🏭 الدواء المصري يقترب من عصر تصنيع أعمق.. وجيل جديد من الاستثمارات العالمية في الطريق: يشهد قطاع الدواء المحلي مرحلة إعادة تشكيل مدفوعة بموجة قوية من التوطين وتحديث آليات التسعير وتوسع الشركات العالمية في مصر، بالتوازي مع أداء مالي لافت للشركات المدرجة. ورغم الضغوط المرتبطة بتكاليف الإنتاج والتمويل، تشير البيانات الرسمية ونتائج الأعمال إلى أن القطاع يتحرك بسرعة نحو نماذج تشغيل أكثر كفاءة، مع زيادة الاعتماد على الصناعات المعقدة محليا، ودخول لاعبين جدد، وتوسع في قنوات البيع.
وبينما تعمل هيئة الدواء على رفع نسب الاكتفاء الذاتي وتقديم حوافز للتصنيع، يطالب المنتجون بآليات تسعير أكثر مرونة لمواكبة التغيرات في التكلفة، في وقت ترتفع فيه التوقعات بأن يتجاوز حجم سوق الدواء المحلي 400 مليار جنيه بنهاية 2025. وفي الخلفية، تكشف نتائج الشركات عن تحول تشغيلي كبير يعزز قدرة القطاع على النمو رغم تحديات السوق.
مستهدفات مرنة للتوطين: تعمل هيئة الدواء المصرية بمستهدفات مرنة تختلف من مجموعة علاجية لأخرى، إذ وصل معدل الاكتفاءالذاتي من الدواء حاليا إلى 91.3%، مع خطة للوصول إلى نحو %94 خلال السنوات القليلة المقبلة، وفقا لما قاله رئيس الهيئة علي الغمراوي لإنتربرايز، مشيرا إلى احتساب إنتاج الشركات العالمية العاملة بمصانع داخل مصر ضمن نسب التصنيع المحلي.
ويأتي هذا بعد توطين 208 مستحضرات دوائية في السوق المحلية بالفعل في السنوات الأخيرة، والتي تقدر فاتورتها الاستيرادية بنحو 732 مليون دولار سنويا. ويضم القطاع حاليا 179 مصنع دواء و187 مصنعا لإنتاج المستلزمات الطبية و4 مصانع للأدوية البيولوجية و9 مصانع للأدوية البيطرية، بإجمالي خطوط إنتاج يصل إلى 2700 خط، وفقا لما كشفه الغمراوي.
معظم الشركات الدوائية العالمية الكبرى تعمل بالفعل في السوق المحلية وتوسع نشاطها من مصر إلى أفريقيا، وفقا لما قاله الغمراوي لإنتربرايز. لكن تصنيع بعض أنواع الأدوية مثل علاجات الأورام يتطلب استثمارات كبيرة و”نفسا طويلا”، ما يجعل دخول لاعبين جدد أمرا محدودا، حسبما أشار الغمراوي.
طلبات جديدة للاستثمار: تتفاوض إحدى الشركات الصينية مع جهات حكومية لإنشاء مصنع لإنتاج الخامات الدوائية محليا، وفقا لما قاله الغمراوي لإنتربرايز. يأتي ذلك في الوقت الذي تلقت فيه الحكومة طلبات من نحو 7 شركات عالمية، أميركية وصينية وهندية وأوروبية، للتوسع في السوق المحلية خلال عام 2026، سواء من خلال التصنيع في مدينة الدواء المصرية جيبتوفارما أو الدخول في شراكات مع مستثمرين محليين.
توطين الصناعات المعقدة: يمثل إعلان إيفا فارما هذا الشهر عن طرح 7 مستحضرات لعلاج أمراض الأورام — بعد تطوير 18 منتجا متخصصا — نقطة انطلاق لتوطين علاجات الأورام الموجهة محليا، بالتوازي مع توطين 30 مستحضرا مشابها من قبل شركات أخرى. ويجري هذا التوسع تدريجيا نظرا لتعقيد هذه الأدوية وارتفاع تكلفتها الاستثمارية، بحسب الغمراوي. ويصف رئيس شعبة الأدوية علي عوف، ما تحقق منذ 2024 بأنه “قفزة غير مسبوقة”، مع توقع وفورات كبيرة للدولة والمريض من توسيع تصنيع المواد الفعالة والأدوية البيولوجية محليا. ويرى عوف أن نجاح هذا المسار يعتمد على قدرة المصانع على تصدير 70% من إنتاجها لضمان الجدوى الاقتصادية.
