? "منصة خضراء" جديدة لدعم المصانع المصرية في مواجهة كربون أوروبا: في إطار مساعيها لرفع جاهزية القطاع الصناعي لمتطلبات الأسواق الأوروبية المستقبلية، تعمل الحكومة المصرية على تأسيس منصة وطنية لحشد التمويلات الخضراء، موجهة بالكامل لمصانع القطاع الخاص. المنصة الجديدة — التي يجري الإعداد لها بالتعاون مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وشركاء دوليين — تستهدف دعم التحول إلى نظم إنتاج منخفضة الكربون وتخفيف الأعباء التمويلية عن المستثمرين الصناعيين، في ظل تطبيق آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM)، وفقا لما ورد في بيان عقب اجتماع وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي رانيا المشاط مع وزير الصناعة والنقل كامل الوزير قبل عشرة أيام.
المنصة المقترحة تحاكي "نوفّي": من المقرر أن توفر المنصة الجديدة التي تحاكي منصة "نوفّي" تمويلات لمشروعات إزالة الكربون، ورفع كفاءة الطاقة، وتبني تكنولوجيات الإنتاج النظيف، بما يسهم في خفض انبعاثات المصانع المصرية وتعزيز قدرتها على التصدير للأسواق الأوروبية المتشددة بيئيا. ومن المقرر تشكيل لجنة فنية مشتركة لمراقبة تنفيذ المشاريع ذات الأولوية وضمان التكامل بين المبادرات الحكومية ومنصات التمويل الدولية. وتمثل المبادرة جزءا من رؤية أوسع لتعزيز قدرة الصناعة التحويلية على النمو والتصدير، من خلال أدوات تمويل مبتكرة وتكامل حكومي دولي لتوجيه الموارد نحو القطاعات القابلة للتداول التجاري، بحسب "السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية".
لا يفوتكم: آلية تعديل حدود الكربون — التي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ بالكامل اعتبارا من عام 2026 — يمكن أن يكون لها تأثير كبير على صادرات مصر، لا سيما صناعات الصلب والألومنيوم والأسمنت والأسمدة المعروفة باستهلاكها العالي للطاقة. للمزيد حول الآلية، يمكنكم قراءة ما نشرناه العام الماضي في فقرة "الاقتصاد الأخضر".
المنصة المقترحة بمثابة ركيزة للسردية الوطنية ونقطة انطلاق لتصنيع تنافسي: المنصة الوطنية الجديدة لحشد التمويلات الخضراء تتماشى مع "السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية"، التي تضع القطاع الصناعي في صدارة أولويات النمو، وتسعى لتعزيز التصنيع المحلي التنافسي وتمكين استثمارات القطاع الخاص، طبقا لما ذكرته المشاط. ويعكس التنسيق الحكومي القائم استعداد الدولة لدعم التحول نحو صناعة منخفضة الكربون، في ظل تغير المعايير البيئية العالمية وارتفاع الاعتماد على التمويل الأخضر كأداة رئيسية لتحديث الصناعة وتعزيز تنافسية الصادرات.
الهدف؟ النفاذ إلى الأسواق الأوروبية. يأتي هذا التحرك بينما نترقب دخول لائحة آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية حيز التنفيذ التدريجي، ما يفرض تحديات حقيقية أمام الصادرات المصرية (خاصة من القطاعات كثيفة الانبعاثات) تتطلب سرعة التكيف وتوفير حلول تمويلية لتحديث خطوط الإنتاج. كما ترى الحكومة أن توسيع قاعدة التمويل الأخضر للمصانع لن يخدم فقط أهداف المناخ، بل سيعزز قدرة الشركات المصرية على النفاذ للأسواق الأوروبية التي تزداد تشددا في اشتراطات الاستيراد، لا سيما مع تحول السياسات البيئية إلى أداة تجارية وتنموية مؤثرة، حسبما ورد في البيان.
كما تتيح شراكات دولية وتمويلات بالمليارات: تعمل وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي على توسيع الشراكات الدولية لتقديم الدعم الفني والتمويلي للمصانع المصرية، وفقا لما أوضحته المشاط، مشيرة إلى قيادة الصناعات التحويلية غير البترولية النمو الاقتصادي حاليا، محققة معدل نمو تجاوز 17% خلال الربع الثاني من العام المالي 2025/2024. وكشفت المشاط أن برنامج الصناعات الخضراء المستدامة يوفر تمويلات تصل إلى 16 مليار جنيه، منها 1.2 مليار جنيه في شكل منح لدعم التحول الأخضر في القطاع الصناعي. يأتي هذا بالتزامن مع التعاون الحكومي القائم مع صندوق المناخ الأخضر وبرنامج CIF التابع لصندوق الاستثمار في المناخ، والذي أدرج مصر ضمن 7 دول مستفيدة من تمويلات تصل إلى مليار دولار لدعم الصناعات منخفضة الانبعاثات.
