? قطاع الأدوية يدخل مرحلة التصنيع العميق: لم تعد استراتيجية الدواء في مصر تقتصر على فكرة التعبئة والتغليف، بل دخلت مرحلة التصنيع العميق وتوطين التكنولوجيا الحيوية. تكشف البيانات الحديثة ونتائج أعمال الشركات عن تحول جذري يستهدف خفض الفاتورة الاستيرادية للدواء، عبر توطين صناعات نوعية تشمل أدوية الأورام الموجهة والأنسولين واللقاحات الجينية والخامات الدوائية، فكيف يحدث هذا التحول؟

أدوية للأورام بتكنولوجيا معقدة ووفرا بالمليارات: دخلت مصر فعليا عصر تصنيع علاجات الأورام الموجهة، وهي خطوة وصفت بأنها تحتاج نفسا طويلا واستثمارات ضخمة. وجاء ذلك مع تدشين إيفا فارما منظومة صناعية معتمدة أوروبيا بطاقة إنتاجية تصل إلى 22 مليون عبوة سنويا (بمعدل 60 ألف عبوة يوميا)، وهو ما يفوق احتياجات السوق المحلية ويفتح الباب للتصدير. ونجحت الشركة في تطوير 18 دواء متخصصا لعلاج أنواع مختلفة من الأورام، وطرحت منها 7 مستحضرات بالفعل، حسبما أوضح الرئيس التنفيذي رياض أرمانيوس لإنتربرايز. قائمة الأدوية التي أطلقتها الشركة تشمل أول مثيل محلي لعلاج اللوكيميا، والذي تقدر فاتورته الاستيرادية سابقا بـ 44 مليون دولار، بالإضافة إلى أول مثيل محلي لعقار تاجريسو المستخدم في علاج سرطان الرئة بفاتورة استيرادية تبلغ 14.4 مليون دولار سنويا، بحسب أرمانيوس.

الفارق السعري من 200 ألف جنيه شهريا إلى أقل من 60 ألفا: تصل تكلفة الدواء المستورد للمريض الواحد إلى 200 ألف جنيه شهريا، بينما انخفضت تكلفة المثيل المحلي إلى متوسط يتراوح بين 57 و59 ألف جنيه، ما يوفر مليارات الجنيهات في بند العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي. لا يقتصر الأمر على أدوية الأورام فحسب، بل وقعت إيفا فارما اتفاقية مع روش السويسرية لتوطين تصنيع مثبطات المناعة لمرضى زراعة الأعضاء في مصنعها بمدينة العاشر من رمضان، مع خطط للتصدير للأسواق الناشئة في أفريقيا.

كما يعد ملف الأنسولين أحد أبرز قصص التحول من الاستيراد للتصدير، إذ بدأت إيفا فارما أيضا إنتاج الأنسولين جلارجين محليا بالتعاون مع إيلي ليلي الأمريكية، التي وفرت التكنولوجيا والمادة الفعالة بسعر مخفض، حسبما أوضح أرمانيوس. كما تستهدف الشركة — من خلال خط الإنتاج الجديد — تحويل مصر من استيراد 6 ملايين جرعة سنويا، إلى تصدير 74 مليون جرعة، حسبما أشار. وقد وقعت إيفا فارما بالفعل مذكرات تفاهم للتصدير إلى 56 دولة، مستهدفة الوصول بصادرات الأنسولين إلى 100 مليون دولار سنويا بحلول 2030. كما تدرس مجموعة علي الغانم وأولاده الكويتية إنشاء مصنع للأنسولين في مصر بالتعاون مع شركاء أجانب.

