شهد القطاع الصناعي بداية متعثرة لعام 2024 وسط عاصفة من التحديات. ففي الأشهر الأولى من العام، بلغت أزمة الدولار ذروتها مع تصاعد النشاط في السوق السوداء وتشديد القيود التي فرضها البنك المركزي، مما وضع الشركات تحت ضغوط متزايدة. وقد تعمقت الأزمة خلال الربع الأول من العام، إذ واجه القطاع تداعيات تعويم الجنيه في مارس وارتفاع أسعار الصرف الرسمية لاحقا، في حين أدت أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة كبيرة في تكلفة التمويل المصرفي. ومع ارتفاع سعر الدولار من مستوى 47-48 جنيها في بداية العام إلى نحو 51 جنيها في ديسمبر، وجد المصنعون أنفسهم في معركة صعبة لتأمين الموارد الأساسية.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

تحركت وزارة المالية لتجنيب المصنعين خسائر كبيرة، إذ قدمت نظاما لمعالجة تكلفة فروق تدبير العملات الأجنبية على ثلاث فترات خلال أوائل عام 2024. وقد صمم هذا النظام لمساعدة الشركات على التعامل مع تقلبات العملة، خاصة شركات الاستيراد والتصدير. وسمح النظام للمصنعين بتوزيع الفروق الناتجة عن سعر الصرف في الإقرارات الضريبية على ثلاث فترات وفقا لنسب مئوية محددة كالتالي: 9% من يناير إلى أبريل، و24% من مايو إلى أغسطس، و34% في سبتمبر وأكتوبر، وصولا إلى 60% في نوفمبر وديسمبر.

أدت فترة ما بعد تحرير سعر الصرف إلى نتائج متباينة: تلقى القطاع الصناعي دفعة قوية بعد قرار التعويم، الذي أدى إلى توحيد سعر الصرف وساهم في الإفراج عن السلع المحتجزة في الموانئ. وكانت معظم هذه السلع معدات رأسمالية، ومدخلات إنتاج، ومنتجات غذائية، مما أتاح للمصانع استئناف العمل بكامل طاقتها. ويبلغ متوسط التخليص الجمركي حاليا نحو 6 مليارات دولار شهريا معظمها يخص المواد الخام والمدخلات الصناعية، بحسب ما ذكرته مصادر متعددة لإنتربرايز.

ومع ذلك شكلت تكاليف الاقتراض المرتفعة تحديا كبيرا للشركات الصناعية، إذ رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة بمقدار 600 نقطة أساس هذا العام، مما جعل معدلات الفائدة المرتفعة عقبة رئيسية أمام تمويل القطاع.

أجمع كثير من العاملين في القطاع على أن التعويم كان خطوة ضرورية وإيجابية. لكن فترة عدم الاستقرار الممتدة قبل التعويم أطالت مرحلة التعافي، مما جعل القطاع بحاجة إلى تدابير إضافية مثل ترشيد الإنفاق الحكومي لتحقيق استقرار السياسة المالية، حسبما قال لإنتربرايز رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين علي عيسى.

دفع الوضع الراهن الفاعلين في القطاع الصناعي إلى مطالبة الحكومة بإطلاق مبادرات تمويلية جديدة. وقد استجابت الحكومة من خلال تقديم مخططين، الأول يتضمن سعر فائدة مدعوم بنسبة 15% على القروض المخصصة للقطاعين الصناعي والزراعي بحد أقصى 150 مليار جنيه، والثاني سعر فائدة مدعوم بنسبة 12% على قروض القطاع السياحي بحد أقصى 120 مليار جنيه. ومع ذلك، كان المصنعون يأملون في أسعار فائدة تتراوح بين 5% و8% لتعويض التحديات التي سبقت التعويم.

إجراءات إضافية لتحفيز التجارة الخارجية: خصصت موازنة العام المالي 2025/2024 نحو 40.5 مليار جنيه لتمويل العديد من المبادرات الموجهة نحو تحفيز الاقتصاد مع التركيز بشكل خاص على دعم الصناعة والصادرات. وقررت الحكومة توجيه نحو 23 مليار جنيه من الحزمة لسداد مستحقات دعم الصادرات المتأخرة، إضافة إلى قرار الوزارة بمواصلة إعفاء المصانع من الضريبة العقارية.

ولكن الضغوط الدولارية لا تزال قائمة: ففي حين نجح البنك المركزي في كبح جماح السوق الموازية، لا تزال المخاوف من تقلبات أسعار الصرف قائمة بسبب قوة الدولار على مستوى العالم، وهو الأمر الذي دفع بزيادة سعر صرف الدولار إلى أكثر من مستوى 47-48 جنيها رغم فترات الاستقرار الطويلة.

رغم الخطط الطموحة التي تستهدف مضاعفة الصادرات، يشعر المصنعون بخيبة الأمل نتيجة خفض دعم برنامج رد الأعباءالتصديرية بنسبة تصل إلى 70% في بعض القطاعات حتى يونيو 2025. وقد ربطت القيود المالية الناتجة عن برنامج الإصلاح الاقتصادي صرف الدعم بالقيمة المضافة ونسبة المكون المحلي في المنتج.