تحريك الأسعار قد لا يعني زيادتها: تحسن المؤشرات الاقتصادية من تراجع الدولار وتباطؤ التضخم وخفض معدلات الفائدة، يفتح الباب لمراجعات سعرية قد تؤدي إلى خفض أسعار بعض المستحضرات “إذا لم تكن هناك زيادات ملموسة في التكاليف”، وفقا لما قاله الغمراوي لإنتربرايز. وتدرس هيئة الدواء المصرية حاليا تعديلات جديدة على آلية التسعير، بعد تقارير تشير إلى إعادة تسعير نحو 1600 منتج إضافي حتى نهاية 2025، فيما تتوقع بحوث إي إف جي القابضة أن يغطي التحريك السوق بالكامل بحلول النصف الثاني من 2026.
ولكن الهيئة أوقفت دورة تحريك أسعار الأدوية بعد آخر موجة في أكتوبر 2024، حسبما قال عوف لإنتربرايز. ولأن الزيادات الأخيرة كانت تستند إلى سعر صرف 50-51 جنيها للدولار، فهذا يعني أن استمرار ارتفاع الجنيه حتى 2026 قد يدعم ربحية الشركات بشكل ملحوظ، حسبما ورد في مذكرة صادرة عن سي أي كابيتال.
المنتجون يضغطون للزيادة بسبب ارتفاع التكاليف: زيادة تكلفة الوقود والغاز رفعت تكاليف الإنتاج والتوزيع مباشرة بنسبة 2%، مع آثار غير مباشرة أكبر على سلاسل التوريد، حسبما يرى عوف، مطالبا بعض المصنعين برفع الأسعار بنحو 10% لتعويض الزيادة في التكاليف. كما انتقد رسوم الخدمات التي تفرضها هيئة الدواء — والتي ارتفعت من مليون جنيه قبل 2018 إلى 5 ملايين جنيه للتسجيل — معتبرا أنها لا تعكس مستوى الخدمات الفعلية.
تحديث مرتقب لآليات التسعير الجبري: تعمل هيئة الدواء على تحديث آليات التسعير الجبري، لتكون أكثر مرونة في تحريك الأسعار عند تغير التكاليف أو سعر الصرف دون انتظار طويل، في تحديث لقرار 499 الخاص بالتسعير الجبري للأدوية. وترى شعبة الأدوية أن التسعيرة الجبرية ضرورية لحماية أصحاب الأمراض المزمنة، لكنها غير منصفة بالشكل الحالي، ما يجعلها غير جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، بحسب عوف.
الشعبة لا تعارض التسعيرة الجبرية، لكن ينبغي أن تكون مبنية على تكلفة حقيقية وليس انتقائية، بحسب عوف. يأتي هذا بينما بدأت عدة شركات أجنبية في تقليص توريد بعض الأصناف الحيوية التي لا تمتلك بدائل محلية بسبب عدم مواكبة الأسعار للتكاليف الجديدة، ما تسبب في موجات من النواقص خلال الشهور الأخيرة. “الشركات المصدرة لم تعد تقبل بتحمل الفجوة بين التكلفة والسعر”، وفقا لما قاله عوف لإنتربرايز.
التسعير الجبري ليس جاذبا للاستثمار، إذ يتجاهل تثبيت أسعار الدواء لمدد تصل إلى 5 سنوات سلسلة واسعة من التكاليف المتغيرة — من الأجور والتأمينات والكهرباء والرسوم إلى المحروقات — في مقابل التركيز على سعر الصرف فقط، حسبما أوضح عوف لإنتربرايز، مضيفا أن أي مستثمر أجنبي يدخل السوق يبني خطته على معطيات واضحة لسنوات وهذا غير متاح حاليا.
والمطلوب؟ يعد التحول إلى سياسة تسعير مرنة تعتمد على حساب التكلفة الفعلية للإنتاج، ثم إضافة هامش ربح يتراوح بين 15-20%، هو مطلب الشعبة الأول في التعديلات المنتظرة على آليات تسعير الدواء، بحسب عوف، الذي اعتبر أن “المعادلة بسيطة وواضحة: تكلفة حقيقية + هامش ربح عادل”، بما يضمن قدرة الشركات على إنتاج الدواء دون ضغوط مالية.