التوسع في سوق اللقاحات المتقدمة أيضا: تستعد للتوسع بقوة في قطاع تصنيع اللقاحات المتقدمة تكنولوجيا، إذ وقعت إيفا فارما في فبراير الماضي اتفاقية مع شركة دي إن إيه سكريبت الفرنسية وشركة كوانتوم بايوساينسز البلجيكية، لإنتاج اللقاحات القائمة على الحمض النووي الريبوزي المرسال، بطاقة إنتاجية تصل إلى 100 مليون جرعة سنويا. من المتوقع أن يبدأ المشروع العمل خلال العام الجاري، وسيخصص الإنتاج لتلبية الطلب المحلي في البداية، مع توجيه الفائض للتصدير للأسواق الخارجية. بمجرد اكتمال نقل التكنولوجيا، ستتمكن مصر من إنتاج لقاحات لأي فيروس موجود أو مستقبلي، دون الحاجة إلى حفظها في درجات حرارة تحت الصفر، حسبما أوضح أرمانيوس.

تستورد مصر حاليا أكثر من 90% من مدخلات الإنتاج والخامات الدوائية، وهو ما يجعل الصناعة عرضة لتقلبات سعر الصرف وسلاسل الإمداد، وفقا لما قاله رئيس هيئة الدواء المصرية علي الغمراوي لإنتربرايز. يأتي هذا في الوقت الذي تتسارع فيه خطى الحكومة لتوطين لصناعة الخامات الدوائية محليا، إذ شهدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس الأسبوع الماضي وضع حجر الأساس لمصنع الشركة العربية للخامات الصيدلية باستثمارات 165 مليون دولار (7.7 مليار جنيه)، الأول من نوعه في مصر. ومن المخطط إقامة المصنع الجديد على مساحة 96 ألف متر مربع لإنتاج المواد الخام الفعالة (API) وغير الفعالة والمواد الوسيطة، على أن يصدر جزء من إنتاجه للهند. كما تجري شركة صينية مفاوضات حاليا مع هيئة الدواء المصرية لإنشاء مصنع آخر لإنتاج الخامات الدوائية محليا، وفقا لما كشفه الغمراوي لإنتربرايز في وقت سابق.

توقيت استراتيجي مع توسع السوق الأفريقية: تشهد صناعة الدواء توسعا ملحوظا على صعيد القارة الأفريقية، ما يحتم الاستعداد مبكرا لتوفير الخامات الدوائية اللازمة لتلك الأسواق، والعمل على تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتوريد هذه الخامات، وفقا لما قاله رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب للشركة المصرية الدولية للصناعات الدوائية إيبيكو أحمد كيلاني. كما أن الإنتاج المحلي من الخامات الدوائية يغطي حاليا ما بين 8 و10% فقط من احتياجات القطاع الدوائي محليا، ما يستدعي إنشاء نحو 60 مصنعا إضافيا لسد الفجوة، حسبما أوضح كيلاني خلال افتتاح مصنع الشركة العربية للخامات الصيدلية.

.. في الوقت الذي تراهن فيه اقتصادية قناة السويس على صناعة الدواء: دشنت شركة أتيكو فارما في ديسمبر المرحلتين الثانية والثالثة من خطوط الإنتاج بمصنعها في العين السخنة، باستخدام معدات متطورة من شركة روميلاج الألمانية السويسرية، في خطوة تستهدف مضاعفة الطاقة الإنتاجية للمحاليل الوريدية وأمبولات الحقن، على أن يبدأ التشغيل الفعلي خلال الربع الأول من هذا العام. وتعد الشركة حاليا أكبر مصدر للمحاليل الطبية في مصر، مع تصدير منتجاتها إلى 13 دولة. كما تضم المنطقة عددا من المشروعات الدوائية الأخرى، من بينها مشروع جينفاكس المتخصص في إنتاج اللقاحات والأمصال باستثمارات تصل إلى 220 مليون دولار.

استثمارات مرتقبة: تتلقى الحكومة طلبات من نحو 7 شركات عالمية للتوسع في السوق هذا العام سواء من خلال التصنيع في مدينة الدواء المصرية جيبتوفارما أو الدخول في شراكات مع مستثمرين محليين، باستثمارات متوقعة لا تقل عن 500 مليون دولار لإنشاء 5 مصانع جديدة، وفقا لما كشفته مصادر بقطاع الدواء لإنتربرايز، دون توضيح المزيد من التفاصيل بشأن هوية هذه الشركات أو نوع وحجم الإنتاج المستهدف.