الدفع نحو التوطين: اتخذت الحكومة عدة تدابير لتوطين إنتاج العديد من القطاعات الرئيسية خلال 2024، مستهدفة 23 صناعة ذات أولوية وهادفة إلى تقليص الاعتماد على الاستيراد في عملية الصناعة. ومع ذلك، لا يزال المصنعون يعتمدون بشدة على الواردات المكلفة لتدبير المواد الخام، ما يفرض ضغوطا هائلة على احتياطي النقد الأجنبي للدولة. فيما يتحملون في الوقت نفسه تكاليف النقل الباهظة المطلوبة للحصول على واردات الإنتاج اللازمة.

تكاليف الطاقة أيضا لعبت دورا مؤثرا، إذ أثرت زيادات أسعار الطاقة المرتبطة بشروط برنامج صندوق النقد ضمن إجراءات الإصلاح الاقتصادي بشكل كبير على الصناعة خلال 2024. فشهدنا زيادة أسعار الكهرباء للقطاع الصناعي بنسبة 56-60%، فيما ارتفعت أسعار الوقود ثلاث مرات خلال العام، حيث ارتفع سعر لتر السولار والكيروسين إلى 13.50 جنيه، وبلغ سعر المازوت المورد لمعظم القطاعات الصناعية 9500 جنيه للطن. دفعت هذه الزيادات إلى زيادة تكاليف الشحن بنسبة 25% للنقل المحلي، فضلا عن مفاقمة الأزمة التي زادت من حدتها أزمة الشحن العالمية الناتجة عن الاضطرابات المستمرة في نطاق البحر الأحمر، التي فرضت ضغوطا غير مسبوقة على تكاليف المدخلات الصناعية.

دفعت زيادة تكاليف الطاقة العديد من المصانع إلى البحث عن حلول بديلة من الطاقة المتجددة لتشغيل عملياتها، ما دفع لاعبو القطاع إلى التوجه نحو محطات الطاقة الشمسية كوسيلة لخفض تكاليف الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية محليا وعالميا.

وقد شجعت الحكومة هذا الاتجاه، إذ وجه وزير الصناعة والنقل كامل الوزير، والذي تولى حقيبة الصناعة في حكومة مصطفى مدبولي الجديدة التي تشكلت في يوليو الماضي، الشركات التي تتطلع إلى تشييد مصانع جديدة لبناء محطات لطاقة الرياح أو الطاقة الشمسية لتزويد هذه المصانع بالطاقة التشغيلية اللازمة، ما يقلل الاعتماد على شبكات الطاقة التقليدية التي توفرها الدولة. يهدف ذلك إلى الحفاظ على إمدادات الطاقة وخفض انبعاثات القطاع الصناعي – الذي يمثل ثالث أكبر مساهم في التلوث الذي تعاني منه مصر – وهو الأمر الذي يجب على الشركات الالتزام به أكثر ليست فقط لمواجهة تكاليف الوقود المرتفعة، ولكن دفعا للصادرات، إذ يجب أن تتماشى نسبة انبعاثاتها وبصمتها الكربونية مع الحدود الدنيا التي وضعها الاتحاد الأوروبي كشرط لقبول الواردات الصناعية إلى دوله ضمن معايير الاستدامة الأكثر صرامة التي يقرها التكتل بحلول يونيو 2026.

رغم التحديات التي يواجهها القطاع، ساعدت جهود الحكومة بالتعاون مع الشركات المصنعة في التغلب على العديد من التحديات، التي نتعمق أكثر في تفاصيلها خلال الجزء الثاني.

أبرز أخبار الصناعة في أسبوع:

  • غرفة صناعة الملابس الجاهزة والمفروشات باتحاد الصناعات المصرية تبرم اتفاقية تعاون مع مؤسسة التمويل الدولية لتطوير مصانع القطاع بتقنيات حديثة وخبرات فنية عالية، بهدف دمج مصر ضمن سلاسل التوريد العالمية فضلا عن تعزيز صادرات الملابس الجاهزة والمنسوجات. (جريدة البورصة)
  • رئيس الوزراء مصطفى مدبولي يستعرض مقترحات لتوسيع المناطق الصناعية، بما فيها المجمع الصناعي مرغم 3، والمجمعات الصناعية في جمصة وقويسنا ومدينة العاشر من رمضان ومدينة السادات. يهدف هذا التوسع إلى تعزيز الإنتاج والصادرات، مع التركيز بشكل أكبر على التصنيع المحلي وتقديم منتجات بأسعار تنافسية. (بيان مجلس الوزراء)
  • شركة جنرال إلكتريك هيلث كير تستهدف توطين صناعة أجهزة السونار في مصر، من خلال مشروع لتصنيعها محليا عبر مراحل مختلفة مع خطط مستقبلية للتصدير إلى الأسواق الأفريقية. (بيان مجلس الوزراء)
العلامات: