🏭 الحوافز المشروطة تعيد رسم خريطة الإنتاج: لا يبدو أن وزارة الصناعة بتشكيلها الجديد تتجه لإدارة القطاع الصناعي بالآليات التقليدية، بل لإعادة توجيهه نحو عدد محدود من الصناعات القادرة على توليد الصادرات وجذب العملة الصعبة. الرهان الحكومي الجديد لا يقتصر على زيادة عدد المصانع، بل يستهدف إعادة تصميم هيكل الإنتاج نفسه ليصبح أكثر كفاءة وتنافسية وأقل اعتمادا على الواردات، بما يدعم هدف الدولة في رفع الصادرات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

خمس صناعات كبرى تقود سلاسل القيمة: أصبحت ملامح خارطة الطريق الاستراتيجية للوزارة أكثر وضوحا، إذ ترتكز الخطة على تدشين خمس صناعات رئيسية يرتبط بكل منها عدد من الصناعات المغذية، مع ربط تخصيص الأراضي والحوافز بمعايير لوجستية وتنافسية محددة. وتشمل الخطة إنشاء قاعدة بيانات لاحتياجات الأسواق لتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات تقلص الفاتورة الاستيرادية، إلى جانب ميكنة منظومة التراخيص وتفعيل آليات متابعة الأداء داخل الهيئات التابعة للوزارة بهدف تقليل التعقيدات البيروقراطية التي أعاقت دخول المستثمرين لسنوات. كما تضع الاستراتيجية سلاسل الإمداد الخضراء ضمن أولوياتها مع اقتراب تطبيق ضرائب الكربون الأوروبية، في تحول يعكس انتقال دور الدولة من منظم للسوق إلى موجّه للاستثمار عبر حوافز انتقائية تستهدف سلاسل قيمة محددة.

الوزارة تنفض الغبار عن مركز تحديث الصناعة: إذا كانت الخطة تحدد وجهة الصناعة، فإن إعادة هيكلة مركز تحديث الصناعة تستهدف تحديد آليات الوصول إليها. وتشمل إعادة الهيكلة ربط البحث العلمي باحتياجات السوق، وتوفير أدوات تمويلية تدعم تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المصانع، إلى جانب تقليص الدورات الإجرائية وربط الخدمات بجداول زمنية واضحة. وفي حال نجاح هذه الخطوة، قد يشهد القطاع موجة تحديث طال انتظارها للمصانع التي تعاني تقادم خطوط الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل، خاصة مع توجه الوزارة للاستعانة ببيوت خبرة دولية لنقل التكنولوجيا الجاهزة بدل تطويرها محليا من الصفر.

إعادة رسم خريطة الصناعة والتمويل: من المتوقع أن ينعكس التوجه الجديد على تحديث قائمة الفرص الصناعية ذات الأولوية التي أعلنتها الوزارة في 2025، إلى جانب إعادة تشكيل خريطة التمويلات الصناعية بما يتماشى مع القطاعات المستهدفة، وربما إطلاق سياسات لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة. والفكرة الأساسية هنا تتمثل في مواءمة التمويل مع الأولويات الصناعية، بحيث لا تمنح الحوافز بوصفها دعما عاما، بل كأداة لتحقيق نتائج إنتاجية وتصديرية محددة.

إنتربرايز نصحت بذلك قبل سنوات: في عدد خاص من نشرتنا الصباحية قبل أربعة أعوام، أكدت إنتربرايز أهمية التركيز على عدد محدود من الصناعات التصديرية باعتبار التخصص المدخل الرئيسي لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. واستند هذا الطرح إلى ضرورة تبني استراتيجية صناعية أكثر تركيزا تقوم على اختيار صناعات قليلة تقود النمو التصديري، بدل الانتشار عبر قطاعات متعددة دون أولويات واضحة.

واعتمدت هذه الرؤية على المزايا التنافسية لمصر، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي القريب من أوروبا والخليج وأفريقيا، وتوافر الطاقة والعمالة القابلة للتدريب، بما يسمح ببناء سلاسل قيمة صناعية وخدمية تولد تدفقات دولارية مستدامة. وشملت القطاعات المرشحة آنذاك مزيجا من الصناعات التحويلية والخدمات القابلة للتصدير، مثل السياحة وصناعة السيارات والإلكترونيات وخدمات التعهيد، مع التركيز على الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مضافة أعلى.

نموذج شق الثعبان: بدأ تطبيق الفلسفة الجديدة فعليا داخل المناطق الصناعية القائمة، ففي منطقة شق الثعبان — رابع أكبر منطقة لإنتاج الرخام عالميا لكنها تعاني ضعف الإنتاجية — وضع الوزير المستثمرين أمام خيارين: الاستفادة من التيسيرات التنظيمية أو مواجهة الإغلاق. وشملت الجولة الحكومية وضع جداول زمنية لترفيق المنطقة بالبنية الأساسية وإدخال الميكنة لتقليل الهالك ورفع هوامش الربح للمصدرين الذين يواجهون منافسة قوية من تركيا وإيطاليا، في نموذج يعكس سياسة "العصا والجزرة" التي تبدو مرشحة لأن تصبح الإطار الحاكم لإدارة المناطق الصناعية.

لم يقتصر التحول على إدارة المناطق الصناعية، بل امتد أيضا إلى فلسفة دعم الصادرات نفسها: "لا حوافز دون مستهدفات قابلة للقياس" كانت الرسالة الأساسية عقب اجتماع وزيري الاستثمار والتجارة الخارجية والصناعة مع رؤساء 13 مجلسا تصديريا الشهر الماضي، إذ جرى الإعلان عن إعادة هيكلة منظومة تنمية الصادرات وربطها بأهداف كمية تشمل معدلات النمو وزيادة الطاقة الإنتاجية واختراق أسواق جديدة. ويمثل ذلك تحولا من الدعم العام إلى الدعم المشروط بالأداء، إذ سيصبح حصول الشركات على السيولة الحكومية مرهونا بخطط تشغيلية واضحة وقابلة للمتابعة. وخلال الاجتماع، أشار وزير الاستثمار محمد فريد إلى إمكانات التمويل التي يوفرها القطاع المالي غير المصرفي، ما قد يفتح أدوات تمويل جديدة أمام المصنعين مثل التخصيم، بعيدا عن تعقيدات الاقتراض المصرفي وارتفاع تكلفة الفائدة.

ماذا يريد المصدرون؟ طالب ممثلو المجالس التصديرية بحزمة إجراءات لتعزيز تنافسية الصادرات المصرية، تشمل توفير تمويلات ميسرة للتوسع الصناعي وتحديث خطوط الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي في القطاعات الاستراتيجية، إلى جانب جذب استثمارات طويلة الأجل للصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة مثل الصناعات الطبية والسيارات الكهربائية. كما شددوا على ضرورة تطوير البنية الصناعية الداعمة للتصدير، بما يشمل تحديث مصانع الروبيكي ومنظومة المجازر والمحاجر، وتحسين إدارة المنافسة الخارجية خاصة في قطاع الغزل والنسيج، وتعزيز التكامل مع الشركاء الدوليين.

الحوافز تتجه نحو التكنولوجيا والاستدامة: شهد الأسبوع الماضي تعديل خريطة القطاعات الصناعية المستفيدة من حوافز قانونالاستثمار، بما يعكس تركيزا أكبر على توطين التكنولوجيا وتعزيز الاستدامة البيئية، وفق قرار صادر عن رئيس مجلس الوزراء، في إشارة إلى أن الحوافز المستقبلية ستتجه بشكل متزايد نحو الصناعات الخضراء والتكنولوجية.

لكن بينما تستهدف الدولة الوصول إلى 100 ألف مصنع بحلول 2030، يواجه القطاع تحديا متزايدا يتمثل في نقص العمالة الماهرة، بعدما ارتفعت الأجور في بعض الصناعات كثيفة العمالة بنسب تصل إلى 30% خلال 2025، ما يعكس فجوة واضحة بين منظومة التدريب واحتياجات السوق، وفقا لما قاله رئيس غرفة الصناعات الهندسية محمد المهندس لإنتربرايز في وقت سابق. وطالب المصنعون بزيادة الاستثمار في التدريب وإقامة شراكات دولية لرفع جودة المنتج المصري وتعزيز قدرته التنافسية.

الحل خارج المصنع: نجاح الرؤية الصناعية الجديدة لن يتوقف على الحوافز أو تسريع التراخيص فقط، بل على قدرة الدولة على حل معادلة المهارات. وهنا تبرز خطة تحويل 1600 مدرسة فنية إلى مدارس دولية متخصصة كمحاولة لربط التعليم مباشرة بسوق العمل وتوسيع دور القطاع الخاص في التدريب والتشغيل. وإذا نجحت الحكومة في دمج التعليم والتمويل والحوافز ضمن منظومة واحدة قائمة على أهداف قابلة للقياس، فقد تدخل الصناعة المصرية مرحلة جديدة تتحول فيها من قطاع يسعى للنمو إلى قطاع مصمم لتحقيقه، عبر استراتيجية واضحة لاختيار الصناعات القادرة على الفوز في سباق التصدير العالمي.