خطط مصر لإنتاج المواد الخام اللازمة للتصنيع محليا: تعتمد مصر بشكل رئيسي على الاستيراد لتوفير احتياجاتها من المنتجات المعدنية والكيميائية، والتي تشكل 25% من إجمالي الواردات السنوية، وهو ما يكلف الدولة قدرا ضخما من النقد الأجنبي. وأشار عدد من العاملين في مجال التصنيع بمصر الذين تحدثت معهم إنتربرايز إلى أن قدرة السوق المحلية على زيادة الإنتاج تعتمد على توفير المواد الخام، وبالتالي تقليل الضغط على مصادر العملة الأجنبية.
الحكومة تتخذ خطوات ضخمة لسد فجوة الواردات بقيمة 30 مليار دولار. تعمل الهيئة العامة للتنمية الصناعية التابعة لوزارة الصناعة منذ العام الماضي على تنفيذ خطة يتم من خلالها طرح أراض وفرص استثمارية في القطاع الصناعي ضمن المرحلة الجديدة من الخريطة الاستثمارية للهيئة. وبالتوازي مع ذلك، وضعت الهيئة استراتيجية لتعزيز البدائل المحلية للمنتجات المستوردة بغرض خفض فاتورة الواردات. وتستهدف الخطة بالتعاون مع الاتحادات والغرف الصناعية توفير نحو 30 مليار دولار تتحملها الدولة لتوفير احتياجات السوق المحلية من الواردات.
تفاصيل الخطة: طرحت الهيئة 152 فرصة استثمارية ضمن المرحلة الأخيرة من الخريطة الاستثمارية، والتي تشمل خمس مجالات حيوية هي الصناعات الهندسية والكيميائية والغذائية والمقاولات والأدوية. ويساهم توفير مستلزمات الإنتاج في تمكين الصناعة المحلية من المنافسة بوضوح، بحسب ما صرح به مصدر حكومي لإنتربرايز. وقد بدأ عدد من المصنعين المصريين بالفعل استغلال تلك الفرص الاستثمارية، بينما تتفاوض الحكومة مع مستثمرين من تركيا والهند وألمانيا لتدشين بعض المشروعات الجديدة تحت مظلة الخريطة الاستثمارية، بحسب المصدر.
لكن نقص المواد الأولية والمعدنية يظل مصدرا للقلق في مختلف الصناعات، بحسب عدة مصادر تحدثت لإنتربرايز. ولذلك تسعى الحكومة إلى تعظيم الموارد الطبيعية من خلال تعميق الأنشطة التعدينية، مثل رمال السيليكا وخام الكاولين والجبس والمنجنيز. واستثمرت الشركة العربية للسبائك ومضادات الأكسدة مليار جنيه مؤخرا لإنشاء مجمع صناعي للسبائك الحديدية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لإنتاج سبائك السيليكون منجنيز ومادة السيليكون ميتال وسبائك الفيروسيليكون، وهو ما يوفر المواد الخام الأولية اللازمة للعديد من الصناعات.
مشروعات أخرى في الطريق: تدرس وزارة قطاع الأعمال مقترحا مقدما من تحالف يضم شركة دانيللي الإيطالية للصناعة وشركة منتجات الفولاذ الصناعية والهيئة العربية للتصنيع، لإنشاء مجمع صناعي متكامل بقيمة استثمارية تبلغ 4 مليارات دولار لصناعة منتجات الحديد والصلب. ويطمح المشروع إلى الاستفادة من المستودعات الكبيرة لخام الحديد في أسوان والواحات البحرية. ومن المنتظر أن يحدث توفير خام البليت نقلة نوعية في إتاحة الخامات للصناعة المختلفة، بحسب ما قاله المتحدث باسم وزارة قطاع الأعمال منصور عبد الغني لإنتربرايز.
السوق المحلية ينقصها كثير من المنتجات والمواد الأولية، مثل صناعة الغزل والنسيج التي تحتاج إلى استيراد الحرير الصناعي بقيمة 200 مليون دولار سنويا لإنتاج ألياف البوليستر، بحسب ما أضافه عبد الغني.
رغم تراجع أزمة العملات الأجنبية بالنسبة للمصنعين، لا يزال المنتجون حذرين من الاعتماد على الاستيراد. هدأت أزمة تدبير العملات الأجنبية بشكل كبير في الآونة الأخيرة بالنسبة للمصنعين، لكن ما زالت هناك ندرة في الخيارات البديلة لبعض المواد الخام المستوردة مثل الصلب والنحاس، حسبما صرح رئيس لجنة تعميق المنتج المحلي بغرفة الصناعات الهندسية بسيم يوسف لإنتربرايز. المصنعون مجبرون على الاعتماد على الواردات وتحمل تكلفة الشحن الباهظة للحصول على المواد الخام، وفق ما أخبرنا به يوسف، مشددا على أن توفر مدخلات الإنتاج محليا سيدعم الصناعة بشكل كبير.
يمكننا تشجيع المصنعين على الاعتماد على المدخلات المحلية أكثر، ولكن تجاهل الواردات بشكل كامل يعد هدفا غير واقعي، حسبما أكد يوسف. ستظل المواد الخام أساسية للتصنيع، وسيظل المصنعون بحاجة إلى المواد الخام التي توفرها وتصدرها دول أخرى من حين لآخر، طبقا ليوسف، مضيفا أن "التوقع بأن تتوقف الصناعة عن الاعتماد على العملة الصعبة هو ببساطة أمر غير واقعي".
آخرون يشتركون في ذات الرأي: إحلال الواردات لا يمثل بالضرورة الطريقة المثالية لتحول مصر نحو هدفها المتمثل في خفض الواردات، لأن هذا يستلزم إنتاج كل شيء محليا، وهو أمر مكلف وغير فعال، حسبما أخبرنا الرئيس التنفيذي لشركة كونكريت محمد طلعت خليفة خلال منتدى إنتربرايز للصادرات العام الماضي. وبدلا من ذلك، يجب على الشركات المصرية التركيز على إنتاج منتجات بقيمة أعلى، ويمكنها أن تحل محل المنتجات المستوردة لاحقا وتدعم سلاسل التوريد بشكل عام.
** يمكنكم الاستماع إلى حوارنا مع خليفة إلى جانب شمس عويس من شركة مارس، وطارق حسني من فيرتجيلوب، حول الدروس المستفادة من الشركات والصناعات التي عززت من قدرة مصر التصديرية في بودكاست إنتربرايز باللغة الإنجليزية.
استغلوا الأزمات: التحديات الحالية في السوق المصرية تعني وجود فرص للاستفادة من التراجع النسبي للأسعار بعد قضاء التعويم على السوق الموازية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن الدولي الذي من شأنه أن يشجع السوق المحلية على مضاعفة جهود المصنعين، وفقا ليوسف. وأضاف أن الصناعة المحلية ستستفيد أكثر في حالة وجود مشروع قومي ضخم بدلا من السياسات المنفردة، بهدف تشجيع المزيد من التصنيع المحلي الذي يزيد بدوره من قيمة سلاسل التوريد.