? البرتقال يتحول تدريجيا إلى التصنيع.. ماذا يحدث بالضبط؟ في حين تشتهر مصر بتصدير البرتقال طازجا دون تصنيع – إذ تأتي في صدارة قائمة الدول المصدرة للمحصول منذ عام 2019 رغم كونها خامس أكبر منتج – فإن الاضطرابات الاقتصادية العالمية الحالية تحول الطلب نحو المنتجات ذات القيمة المضافة مثل العصائر ومركزاتها، مما يدفع الصناعة إلى إعادة النظر في نموذجها الذي يركز على تصدير البرتقال الطازج.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

هل تستطيع مصر سد الفجوة في سوق مضطربة؟ واجهت صناعة عصير البرتقال العالمية صعوبات عديدة على مدار السنوات الأخيرة، أبرزها أمراض النباتات والظواهر الجوية المتطرفة التي تؤثر سلبا على الإنتاج، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وسط محدودية العرض، وفق تقرير صادر عن وزارة الزراعة الأمريكية اطلعت عليه إنتربرايز. ومع انخفاض الإنتاج في البرازيل، أكبر منتج ومصدر لعصير البرتقال في العالم، وارتفاع الطلب من الولايات المتحدة وأوروبا، ارتفعت أسعار العصائر والمركزات بشكل كبير. ومع التحديات التي تشهدها السوق العالمية، أصبحت هناك حالة من عدم الاستقرار في سلاسل التوريد وأسعار المواد الخام، ما يدفع شركات عدة للبحث عن بدائل استراتيجية تضمن استدامة الإنتاج واستقرار التكلفة، حسبما أفاد ممثل عن شركة جهينة للصناعات الغذائية لإنتربرايز.

هذا يتيح فرصة لمصر، إذ من المتوقع أن يتضاعف الإنتاج الإجمالي لعصير البرتقال في البلاد تقريبا هذا العام ليصل إلى 600 ألف طن، مع تحول مزيد من الشركات المحلية من تصدير البرتقال الطازج إلى المنتجات ذات القيمة المضافة من أجل الاستفادة من النقص العالمي.

بالأرقام – حافظت مصر على مكانتها كأكبر مصدر للبرتقال في العالم للعام الخامس على التوالي في 2024 بتصدير 2.4 مليون طن إلى 126 دولة، رغم أنها تحتل المرتبة الخامسة عالميا فقط من حيث الإنتاج بواقع 3.7 مليون طن، بحسب بيانات المجلس التصديري للحاصلات الزراعية. وانخفض إنتاج البلاد بنسبة تتراوح بين 12-15% الموسم المنصرم، وهو ما أرجعه كل من رئيس لجنة الموالح في المجلس محمد خليل ووزارة الزراعة الأمريكية إلى ارتفاع درجات الحرارة لفترات طويلة في بداية الموسم وارتفاع تكاليف الإنتاج، التي وصلت إلى 200% في المزارع الصغيرة في دلتا النيل، التي تعتبر المنطقة الرئيسية لزراعة الحمضيات في البلاد.

تصنيع العصائر يحقق عوائد قوية: تضاعف العائد على الاستثمار في تصنيع العصائر ليبلغ 51% خلال عام 2021، فيما يصل معدل العائد الداخلي إلى 39%، بحسب دراسة حديثة للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة اطلعت عليها انتربرايز. وتبلغ تكلفة إنشاء مصنع لإنتاج العصائر على مساحة تتراوح بين 300-1500 متر نحو 225 مليون جنيه، ويمكن استرداد التكلفة الاستثمارية في غضون 2.3 عام على أقصى تقدير، وفقا للدراسة.

التصنيع يفوق الصادرات الطازجة كخيار أكثر تنافسية وربحية: لا تزال الغالبية العظمى من صادرات البرتقال المصري طازجة، لكن مؤخرا – ومع ارتفاع نقص المعروض العالمي وارتفاع الطلب على البرتقال المصري – رفعت المصانع المحلية أسعار توريد البرتقال إلى 25 جنيها للكيلو (20 جنيها من المزرعة). ومع ارتفاع تكاليف الشحن التي أصبحت تشكل نحو 50% من إجمالي تكاليف التصدير، تراجع الطلب نسبيا على التصدير الطازج لعدم القدرة على المنافسة، وتوجه جزء كبير من الإنتاج نحو المصانع، بحسب ما قاله العضو المنتدب لشركة الكريم للحاصلات الزراعية كريم الشوربجي لإنتربرايز. وأيضا، يتوقع المجلس التصديري أن تهبط صادرات المحصول هذا العام بنحو 10%.