يأتي هذا وسط ترحيب من المصنعين: رحب لاعبون في القطاع الصناعي بمبادرة الحكومة لتأسيس منصة وطنية على غرار "نوفّي"، مخصصة لتمويل التحول الأخضر داخل القطاع الصناعي، معتبرين أنها تعد "خطوة في الاتجاه الصحيح" لتسهيل التحول إلى الإنتاج منخفض الكربون، وفقا لما قاله عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية محمد البهي لإنتربرايز. لكن النجاح الحقيقي للمنصة يعتمد على توفير الدعم الفني والتشغيلي، وليس التمويلي فقط، حسبما أكد لنا مسؤول تنفيذي بواحدة من شركات الحديد والصلب المحلية، موضحا أن "المصانع الصغيرة والمتوسطة لا تملك دائما الخبرات الفنية أو القدرة التعاقدية للتعامل مع المؤسسات الدولية، ومن هنا يأتي دور الحكومة في تقديم دعم استشاري وتسهيل الوصول إلى التمويلات الخضراء".
برنامج الصناعات الخضراء المستدامة قدم خطوة جيدة لرفع الوعي وبدء الحوار حول الاقتصاد الأخضر، لكن انتشاره على مستوى المصانع المتوسطة والصغيرة كان محدودا نسبيا، وفقا لرئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة خالد أبو المكارم لإنتربرايز، مضيفا: "نأمل أن توفر المنصة الجديدة أدوات أكثر عملية وتبسيطا في الإجراءات، وأن تكون مدعومة بخدمات استشارية وتمويلية ملموسة، كي تصل إلى قاعدة أوسع من المصانع خاصة في المناطق الصناعية البعيدة".
تتبع الانبعاثات بوابة التمويل والاعتراف الأوروبي: أجمع لاعبو القطاع الصناعي على أن وجود نظم دقيقة لتتبع الانبعاثات وقياسها بات شرطا أساسيا للحصول على التمويل الأخضر والامتثال للمعايير البيئية الأوروبية. "الامتثال لمتطلبات التتبع سيكون مفتاح النفاذ للأسواق الخارجية، وينبغي تعميم هذه الأنظمة بدعم من الدولة والمجتمع الصناعي"، وفق البهي. كما أن "المصانع التي لا تمتلك نظم تتبع داخلية معتمدة مثل أنظمة ERP أو شهادات اعتماد دولية لن تُقبل بياناتها من قبل الشركاء الأوروبيين"، حسبما أكد مسؤول تنفيذي بإحدى الشركات المستفيدة من التمويلات الأوروبية في تحويل عملياتها للأخضر. ويلزم أيضا "تكوين قاعدة بيانات وطنية موحدة لانبعاثات المصانع، وتوفير نظم اعتماد رسمية معترف بها من الجانب الأوروبي"، طبقا لما يعتقده أبو المكارم، مؤكدا استعداد المصانع المصدرة لتبني تلك النظم، لكنها بحاجة إلى نظم مبسطة وتدريب فني فعال لضمان التطبيق بتكلفة مناسبة.
لا ينبغي النظر إلى التحول البيئي كعبء أو التزام، بل كاستثمار في استمرار النفاذ إلى الأسواق التصديرية، و"من لا يتماشى مع التغيرات البيئية سيفقد حصته التصديرية تدريجيا. الحفاظ على وجودنا في أوروبا – حتى ولو بحصص أقل مؤقتا – هو ما يمنحنا فرصة النمو مستقبلا إذا تغيرت الظروف أو خُففت القيود"، وفقا لما قاله ممثل عن واحدة من شركات الحديد والصلب المحلية لإنتربرايز، وأيده البهي، قائلا إن "خفض البصمة الكربونية استثمار لتحسين جودة المنتجات والصحة العامة، وزيادة القدرة التصديرية".
جاهزية المصانع المصرية لتطبيق آلية الكربون الأوروبية لا تزال متفاوتة بدرجة كبيرة، وفقا لما قاله أبو المكارم، موضحا أنه بينما بدأت بعض المصانع الكبرى — لا سيما المصدرة بكثافة إلى الاتحاد الأوروبي — في اتخاذ خطوات تجاه تقليل الانبعاثات وتوثيق بصمتها الكربونية، ما زالت الغالبية من المصانع الصغيرة والمتوسطة تفتقر إلى الوعي الكافي والإمكانات الفنية والتقنية المطلوبة للامتثال الفعلي لمتطلبات CBAM.
ما الذي تحتاجه المصانع المصرية حقا؟ الحقيقة أن المصانع تحتاج إلى مزيج متكامل من الدعم، يشمل تمويلا ميسرا أو حوافز ضريبية للمساعدة في تحديث المعدات وتبني تقنيات نظيفة، بالإضافة إلى دعم فني واستشاري لتقييم البصمة الكربونية وبناء نظم القياس والتتبع، فضلا عن إطار تشريعي وتنظيمي واضح يوفر خارطة طريق متكاملة للتحول الأخضر، ويربطه بالحوافز والمزايا التصديرية، وفقا لما قاله المصنعون لإنتربرايز.
