? كيف دعمت الحكومة الصناعة المتعثرة في 2024؟ في الجزء الأول من هذا الموضوع، تناولنا التحديات التي أعاقت القطاع الصناعي في مصر في 2024 وأبطأت جهود تسريع نمو الصناعة المحلية. في هذا الجزء، نستعرض ما شهدناه في 2024 من مساعي الحكومة لتعميق الصناعة المصرية وإحلال الواردات، وأبرز الاستثمارات التي شهدها القطاع في 2024.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
تغير المشهد الصناعي: أحدثت الحكومة الجديدة تغييرا جذريا من خلال فصل التجارة عن الصناعة، وإنشاء وزارة مستقلة للأخيرة، في الوقت ذاته، تشرف وزارة الاستثمار التي أعيد إحياؤها على ملفات التجارة الخارجية إلى جانب ملفات الاستثمار المحلي والأجنبي. وقد جاءت إعادة الهيكلة تنفيذا لمطالب العديد من الفاعلين في قطاع الصناعة، وجاءت الوزارة الجديدة بكامل الوزير نائبا لرئيس الوزراء للتنمية الصناعية ووزيرا للصناعة والنقل.
خطة الحكومة الجديدة: حددت الحكومة الجديدة مستهدفات رئيسية مثل تحقيق نمو سنوي في الناتج الصناعي بنسبة 31.2% بحلول السنة المالية 2027/2026، وزيادة الصادرات إلى 130 مليار دولار بحلول العام ذاته وإلى 145 مليار دولار بحلول 2030.
تبسيط العراقيل الإدارية: من أبرز الإصلاحات التي أجرتها الحكومة لهذا العام كان القضاء على إشراف 23 كيان منفصل على القطاع الصناعي، والسماح فقط لهيئة التنمية الصناعية بإصدار الموافقات على الأنشطة الصناعية. وكان الهدف من هذه الخطوة تبسيط الإجراءات وتقليص البيروقراطية وإزالة العبء الضخم عن كاهل لاعبي القطاع.
بداية جديدة للمصانع القديمة: تدرس الحكومة أيضا إعادة فتح 12 ألف مصنع متوقف نتيجة التعثر وإسقاط الغرامات التي تراكمت على مرافق هذه المصانع نتيجة الإغلاق، حسبما صرح مصدر حكومي في وقت سابق لإنتربرايز.
كلمة السر؟ تخصيص الأراضي: كان تخصيص الأراضي الصناعية واحدا من أبرز التحديات التي واجهت الحكومة الجديدة عند التفكير في دعم القطاع الصناعي، إذ صرح الوزير في أغسطس الماضي أن الدولة ستقدم نحو 10 ملايين متر مربع من الأراضي الصناعية للمستثمرين في إطار خطتها لتعزيز الصناعة في كلا من مدينة السادات وبرج العرب والسادس من أكتوبر والعاشر من رمضان ومدينة بدر. كما طرحت الهيئة العامة للتنمية الصناعية أمام المستثمرين والمصنعين أكثر من 2600 قطعة أرض، تمتد على مساحة 15.2 مليون متر مربع عبر 37 منطقة صناعية في 24 محافظة.
الأراضي لم تعد مشكلة: أعلنت الحكومة عن إجراءات التوسع الرأسي التي تسمح للمصنعين ببناء طوابق إضافية تعزيزا للقدرة الإنتاجية دون الحاجة إلى التوسع أفقيا. وقد أثبت هذا الحل كفاءة خاصة في المناطق التي تكون فيها الأراضي الصناعية الجديدة محدودة. وفي الوقت ذاته، أحرزت الحكومة تقدما في مهمتها لتقنين المصانع العاملة على الأراضي الزراعية بموجب قانون تسوية المنازعات العقارية، وهي الخطوة التي قد تخفف الضغوط على المناطق الصناعية وتوفر مساحة للنمو.