إطالة مدة صلاحية البرتقال تشكل مصدر قلق رئيسيا حاليا، إذ تصعب التوترات الملاحية في المنطقة والأزمات الاقتصادية وصول المنتجات الطازجة إلى الأسواق الخارجية بحالة جيدة، وفق ما قاله الشوربجي، مضيفا أنه بمجرد وصولها إلى وجهتها، يجب أن تبقى الفاكهة على الرفوف لتحقيق أسعار أكبر، وهو ما يشكل تحديا متزايدا. وتتوقع شركة الكريم أن تنخفض صادراتها من البرتقال الطازج إلى 10 آلاف طن هذا العام، انخفاضا من 15 ألف طن و17 ألف طن سنويا في المتوسط سابقا، بحسب الشوربجي.

الشركة تتحول إلى التصنيع: مع تزايد ربحية تصنيع العصائر مقارنة بتصدير البرتقال طازجا، تحول شركة الكريم للحاصلات الزراعية تركيزها إلى استثمار ما بين 25-50 مليون جنيه في خط لإنتاج مركزات عصائر البرتقال، من أجل تلبية الطلب العالمي المتزايد والاستفادة من نقص التوزيع من البرازيل – أكبر مورد في العالم.

شركات أخرى تسير على نفس الخطى: تخطط شركة بورسعيد للتنمية التجارية الحديثة (سودانكو) لتوسيع استثماراتها في مصنعها التابع لإنتاج العصائر من 350 مليون جنيه إلى 600 مليون جنيه خلال العام الجاري، إضافة إلى إنشاء مصنع لإنتاج مركزات البرتقال بالشراكة مع شركة مغربية لم يكشف عن اسمها بتكلفة استثمارية تبلغ 7.5 مليون دولار. كما تتطلع شركة أسبيس اليونانية المتخصصة في تصنيع العصائر والمركزات إلى إستثمار 15 مليون يورو في السوق المصرية خلال الفترة المقبلة.

اتجاه أوسع نطاقا: أحد المستثمرين الجدد بقطاع تصنيع مركزات البرتقال – فضل عدم الإفصاح عن هويته – قال إن هذا التحول هو جزء من اتجاه أوسع نطاقا في مصر، إذ يجري حاليا تطوير عدد من مصانع العصائر الجديدة، بينما تعمل المصانع القائمة على زيادة الإنتاج بصورة قوية. يقود هذا المستثمر شركة تأسست حديثا لتصنيع عصائر البرتقال لإنتاج ما يزيد على 10 آلاف طن سنويا، سيتم معالجاتها من ما يزيد على 100 ألف طن برتقال. ومع التوقعات بتضاعف عدد المصانع في السوق، بادرت الشركة إلى اتخاذ خطوات مبكرة للاستفادة من هذا الزخم بصورة أسرع. واعتبر المستثمر أن التنافسية سترفع من العائدات بالنسبة للمنتجين في انعكاس اقتصادي إيجابي على منظومة العمل، إذ كلما ارتفاع الطلب على التصنيع – مع استمرار الطازج – سترتفع الأسعار بالتأكيد.

التمويل يشكل عقبة رئيسية أمام التوسع في التصنيع: لا تزال أسعار الفائدة المرتفعة عائقا رئيسيا أمام التوسع في قطاع تصنيع العصائر، رغم العوائد القوية التي تجذب المزيد من المستثمرين الجدد، بحسب تأكيد رئيس غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية أشرف الجزايرلي لإنتربرايز. "نرى نموا جيدا في تصنيع مركزات العصائر محليا في الآونة الأخيرة، ومكانة مصر كأكبر مصدر عالمي للموالح من حيث الكميات يعني وجود فرص أكبر لصناعة المركزات"، حسبما أضاف الجزايرلي.

لكن، يلزم توافر العديد من العوامل لتحقيق النمو في هذا القطاع، بما في ذلك الالتزام بتطبيق المعايير العالمية في التصنيع والمتعلقة بالجودة والسلامة الغذائية والاستدامة، لتقديم منتجات صحية بأعلى جودة، وفقا لما قاله ممثل عن شركة جهينة للصناعات الغذائية لإنتربرايز، مشددا على أهمية امتلاك لاعبي القطاع القدرة على الابتكار وتقديم منتجات جديدة تتماشى مع أذواق المستهلك الأوروبي واتجاهاته الغذائية المتغيرة. السوق الأوروبية على سبيل المثال تمثل فرصة استراتيجية طويلة الأجل، حسبما يعتقد ممثل شركة جهينة، الذي يرى أيضا أن الاستثمار في صناعة العصائر ومركزاتها يظل من القطاعات الجاذبة، لا سيما في الأسواق التي تشهد نموا سكانيا أو تغيرا في أنماط الاستهلاك نحو الأغذية والمشروبات الصحية.

