🏭 قفزة النحاس العالمية تعيد رسم خريطة الربح والخسارة في الصناعة والمقاولات: بينما تواصل أسعار النحاس تسجيل مستويات تاريخية غير مسبوقة في الأسواق العالمية، تتكشف في مصر صورة مزدوجة للتأثير: مكاسب واضحة لكبار المصنعين الموجهين للتصدير مقابل ضغوط متزايدة على السوق المحلية وسلسلة المقاولات.

قفزة أسعار الخام لا تضرب قطاعات الصناعة بشكل متساو، بل تعيد توزيع المخاطر والربحية بين من يملك القدرة على تمرير التكلفة للأسواق الدولارية، ومن يظل مقيدا بعقود محلية جامدة وهوامش محدودة، في وقت تتحول فيه الكابلات والمهمات الكهربائية إلى أحد أكثر مكونات التكلفة حساسية في مشروعات البنية التحتية.

ارتفاع تاريخي لأسعار النحاس عالميا: شهدت أسعار النحاس في بورصة لندن للمعادن عاما استثنائيا في 2025، بعدما لامست مستوى 13 ألف دولار للطن يوم الاثنين الماضي، مسجلة ارتفاعا يتراوح بين 35% و40% مقارنة ببداية العام، حين كانت تتداول قرب 8700–8950 دولارا للطن، وفق بيانات بورصة لندن للمعادن. وفي ديسمبر وحده، قفزت الأسعار بأكثر من 15% مقارنة بمستويات نوفمبر، في أسرع وتيرة صعود شهرية خلال العام.

والسبب؟ مزيج من اندفاع المضاربين والتوترات التجارية والضغوط البنيوية في السوق، حسبما أوضح المحللون لفايننشال تايمز. في 2025، سجل النحاس أكبر ارتفاع سنوي منذ 2009، مدفوعا بتوقعات فرض تعريفات جمركية أمريكية على واردات المعدن، ما دفع المتعاملين إلى تسريع شراء الشحنات وتوجيهها نحو الولايات المتحدة قبل تطبيق الرسوم، الأمر الذي استنزف المخزونات العالمية وأوسع الفوارق السعرية بين بورصة لندن للمعادن وبورصة السلع الأمريكية.

إلى جانب ذلك، واجهت السوق اضطرابات في العرض بسبب تعطلات مفاجئة في عدة مناجم كبرى، بينما لا تزال الإمدادات الجديدة تتأخر في الدخول، مما فاقم المخاوف من عجز هيكلي في المعروض على المدى المتوسط. يعزز الطلب القوي أيضا على النحاس، الذي يعد عنصرا أساسيا في التحول نحو الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية وحتى الصناعات الإلكترونية، الضغط على الأسعار، بينما قد يؤدي ارتفاع الأسعار نفسه إلى تقلص الطلب في بعض الأسواق مستقبلا، خاصة مع تباطؤ النمو الصناعي في الصين، حسبما يعتقد المحللون.

الأثر يطال السوق المحلية دون أدوات تحوط، وسط غياب تحركات تنفيذية أوسع تمكن القطاع من احتواء الصدمة، إذ ينعكس هذا الارتفاع القياسي في أسعار النحاس مباشرة على المصانع الهندسية المعتمدة على السوق المحلية، في ظل غياب أدوات فعالة للتحوط أو امتصاص تقلبات الأسعار، وفقا لما قاله رئيس غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات المصرية محمد المهندس لإنتربرايز.

تأثير الزيادة لا يتوقف عند المصنع، بل يمتد عبر سلسلة الإنتاج ليصل في النهاية إلى المستهلك، سواء في صورة ارتفاع أسعار المنتجات أو تراجع حجم المعروض، حسبما أوضح المهندس، لافتا إلى أن “الأزمة لم تعد في التشخيص بقدر ما هي في غياب حلول تنفيذية”. الغرفة قامت بدورها في رصد الأزمة وتحليل تداعياتها والتنبيه إلى نتائجها على السوق، إلا أن تسعير الخام يتم عالميا خارج نطاق السيطرة المحلية، بينما تظل أدوات تنظيم السوق الداخلي محدودة، بحسب المهندس.