تنافسية الصادرات الصناعية المصرية إلى أوروبا في خطر بالفعل، خاصة في القطاعات كثيفة الكربون مثل الأسمدة والحديد والصلب والألومنيوم والكيماويات والزجاج، حسبما يعتقد أبو المكارم، موضحا أن دخول CBAM حيز التطبيق الكامل يعني أن المنتجات المصرية ستتحمل تكلفة إضافية إذا لم تتمكن من إثبات التزامها بخفض الانبعاثات، ما قد يقلل من قدرتها على المنافسة أمام دول أخرى أكثر استعدادا.
مصر تتحرك مبكرا نحو الأخضر.. حتى لو كانت أوروبا لم تحسم أمرها بعد: بدأت واحدة من شركات الحديد والصلب المصرية منذ أكثر من عامين خطوات عملية للتحول إلى الإنتاج منخفض الكربون، في إطار الاستعداد المبكر لتطبيق آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية المنتظر دخولها حيز التنفيذ في 2026، وفقا لما قاله الرئيس التنفيذي للشركة لإنتربرايز، مشيرا إلى التركيز على هذا التوجه منذ انطلاق الحديث الأوروبي عن "الصلب الأخضر"، انطلاقا من قناعة بأن الالتزام البيئي لم يعد ترفا، بل ضرورة استراتيجية لضمان البقاء في أسواق التصدير، خصوصا الأوروبية". وعلى الرغم من عدم اكتمال التفاصيل الفنية لتطبيق آلية الكربون الأوروبية بعد، يرى الرئيس التنفيذي للشركة أن الصناعة المصرية عليها الاستعداد الكامل لهذه التغيرات، إذ أن "التحول الأخضر لم يعد خيارا، بل شرطا للمنافسة. حتى وإن تأخرت أوروبا، لا يمكننا أن نؤجل تحركنا".
... كما تمتلك ميزة تنافسية في هذه الرحلة: اعتماد الصناعة المصرية على الغاز الطبيعي والكهرباء يمنحها ميزة نسبية مقارنة بالمنافسين الأوروبيين، الذين يواجهون تحديات كبيرة في أسعار الطاقة وتوفرها. "تكلفة التحول لدينا أقل بكثير، وهذا يمنحنا أفضلية واضحة إذا أحسنّا الاستعداد واستفدنا من فرص التمويل الأخضر المتاحة"، وفقا لما قاله الرئيس التنفيذي لشركة الحديد والصلب.
بعض المصنعين على الطريق بالفعل: بدأت بعض المصانع المصرية خطوات فعلية نحو تحويل عملياتها للأخضر، سواء من خلال تحسين كفاءة الطاقة أو استخدام مصادر طاقة متجددة، أو حتى تطوير نظم الرصد والإبلاغ والتحقق (MRV)، وفقا لما قاله أبو المكارم لإنتربرايز. "بدأنا نخطط لتقليل البصمة الكربونية للعمليات بشكل تدريجي، رغم أن المفاهيم والمواصفات المطلوبة لا تزال غير واضحة بالكامل من الجانب الأوروبي"، بحسب ما قاله الرئيس التنفيذي لشركة الحديد والصلب لإنتربرايز.
لكن التحديات كثيرة: يعترض رحلة الشركات الصناعية نحو التحول إلى الأخضر العديد من التحديات، بما في ذلك ارتفاع تكلفة التحول، لا سيما في ظل محدودية التمويل الأخضر الميسر، وغياب الحوافز الفعالة لتشجيع الاستثمار في التحول البيئي، فضلا عن نقص الكوادر الفنية المتخصصة في إدارة الانبعاثات أو إعداد تقارير الكربون.
توفير التمويلات الميسرة والمنح الدولية عبر هذه المنصة يمثل حلا مباشرا لأبرز التحديات التي تواجه المصانع، خاصة في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وفقا لما قاله البهي. كما ينبغي أن يرتكز نجاح المنصة المقترحة على ربط التمويل بالحوافز التشريعية، مثل الإعفاءات الضريبية أو الدعم الفني، خصوصا أن بعض التحولات الخضراء تتطلب تغييرات هيكلية في خطوط الإنتاج، بحسب البهي. ينبغي أن تكون المنصة قادرة على الوصول إلى المصانع الصغيرة والمتوسطة، التي غالبا ما تواجه صعوبات في استيفاء متطلبات الحوكمة الدولية والتعامل مع الجهات المانحة، وفقا للبهي، الذي أوضح أن هذه الشريحة تمثل نسبة كبيرة من قاعدة الصناعة المصرية، ويجب مساعدتها فنيا وتعاقديا لضمان استفادتها من التمويلات والتحول الفعلي نحو التشغيل الأخضر.