تذكر: أطلقت وزارة الصناعة مؤخرا المرحلة الأولى من مبادرة تمويل القطاعات الصناعية ذات الأولوية بقيمة 30 مليار جنيه، والتي تقدم قروضا بفائدة 15% لمصنعي القطاع الخاص في سبعة قطاعات صناعية، بما في ذلك الأغذية والأدوية والكيماويات. وتمول المبادرة، التي من المقرر أن تستمر خمس سنوات، شراء الآلات والمعدات وخطوط الإنتاج.

رغم الزخم التحول المتزايد نحو التصنيع، لم تتأثر الصادرات كثيرا هذا العام. فمنذ بداية الموسم في ديسمبر الماضي وحتى نهاية الأسبوع الأول من أبريل، تراجعت الصادرات بنسبة 1.1% (16 ألف طن) لتصل إلى 1.306 مليون طن، بحسب بيانات المجلس التصديري للحاصلات الزراعية. قطاع التصنيع سيحصل على كميات أكبر من حصة الاستهلاك المحلي، وفق تقرير وزارة الزراعة الأمريكية، التي توقعت انخفاض الاستهلاك المحلي من البرتقال الطازج إلى نحو 1.15 مليون طن هذا العام، من 1.6 مليون طن العام الماضي.

أزمة الحمضيات في البرازيل تفتح الباب أمام مصر: دور مصر المتنامي في سوق العصير العالمي يمكن أن يعيد تشكيل ديناميكيات السوق في أوروبا، خاصة في ما يتعلق بالتسعير والحصة السوقية، في ظل التحديات التي تواجهها البرازيل حاليا بسبب انتشار فيروس يقضي على بساتين الحمضيات ويؤثر على محصول العصير. تنتج البرازيل أكثر من 13 مليون طن من البرتقال سنويا، تعالج 80% منها وتستهلك الباقي طازجا، وتستحوذ على 75% من صادرات عصير البرتقال العالمية، بحسب بيانات وزارة الزراعة الأمريكية. ولكن مع إصابة 44% من أشجار البرتقال في حزام الحمضيات الرئيسي بالبلاد، يتجه المشترون على نحو متزايد صوب مصر، مما يرفع الطلب على منتجاتها.

اقتصاديات أخرى لتصنيع البرتقال: يسهم تصنيع البرتقال وتحويله إلى عصائر في سلسلة القيمة الزراعية عبر تعظيم القيمة الاقتصادية للمحاصيل وزيادة القيمة المضافة للمنتج النهائي مع تقليل فاقد الثمار، وهذا الدور له بعد آخر هو تحقيق الاستدامة والحفاظ على البيئة وتقليل حجم المخلفات الزراعية الناتجة عن المحاصيل. وتتراوح خسائر وتلف الفواكه بعد الحصاد بين 25-30% من إجمالي إنتاج الفاكهة سنويا، بحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو).

مخلفات العصر: تتراوح المخلفات الناتجة عن عصر الفاكهة عادة بين 50-55%، وتمثل مصدرا فعالا كمكون غذائي من حيث القيمة والتكلفة. يمكن استعادة هذه المركبات بسهولة وإعادة تدويرها داخل السلسلة الغذائية لتمثل إضافات غذائية، وهذه خطوة تضيف قيمة للقطاع الغذائي ولا تمثل مصدرا ثانويا للدخل فحسب، بل تسهم في ممارسات إدارة النفايات المستدامة بيئيا.

نظرة على صادرات مصر من العصائر: تضاعفت قيمة صادرات مصر من العصائر والمركزات بمقدار 2.5 مرة خلال العقد الماضي إلى 279 مليون دولار بنهاية العام المنصرم، بحسب بيانات المجلس التصديري للصناعات الغذائية. الموقع الاستراتيجي للبلاد والشبكة الواسعة من الاتفاقيات التجارية – بما في ذلك الكوميسا، واتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى (جافتا)، واتفاقية أغادير، واتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، واتفاقية التجارة الحرة مع رابطة التجارة الحرة الأوروبية (إفتا)، واتفاقية التجارة الحرة التفضيلية مع السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور) – تجعلها في وضع جيد للتصدير إلى مجموعة واسعة من الأسواق العالمية.