🏭 الأسمنت المصري يتحول إلى ماكينة تصدير: لم يعد قطاع الأسمنت في مصر مجرد مورد لسوق البناء المحلية، بل تحول تدريجيا إلى مصدر مهم للعملة الصعبة. فمع اتساع الفائض الإنتاجي محليا وتحسن كفاءة التشغيل داخل المصانع، اتجهت الشركات إلى توسيع حضورها في الأسواق الخارجية، بعد سنوات من فجوة المعروض التي أغلقت العام الماضي بالفعل، في تحول يعيد رسم خريطة الصناعة.
بالأرقام: سجلت صادرات الأسمنت المصرية نموا ملحوظا خلال فبراير الماضي، إذ ارتفعت الكميات المصدرة إلى نحو 1.9 مليون طن مقارنة مع 1.75 مليون طن في الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة تبلغ 8.4%، وفقا لما أظهرته بيانات مجمعة عن سوق الأسمنت اطلعت عليها إنتربرايز. وعلى مستوى العائدات، بلغت قيمة الصادرات نحو 82 مليون دولار مقارنة مع 79.6 مليون دولار في فبراير 2025، بزيادة تقارب 3%، في ظل تقلبات الأسعار العالمية. وإجمالا، ارتفع إنتاج الأسمنت إلى نحو 5.8 مليون طن مقارنة مع 5.15 مليون طن في فبراير 2025، بزيادة سنوية تبلغ 12.5%، مدعوما باستقرار إمدادات الطاقة وتوسع المصانع في استخدام الوقود البديل.
ما الذي تغير في المصانع؟ قبل عام فقط، كانت شركات الأسمنت المصرية تركز على احتواء صدمة التكاليف الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة وتقلبات سعر الصرف، إذ تمثل الطاقة ما بين 50- 60% من تكلفة إنتاج الطن، ما جعل هوامش الربح تحت ضغط كبير خلال 2024 وبداية 2025.
لكن بحلول 2026، بدأت ثمار الاستثمارات في الوقود البديل ومزيج الطاقة في الظهور. توسعت المصانع في استخدام المخلفات الصناعية والوقود المشتق من المخلفات والفحم، ما ساعد على تثبيت تكلفة الإنتاج نسبيا ومنح الشركات قدرة أكبر على الحفاظ على الهوامش التشغيلية، حسبما يعتقد محللو الأهلي فاروس وإتش سي لتداول الأوراق المالية.
من سوق محلية مشبعة إلى أسواق عالمية: يعاني قطاع الأسمنت في مصر منذ سنوات من فائض كبير في الطاقة الإنتاجية يقدر بنحو 15 إلى 20 مليون طن سنويا فوق احتياجات السوق المحلية، وفقا لما قاله أحمد شرين كريم رئيس شعبة الأسمنت باتحاد الصناعات المصرية لإنتربرايز. لكن بدلا من خفض الإنتاج، اختارت الشركات تحويل هذا الفائض إلى فرصة تصديرية، حسبما أضاف. هذا ما يفسر ارتفاع الإنتاج إلى نحو 5.8 مليون طن خلال فبراير 2026 مقارنة مع 5.15 مليون طن في فبراير من العام الماضي، بزيادة سنوية بلغت 12.5%، إذ يتم توجيه جزء متزايد من هذا الإنتاج للأسواق الخارجية التي وصلت إلى نحو 100 دولة.
التحول اللافت في الصادرات لم يكن في الكميات فقط، بل في تركيبة المنتج نفسه. بينما كانت الصادرات تتركز سابقا على الكلنكر، ارتفعت حصة الأسمنت النهائي والمنتجات الأعلى قيمة مضافة خلال الفترة الأخيرة. وفي فبراير الماضي، بلغت صادرات الأسمنت النهائي نحو 1.2 مليون طن مقابل 700 ألف طن من الكلنكر، وهو اتجاه يعزز القيمة المضافة لكل طن مُصدر، بحسب المحللين. كما بدأت بعض الشركات في التوسع بإنتاج الأسمنت منخفض الانبعاثات الكربونية، في خطوة قد تمنح المنتج المصري ميزة تنافسية في الأسواق التي تتجه تدريجيا إلى فرض قيود كربونية أكثر صرامة، خاصة في أوروبا.