لا تزال مطالب شركات الأدوية تتركز حول أربع قضايا رئيسية: إعادة تسعير الأدوية لمواكبة ارتفاع التكاليف، مع اتساع الفجوة بين المصروفات والعائدات تحت نظام التسعير الإلزامي القائم منذ 2012، وتسهيل الحصول على المواد الخام عبر تفعيل دور شركات القطاع العام وإنشاء شراكات مع القطاع الخاص لتوفير استثمارات كبيرة وتكنولوجيا يصعب على الشركات منفردة تحملها، وخفض الرسوم والضرائب المرتفعة على التراخيص والمستحضرات الجديدة لجذب استثمارات إضافية، وتبسيط الإجراءات الخاصة بالتسجيل والترخيص.
ورغم أن هذه المطالب مطروحة منذ سنوات، تؤكد شعبة الأدوية واتحاد الصناعات أن هناك تفاعلا حكوميا أكبر في العامين الماضيين، مع اجتماعات ممتدة لإصلاح ملفات التكاليف والترخيص، فيما تعمل هيئة الدواء على تقديم مزيد من الحوافز للقطاع الخاص ودعم خطط التوطين.
تتوقع هيئة الدواء نمو مبيعات السوق بنسبة تتجاوز 30% لتصل إلى 400 مليار جنيه بنهاية 2025، بدعم من التوسع في الإنتاج المحلي وزيادة الطلب، كما تستهدف مصر رفع صادراتها إلى 1.3 مليار دولار خلال العام، مع توسع المصانع البالغ عددها نحو 180 مصنعا واتجاه الدولة لجذب خطوط إنتاج جديدة، وفقا لما قاله الغمراوي لإنتربرايز في وقت سابق، مشيرا إلى أن مصر تتصدر المنطقة من حيث عدد الوحدات المباعة بإنتاج سنوي يتراوح بين 3.7 و4 مليارات وحدة دوائية.
عام صعب في الأفق للشركات الأصغر: يتوقع عوف أن يكون 2026 عاما قاسيا على المصانع الصغيرة والمتوسطة بسبب ارتفاع التكاليف والرسوم، ما قد يؤدي إلى خروج عدد منها من السوق. ويحذر من أن خروج المخازن الصغيرة والمتوسطة قد يسحب سيولة تتجاوز 50 مليار جنيه من دورة تداول الدواء، وهو ما يضغط على قطاع يعاني بالفعل من فجوات تمويلية، مشيرا إلى خسائر كبيرة تحملها ممولو القطاع مثل شركة المتحدة التي تحملت وحدها نحو 12 مليار جنيه.
نتائج أعمال الشركات تكشف تحولا تشغيليا واضحا: برزت ابن سينا فارما كقوة رئيسية في التوزيع غير الدوائي بحصة سوقية 32.4% وهوامش أعلى من الدواء (11.5%) ودورة تحصيل أسرع، ما يجعل هذه الأنشطة مرشحا لتمثل 25-30% من أرباحها حتى 2030. وسجلت ماكرو جروب نموا استثنائيا في الإيرادات بنسبة 113% مدفوعة بزيادة حجم المبيعات والتعديلات السعرية، مع فرص متزايدة في التصدير والتوزيع متعدد القنوات. فيما حققت راميدا نموا بنسبة 66% مدعوما بانتعاش مبيعات المناقصات ونمو القطاع الخاص بنسبة 53% بعد موجة زيادات الأسعار.
كشفت النتائج أيضا قدرة الشركات على التحوط ضد تقلبات السوق، إذ قفزت أرباح ماكرو الإجمالية 140% مع تحسن دورة تحويل النقد، بينما سجلت راميدا نموا قويا في الربحية التشغيلية رغم ضغوط التمويل. وجاءت نتائج جلاكسو أكثر تحفظا مع تراجع صافي الربح إلى 30.2 مليون جنيه، ما يعكس تباين الأداء بين الشركات التي تمكنت من ضبط تكاليفها وتلك التي ما تزال تتأثر بظروف السوق.