🏭 لم يكن 2025 عاما استثنائيا للصناعة المصرية بقدر ما كان كاشفا لاستراتيجيات تتحقق على الأرض، إذ كشف العام عن حدود النمو في ظل تكلفة مرتفعة، وفي الوقت ذاته عن قدرة عدد كبير من الشركات الصناعية على التكيف بدلا من التراجع. وعلى مدار العام رسمت إنتربرايز في فقرة “في المصنع” من نشرتنا المسائية صورة واضحة لقطاع صناعي يتحرك بحذر وسط مخاطر متنوعة ومتلاحقة، يعيد خلالها ترتيب أولوياته ويغير أدواته دون التخلي عن التوسع كخيار استراتيجي طويل الأجل. وهناك شركات لم تدخل العام مدفوعة بزخم الطلب المحلي، بل بضرورة الحفاظ على الحصة السوقية، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعظيم فرص التصدير. والنتيجة كانت توسعات أقل صخبا، لكنها أكثر انتقائية، مع تركيز واضح على رفع الكفاءة وتوطين الإنتاج كبديل للاستيراد وتنويع مراكز التصنيع لتعزيز الصادرات.

توسعات مستمرة ولكن بإيقاع محسوب: رغم ارتفاع أسعار الفائدة وتكلفة التشغيل، واصلت شركات صناعية كبرى تنفيذ توسعات قائمة أو إضافة خطوط إنتاج جديدة، وإن كانت بوتيرة أبطأ من سنوات سابقة. السويدي إلكتريك كانت من أبرز الأمثلة، إذ أكدت عبر تصريحات لمسؤوليها التزامها بخطط التوسع في الكابلات والمعدات الكهربائية، سواء داخل مصر أو في أسواق إقليمية، مع التركيز على تعزيز الطاقات القائمة بدل إنشاء كيانات جديدة بالكامل. وفي قطاع مواد البناء، فضلت شركات عديدة توجيه استثماراتها إلى رفع الكفاءة التشغيلية وخفض التكلفة بدلا من التوسع الأفقي، في ظل تباطؤ الطلب المحلي وضغط الهوامش.

توطين الصناعة يسري في خطوط الإنتاج: أحد أبرز ملامح عام 2025 كان الانتقال العملي لملف توطين الصناعة وإحلال الواردات من مرحلة الخطابات الحكومية إلى التنفيذ على الأرض. ورصدت إنتربرايز توسعات واضحة في صناعات مثل الكابلات، ومكونات السيارات — إذ ساهم دخول 5 مصانع جديدة في رفع عدد خطوط التجميع المحلية إلى 23 مصنعا تنتج 23 علامة تجارية، بطاقة تقترب من 120 ألف سيارة سنويا — والصناعات الهندسية، وحتى صناعة البتروكيماويات، مدفوعة بحوافز حكومية ورغبة الشركات في تقليل الاعتماد على الاستيراد. ولم يقتصر التحدي على إنشاء خطوط إنتاج محلية، بل امتد إلى الوصول إلى جودة تضاهي المستورد، وقدرة على الالتزام بمواعيد التسليم، خاصة مع ارتباط الشركات بعقود توريد حكومية أو مشروعات كبرى، وفقا لما قاله مسؤولون صناعيون لإنتربرايز.

الصادرات باتت بوصلة الاستثمار: في أكثر من قطاع، أصبح التصدير العامل الحاسم في قرارات التوسع، بعد موجة الرسوم الجمركيةالأمريكية التي أربكت منظومة التجارة العالمية وأعادت ترتيبها من جديد. كشفت تغطيات إنتربرايز على مدار العام عن تحول استراتيجيات التوسع للاعبي القطاع الصناعي، فنجد شركات مثل السويدي إليكتريك، إلى جانب آخرين مثل إيديتا للصناعات الغذائية وشركات محلية وأجنبية تركز على الصناعات الهندسية، باتت تصمم توسعاتها منذ البداية لخدمة أسواق خارجية، وعلى رأسها الخليج وأفريقيا.

