى مثل إكسون موبيل تركز حاليا على منتجات متخصصة تتيح أداء أعلى باستخدام كميات أقل من البلاستيك، ما يوفر التكلفة ويحمي البيئة.
ورغم نمو الصادرات، يواجه القطاع تحديا يتمثل في الرسوم الحمائية التي فرضتها بعض الأسواق مؤخرا، وهو ما يجعل تنويع الأسواق الذي ذكره أبو المكارم (خاصة إفريقيا وأمريكا اللاتينية) ضرورة حتمية وليست خيارا.
أصبح للشراكات بين القطاعين العام والخاص أدوار جديدة، إذ لا يمكن للصناعة وحدها تحمل فاتورة التحول الأخضر. لم تعد الدولة مجرد منظم يفرض الغرامات، بل شريك يساعد في تمكين لاعبي القطاع، وفق ما قالته رئيسة وحدة البلاستيك بوزارة البيئة المصرية يسرا عبد العزيز. أصبح التعاون ضروري لبناء منظومة جمع وتدوير المخلفات، إذ أثبتت التجربة أن سياسات “المنع الكامل” للبلاستيك غير واقعية، والبديل هو تحسين إدارة المخلفات وتغيير سلوك المستهلك، بحسب الصياد. يأتي هذا بالإضافة إلى الشراكة مع مراكز تحديث الصناعة والمنظمات الدولية، مثل منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية اليونيدو، والتي ترفع كفاءة المصانع وتجهزها لمتطلبات الأسواق الخارجية، وفقا لما قالته منسقة المشاريع الوطنية لدى يونيدو إيمان عبد المحسن.