التكنولوجيا في مواجهة البيروقراطية: أطلقت الحكومة منصة مصر الرقمية الصناعية الجديدة تعزيزا للتحول الرقمي، والتي تسمح للمستثمرين بحجز الأراضي واستكشاف فرص الاستثمار والتقدم بطلبات التصاريح من خلال بوابة إلكترونية واحدة. كما أنه من المقرر أن تدمج التحديثات المقبلة للمنصة أنظمة الدفع واستخراج التراخيص، ما يساعد على التخلص رويدا من عقبات البيروقراطية والإجراءات التقليدية الطويلة.
** يمكنكم معرفة تفاصيل أكثر عن منصة مصر الرقمية في هذا العدد السابق من في المصنع.
المزيد من الحوافز المالية: خفضت الحكومة تكاليف دراسة طلب تملك الأراضي الصناعية بنسبة 50% إلى 2500 جنيه، وخفضت نسبة جدية الحجز إلى 10% فقط من إجمالي قيمة الأرض. كما لم يعد المستثمرون بحاجة إلى تقديم ضمانات بنكية، وأصبح بالإمكان تقديم ملخص بسيط عن المشروع بدلا من دراسات الجدوى الكاملة.
الزخم يتزايد محليا وعالميا: تؤتي هذه الإصلاحات ثمارها، فتزامنا مع تسهيل عمليات تخصيص الأراضي والتوسع في منح الرخص الذهبية، شهدت البلاد انتعاشة نوعية في ملف توطين الصناعة، إذ بدأ العمل رسميا على تدشين أول مصنع لتصنيع حاويات الشحن محليا، كما أعادت الحكومة إحياء مصانعالفويل القديمة، فضلا عن تزايد الإنتاج المحلي لأجهزة الراوتر والهواتف المحمولة. من المتوقع أن توفر هذه الجهود واردات سنوية بمئات المليارات، مع تعزيز مكانة مصر كمركز تصنيع قوي.
شهد قطاع السيارات نموا على صعيد الإنتاج المحلي، بعد أن استأنفت شركة النصر للسيارات المملوكة للدولة عملياتها رسميا بعد توقف دام 15 عاما، من خلال شراكة عقدتها مع مجموعة الصافي لإنتاج ثلاثة طرازات سيارات صينية. كما يعد توطين الصناعات المغذية للسيارات هدفا رئيسيا للحكومة، والتي أصدرت الشهر الجاري المزيد من تفاصيل عن مجموعة من مشروعات تصنيع الإطارات إلى جانب مبادرة جديدة لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية.
المستثمرون الأجانب متحمسون للمشاركة في قطاع السيارات المصري: مع استمرار تطور السوق الصناعية في مصر، ازداد تطلع الشركات الأجنبية إلى اقتناص فرص التصنيع المحلية خاصة في قطاع السيارات. من أهم المؤشرات على ذلك اعتزام شركة المنصور للسيارات إنشاء مصنع جديد لتجميع سيارات "إم جي" التقليدية والكهربائية محليا، بالشراكة مع شركة سايك الصينية المملوكة للدولة وشريك آخر لم يكشف عن اسمه. فضلا عن إعلان نيسان مصر عن خطتها لضخ استثمارات جديدة بقيمة 55.9 مليون دولار في السوق المحلية حتى عام 2026، فيما تعتزم القصراوي جروب تأسيس مصنع لتجميع طرازات سيارات جيتور وجاك الصينية محليا.
المستثمرون يتدفقون على قطاع الطاقة المتجددة: جذب قطاع الطاقة المتجددة استثمارات أجنبية كبيرة خلال العام الحالي، إذ أعلنت شركة هينفرا البولندية المتخصصة في حلول الطاقة عن خطة لإنشاء مصنع جديد للأمونيا الخضراء في مصر باستثمارات 10.6 مليار دولار. كما شغلت شركة سكاتك النرويجية وشركة فرتيجلوب وشركة أوراسكوم كونستراكشون مصنع الهيدروجين الأخضر الخاص بهم في العين السخنة، إلى جانب تعاون آخر بين أوراسكوم كونستراكشون وإنجي وتويوتا لمصنع جديد للطاقة المتجددة.