المناطق الصناعية… من مواقع إنتاج إلى منصات تصدير: تصاعد دور المناطق الصناعية، لا سيما المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمحور رئيسي لجذب الاستثمارات الصناعية الموجهة للتصدير، إذ جذبت خلال الأعوام الثلاثة والنصف الماضية استثمارات بنحو 11.6 مليار دولار، نصفها من مستثمرين صينيين، في الوقت الذي سجلت فيه إنتربرايز على مدار العام سيلا من الإعلانات عن مصانع جديدة وتوسعات لمستثمرين أجانب ومحليين في صناعات متعددة، مستفيدين من القرب من الموانئ وسهولة النفاذ للأسواق الخارجية. وباتت هذه المناطق تسوق باعتبارها منصات تصدير متكاملة وليس مجرد تجمعات صناعية، حسبما أشارت المصادر في حديثها لإنتربرايز.

تنويع مراكز الإنتاج لتقليل المخاطر: أحد الاتجاهات اللافتة خلال العام كان توسع شركات مصرية في إنشاء أو تعزيز وجودها الإنتاجي خارج السوق المحلية. توسعات السويدي إلكتريك في السعودية وقطر، بحسب تصريحات مسؤولي الشركة، جاءت لتغطية الطلب المحلي في هذه الأسواق ودعم الصادرات البينية داخل الخليج، وليس كبديل عن مصر. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا لأهمية تنويع مراكز الإنتاج لضمان سرعة التوريد وتقليل مخاطر الاعتماد على موقع واحد، خاصة في القطاعات المرتبطة بعقود طويلة الأجل.

الطاقة.. عنصر تكلفة لا يمكن تجاهله: ظل ملف الطاقة حاضرا بقوة في تغطيات الصناعة على مدار العام، من نقص في إمدادات الغاز للقطاع الصناعي خلال أشهر الصيف، وحتى زيادتها أسعار التوريد في سبتمبر من العام، إذ واصلت شركات الحديد والأسمنت والألومنيوم والأسمدة المطالبة بسياسات تسعير أكثر استقرارا، في ظل تأثير الطاقة المباشر على التكلفة. في المقابل، رصدت إنتربرايز توسع مصانع في الاعتماد على الطاقة الشمسية وحلول التبريد المركزي، خاصة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

التمويل وأسعار الفائدة يضغطان على قرارات التوسع: شكل ارتفاع أسعار الفائدة أحد أكبر معوقات التوسع السريع خلال 2025، وفقا لما قاله مسؤولون صناعيون لإنتربرايز في أكثر من مناسبة على مدار العام. لجأت بعض الشركات إلى التمويل الذاتي أو الشراكات، بينما فضلت أخرى تأجيل استثمارات جديدة لحين تحسن ظروف السيولة أو حتى الطلب المحلي في بعض القطاعات. وكان هذا التحدي أكثر وضوحا لدى الشركات المتوسطة، التي تأثرت بشكل مباشر بتشدد البنوك في منح التمويلات وارتفاع تكلفة الاقتراض.

كما أعادت الحكومة خلال العام هيكلة منظومة التمويل الصناعي عبر حزمة مبادرات تستهدف دعم التشغيل وإنقاذ المصانع المتعثرة وتوطين الصناعة، بما في ذلك صندوق متخصص لمعالجة تعثر المصانع بالشراكة مع سي أي كابيتال، برأسمال مبدئي مليار جنيه، يعمل كنموذج “شريك في المشروع” لمعالجة التعثر الفني والإداري والتمويلي لشركات بمديونيات تتراوح بين 30 و40 مليون جنيه، على أن يبدأ نشاطه مطلع 2026. بالتوازي، مع العديد من المبادرات التمويلية السارية بالفعل.