التصنيع العميق للكابلات كخط دفاع أول: النحاس يمثل العصب الرئيسي لصناعة الكابلات وقدرة المصنعين على الاستمرار لا ترتبط فقط بسعر الخام، بل بمدى نجاحها في التصنيع العميق ورفع القيمة المضافة محليا وإدارة المخاطر المرتبطة بالتوريد والتمويل في بيئة عالمية شديدة التقلب، وفقا لما قاله مدير عام شركة السويدي للكابلات عمرو الصواف لإنتربرايز في وقت سابق. لكن السويدي للكابلات لا تراهن على سعر النحاس، بل على تعظيم القيمة المضافة من خلال التصنيع العميق محليا. ومع عدم امتلاك مصر لإنتاج محلي مؤثر من الخام، فإن الشركة تخضع لتقلبات الأسعار العالمية في البورصات الدولية، والتي تشهد تغيرات يومية حادة، ما يفرض ضغوطا مستمرة على التكلفة، حسبما أضاف.

يكمن الاستثمار الحقيقي للسويدي للكابلات في تحويل النحاس من ألواح ولفائف إلى منتجات صناعية نهائية عالية التعقيد، تدخل في صناعة الكابلات ومشروعات البنية التحتية. ينعكس هذا النهج مباشرة على رفع نسبة المكون المحلي في منتجات الشركة، والتي تتراوح في المتوسط بين 40% وقد تصل في بعض المنتجات إلى 90% من حيث القيمة، وهو ما يعزز تنافسية المنتج النهائي رغم الاعتماد الكامل على استيراد الخام، حسبما أوضح الصواف.

مكاسب تصديرية وضغوط داخلية: يأتي هذا في الوقت الذي تمكن فيه كبار المصنعين من امتصاص صدمة ارتفاع أسعار النحاس عبر التصدير وتعويض التكلفة من الأسواق الدولارية. فيما انتقل الضغط الأكبر إلى السوق المحلية، وتحديدا إلى شركات المقاولات العاملة في مشروعات الدولة والبنية التحتية، وفقا لما قاله المحللون لإنتربرايز. فمع ارتفاع تكلفة النحاس عالميا وزيادة تكاليف التمويل والمخزون، تواجه شركات الكابلات المحلية هوامش ضيقة عند البيع للسوق المصرية، لا سيما في ظل عقود حكومية لا تتضمن دائما بنود تصعيد سعري مرنة تواكب القفزات السريعة في أسعار المدخلات.

أرقام الصادرات تعكس صورة مختلطة: تراجعت قيمة صادرات مصر من النحاس ومصنوعاته بنسبة 9% على أساس سنوي إلى 847 مليون دولار في أول 11 شهرا من 2025، بحسب بيانات المجلس التصديري لمواد البناء، الذي عزا تباين أداء صادرات النحاس المصري هذا العام إلى اختلاف الطلب بين الأسواق الرئيسية على منتجات النحاس والمصنوعات المختلفة، حيث شهدت بعض الأسواق انخفاضا ملحوظا، بينما حققت أسواق أخرى نموا جيدا خلال الفترة نفسها.

أما الصادرات الهندسية فقد واصلت أداءها الإيجابي خلال عام 2025، مسجلة قفزة قوية في نوفمبر بنمو سنوي بلغ 35.4% لتصل إلى 621.3 مليون دولار. كما ارتفعت الصادرات خلال أول 11 شهرا من العام بنسبة 13.9% على أساس سنوي مسجلة 5.93 مليار دولار. وجاء هذا النمو مدفوعا بالأداء القوي لقطاعات الآلات والمعدات (+25%) والصناعات الكهربائية والإلكترونية (+24%) ومكونات السيارات (+22%) ووسائل النقل (+13%) والأجهزة المنزلية (+12%)، بحسب بيانات المجلس التصديري للصناعات الهندسية.