الرخص الذهبية عامل جذاب للغاية: افتتحت شركة بيكو التركية للأجهزة المنزلية مصنعها في العاشر من رمضان باستثمارات 100مليون دولار، وقد حصلت على الرخصة الذهبية لهذا المشروع. كما حصلت شركة شركة بلقان للصناعات الغذائية في نوفمبر الماضي على الرخصة الذهبية لإنشاء مصنع جديد في مدينة أكتوبر الجديدة لإنتاج مركزات وصلصة الطماطم والخضروات والفواكه.
وكان للصين نصيب الأسد من الاستثمارات الًصناعية: كانت الصين قوة مهيمنة على صعيد التنمية الصناعية في مصر خلال الفترة الأخيرة بقيادة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ففي أبريل الماضي، وقعت المنطقة الاقتصادية 14 اتفاقية مع شركات صينية لإنشاء العديد من المشروعات بالشراكة مع جهات فاعلة محلية من القطاع الخاص. وتشمل المشروعات مصنعا للألياف الزجاجية والبوليستر بقيمة 800 مليون دولار سينفذ من خلال الشركة الصينية المصنعة للألياف الصناعية شين فنج مينج القابضة في منطقة تيدا الصناعية التجارية بالعين السخنة. وفي الوقت ذاته، وضعت شركة سي إن جي ايجيبت نيو إنرجي جلاس، التابعة لشركة الصين القابضة للزجاج، حجر الأساس لمصنعها لإنتاج الزجاج بقيمة 300 مليون دولار، وهو المصنع الذي سيشمل خط إنتاج للزجاج المسطح بطاقة إنتاجية يومية تبلغ ألف طن، وخط إنتاج للزجاج الكهروضوئي بطاقة إنتاجية يومية تبلغ 800 طن.
البريكس مصدر جديد لتمويل الصناعة: كان بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة البريكس قد أعلن في وقت سابق عن خططه لضخ استثمارات في قطاعي الكهرباء والطاقة المتجددة في مصر، كما أعلنت الحكومة تطلعها إلى تأمين قرض ميسر بقيمة مليار دولار، أو ما يعادله بعملات أخرى، من البنك بحلول أوائل عام 2025.
ختام العام مع إصلاحات التشريعات الضريبية: قدمت الحكومة حزمة من الإجراءات والتدابير غير التقليدية الخاصة بالإعفاء الضريبي تتضمن 20 إصلاحا رئيسيا تهدف إلى حل معظم تحديات الاستثمار طويلة الأمد في الصناعة. وتشمل الإصلاحات حلولا للنزاعات الضريبية ونظام ضريبي جديد للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تقل إيراداتها السنوية عن 15 مليون جنيه، كما تتضمن أول نظام مقاصة مركزي على الإطلاق، بما يسمح للممولين بالتسوية الإلكترونية بين مستحقاتهم ومديونياتهم لدى الحكومة، لتوفير السيولة النقدية.
المزيد من التدابير الداعمة للاستثمار في الطريق: تستعد وزارة المالية للإعلان عن حزمة جديدة من الحوافز للتشجيع على الاستثمار في القطاع الصناعي المصري، حسبما قال نائب وزير المالية للسياسات الضريبية شريف الكيلاني لإنتربرايز في وقت سابق. تشمل الحوافز الجديدة إعفاء المصانع من الضريبة العقارية، وزيادة حركة الإفراج عن البضائع، وتقليل زمن الإفراج عبر منظومة مخاطر أكثر احكاما، ومراجعة أنظمة السماح المؤقت والدروباك وثيقة الصلة بالنشاط الصناعي لخلق بيئة أكثر تنافسية وعدالة. كما تراجع الوزارة حاليا تصاريح الاستيراد المؤقتة تحسينا للقدرة التنافسية.
كل ذلك يمنحنا مؤشرات تدل على أن القطاع الصناعي في مصر جاهز للتغلب على التحديات واغتنام الفرص الجديدة في 2025. في الجزء الثالث من هذه السلسلة، نحاول الإجابة على تساؤل مهم: كيف ستشكل هذه التغييرات مستقبل الصناعة في مصر؟