هذا التحول في استراتيجية القطاع يحمل دلالة أوسع للمستثمرين. فمع استقرار الطلب المحلي عند مستويات مدفوعة بالمشروعات القومية، والتي تمثل نحو 62% من الاستهلاك، يصبح التصدير صمام أمان للقطاع في حال تباطؤ نشاط البناء مستقبلا. كما يمنح الشركات المدرجة في البورصة مصدر إيرادات بالعملة الصعبة، وهو ما انعكس بالفعل على نتائج أعمال عدد من الشركات خلال العام الماضي، حسبما أجمع محللو الأهلي فاروس وإتش سي لتدوال الأوراق المالية.
الحكومة سعت إلى استقرار الأسعار محليا: في أكتوبر، منحت الحكومة حافزا استثنائيا لمصنعي الأسمنت لدعم زيادة المعروض في السوق المحلية، تحصل بموجبه المصانع التي تزيد إنتاجها وتوجهه إلى السوق المحلية على خصومات مؤقتة على رسوم الإجراءات الخاصة بتعديل الطاقة الإنتاجية في رخص التشغيل. وجاء ذلك بعد أن أمهلت الحكومة في يوليو الماضي مصانع الأسمنت شهرا واحدا لإعادة تشغيل خطوط الإنتاج المتوقفة لتحقيق استقرار الأسعار وتلبية الطلب المحلي. ومنذ إلغاء نظام الحصص في مايو 2025، ظلت أسعار الأسمنت مستقرة بالقرب من 81 دولارا للطن (3883 جنيها)، ارتفاعا من 50 دولارا للطن (2077 جنيها) قبل عام. واستقرت أسعار البيع للمستهلك في نطاق 4000 إلى 4200 جنيه للطن هذا الشهر.
كما تستعد المصانع لموسم البناء بزيادة المخزون: ارتفع مخزون الأسمنت لدى المصانع بنهاية فبراير إلى نحو 4.2 مليون طن مقارنة بـ 4 ملايين طن في الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة تقارب 5%، حسبما أظهرت البيانات. ويعكس هذا الارتفاع استعداد الشركات لموسم البناء خلال الربيع، إضافة إلى مساعي الحكومة للحفاظ على توازن السوق بين المعروض المحلي واحتياجات التصدير، حسبما أوضح كريم لإنتربرايز.
نتائج قوية تنعكس على أسهم شركات القطاع: انعكس التحسن في الأداء التشغيلي للمصانع على نتائج شركات الأسمنت المدرجة في البورصة المصرية، والتي سجل عدد منها نموا ملحوظا في الأرباح خلال عام 2025. فقد حققت العربية للأسمنت نموا قويا في أرباحها خلال العام الماضي، مدفوعة بتحسن الكفاءة التشغيلية وهوامش الربح. كما سجلت مصر للأسمنت قنا قفزة كبيرة في الأرباح مستفيدة من موقعها القريب من أسواق التصدير في السودان وشرق أفريقيا.
وفي المقابل، نجحت أسمنت سيناء في العودة إلى الربحية بعد إعادة هيكلة ديونها، بينما حافظت مصر بني سويف للأسمنت على جاذبيتها لدى المستثمرين بفضل استقرار إنتاجها وتوزيعاتها النقدية. أما جنوب الوادي للأسمنت فلا تزال تسجل خسائر، لكنها تمكنت من تقليصها بشكل ملحوظ مع استمرار خطط التطوير وزيادة رأس المال المرتقبة.