أداء متباين للقطاعات الصناعية على مدار العام –

الهوامش تضغط على مصنعي الحديد والأسمنت: كان قطاعا الحديد والأسمنت من أكثر القطاعات تعرضا للضغوط على مدار العام، إذ تلقت ضربة من الطلب المحلي الذي تقلص وأخرى من زيادة أسعار الطاقة. وبالنسبة لمصنعي الحديد والصلب ساعدت التخفيضات السعرية الأخيرة في تحريك السوق، لكنها قلصت هوامش الربح إلى مستويات “شبه معدومة”، وفقا لما قاله المدير التنفيذي لغرفة الصناعات المعدنية محمد حنفي لإنتربرايز، مشيرا إلى تركيز شركات مثل حديد عز بشكل أكبر على التصدير وضبط الإنتاج في محاولة للحفاظ على التوازن.

الصناعات الدوائية والغذائية أكثر مرونة: أظهرت الصناعات الغذائية والدوائية مرونة أكبر من أي قطاع آخر على مدار العام، الذي شهد توسعات لشركات مثل إيديتا وجهينة. كما شهد قطاع الصناعات الدوائية أكبر موجة إعادة تشكيل منذ عقد، وسط تحركات لاعبي القطاع لزيادة الطاقة الإنتاجية والتوسع في التصدير، مستفيدين من طلب أكثر استقرارا مقارنة بقطاعات أخرى.

تحسن تشريعي متدرج: شهد العام بعض التحسن في ملف التراخيص الصناعية، خاصة مع التوسع في منح الرخص الذهبية، فضلا عن الإجراءات الجديدة لمجابهة ظاهرة تسقيع الأراضي الصناعية، وحتى طرح مجموعة جديدة من التيسيرات الجمركية تركز بشكل خاص على تبسيط الإجراءات الجمركية، ودعم التصنيع المحلي، وإزالة العقبات التي تعترض عمليات الاستيراد، لتكمل حزمة حوافز ضريبية موجهة نحو دفع عجلة النمو الاقتصادي. لكن مستثمرين تحدثوا لإنتربرايز أكدوا أن التحدي لا يزال في سرعة التنفيذ وتوحيد جهة التعامل، وهو ما يحد من الأثر الفعلي لهذه الإجراءات.

الشراكات أصبحت عامل جذب للاستثمارات الأجنبية: لاحظت إنتربرايز اتجاه المستثمرين الأجانب إلى الدخول في شراكات مع كيانات محلية قائمة بدل إنشاء مصانع جديدة بالكامل، في محاولة لتقليل المخاطر وتسريع التشغيل والاستفادة من الخبرة المحلية. كما تعمل الحكومة على إعداد برنامج متكامل لتأجير المصانع والأراضي الصناعية غير المستغلة للمستثمرين بنظام حق الانتفاع، بالتوازي مع النسخة المعدلة من برنامج الطروحات الحكومية، بهدف تحويل الأصول الخاملة إلى فرص إنتاجية واستثمارية، وفقا لما كشفه مصدر حكومي لإنتربرايز في وقت سابق.

2026 يبقى عام الاختبار الحقيقي: مع دخول عدد كبير من التوسعات حيز التشغيل خلال 2026، سيكون العام المقبل اختبارا حقيقيا لقدرة الصناعة المصرية على تحويل الاستثمارات إلى نمو إنتاجي وصادرات فعلية. ومن مطالعتنا لأخبار الصناعة على مدار العام يمكننا القول إن الصناعة لم تتوقف، لكنها تعيد ترتيب أولوياتها، واضعة التصدير والتوطين وإحلال الواردات في صدارة المشهد. وبعد أن أبقى البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير الشهر الماضي، ليستقر بذلك سعر الإيداع لليلة واحدة عند 21%، والإقراض عند 22%، وسعر العملية الرئيسية والخصم عند 21.50%، نترقب انخفاض تكلفة التمويل مع تراجع أسعار الفائدة السائدة بنحو 600 نقطة أساس على مدار العام المقبل، بحسب توقعات المحللين.