كيف يتعامل قطاع المقاولات مع موجة ارتفاع أسعار الكابلات؟

أسعار النحاس تختبر هوامش المقاولين دون تعطيل المشروعات: يشكل ارتفاع أسعار النحاس ضغطا موضعيا على قطاع المقاولات عبر زيادة تكلفة المهمات الكهربائية، لكنه لا يصل إلى حد تعطيل التنفيذ، إذ يمتص جزئيا عبر سياسات التحوط وتراجع أسعار خامات أخرى لا سيما الحديد والأسمنت، وفقا لما قاله نائب رئيس شركة مدكور للمقاولات العامة محمد صقر، ورئيس مجلس إدارة شركة الدقة للاستشارات الهندسية وليد سويدة لإنتربرايز. ويتوقع الطرفان أن يظل الأثر محصورا في ضغط على الهوامش والجداول الزمنية، مع استمرار تنفيذ المشروعات بوتيرة أبطأ.

مشروعات الكابلات هي الأكثر حساسية لتقلبات أسعار النحاس، إذ قد تصل الزيادة في التكلفة إلى نحو 15%، بينما يبقى الأثر أقل بكثير في باقي مشروعات البنية التحتية، وفقا لما قاله صقر، موضحا أن حجم التأثير يرتبط بطبيعة تسعير المشروع نفسه، وما إذا كانت العقود قد أخذت في الحسبان مخاطر تقلب أسعار الخامات من عدمه.

عقود حكومية جامدة وسوق موردين متقلب: يربط موردي الكابلات تسعيرهم بأسعار النحاس والألومنيوم في البورصات العالمية، وغالبا لا تتجاوز صلاحية عروض الأسعار شهرين في أفضل الأحوال، ومعظم العقود الحكومية خاصة العقود ذات الأسعار الثابتة، لا تسمح بتعويض فروق الأسعار الناتجة عن تقلبات الخامات ما يجعل شركات المقاولات أكثر عرضة لامتصاص جزء من الزيادة داخل هوامشها، خصوصا في المشروعات المسعرة مسبقا، حسبما أشار صقر.

قطاع المقاولات يتعامل حاليا مع زيادات متكررة في أسعار الكابلات خلال فترات قصيرة، أو تقليص فترات صلاحية عروض الأسعار، أو أولوية لتلبية الطلبات التصديرية ذات التسعير الدولاري وشروط السداد الأسرع، بحسب المحللون. لكن هذا الوضع يخلق فجوة متزايدة بين قدرة المشروعات الكبرى ذات التمويل الحكومي أو السيادي على استيعاب الزيادات، وبين المشروعات المتوسطة والصغيرة التي تجد نفسها مضطرة إما إلى تحمل التكلفة على حساب هامش الربح أو إعادة التفاوض على جداول التنفيذ، بحسب مطلعين في السوق. وفي هذا السياق، يصبح النحاس عامل ضغط غير مباشر على وتيرة تنفيذ المشروعات المحلية، وليس مجرد مدخل صناعي مرتفع السعر، خاصة إذا استمرت الأسعار العالمية عند مستوياتها القياسية، واستمر سحب جزء متزايد من الطاقة الإنتاجية للسوق التصديرية.

ما نترقبه هذا العام: من المتوقع أن يتجاوز الطلب على المعادن الصناعية المعروض المستخرج بحلول عام 2030 وأن تظل الأسعار مرتفعة في 2026، بحسب المحللين. وتتزايد الحاجة إلى النحاس نتيجة للتحول من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية وكهربة المركبات، وازدهار بناء مراكز البيانات التي تشغل الذكاء الاصطناعي. لكن مناجم النحاس القديمة أصبحت أقل إنتاجية، وإنشاء الجديد منها أصبح مكلف للغاية ويستغرق سنوات.