? نظرة على قطاع الأسمدة في مصر مؤخرا: شهدت سوق الأسمدة المصرية خلال الأشهر الأخيرة تراجعا ملحوظا في الأسعار بلغ نحو 30%، مدفوعة بانتظام إنتاج المصانع وتحسن إمدادات الغاز، في تطور ينعكس مباشرة على المزارعين والصادرات على حد سواء. لكن هذه الانفراجة تأتي وسط تحديات داخلية وخارجية تفرض على القطاع التحرك بحذر للحفاظ على استقراره وتنافسيته.

**لينكات إنتربرايز فقط تظهر على الإيميل، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها مصحوبة بكل الروابط**

انفراجة في الأسعار.. ولكن: انخفاض الأسعار في السوق الحرة جاء نتيجة انتظام تشغيل المصانع وتوافر المعروض، إضافة إلى بعض التراجع في أسعار الغاز عالميا، وفقا لما قاله رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة خالد أبو المكارم لإنتربرايز. يأتي هذا بينما لا تزال السوق حساسة لأي تغير في أسعار الطاقة أو اضطراب في الإمدادات، وهو ما يفرض على المنتجين والمزارعين متابعة التطورات عن قرب.

أسعار الأسمدة المدعومة للمزارعين محددة إداريا، لكن تظل هناك فجوة واضحة بين أسعار السوقين الحرة والمدعومة، ما يفتح الباب أمام مخاطر تسرب الكميات المدعومة إلى السوق السوداء، وهي مشكلة تعمل وزارة الزراعة على مكافحتها. وجدير الذكر أن أسعار الغاز الطبيعي المحلية أقل بكثير من الأسعار العالمية، وهذا الفارق يشجع على تصدير المنتج بدلا من تلبية الطلب المحلي، مما يؤثر على استقرار العرض من وقت لآخر.

إمدادات الغاز تتصدر تحديات الإنتاج: تعتمد صناعة الأسمدة النيتروجينية على الغاز الطبيعي كمكون رئيسي يشكل ما يصل إلى 70% من تكلفة الإنتاج، ما يجعلها شديدة التأثر بأي تغير في أسعار أو كميات الإمداد، وفقا لما قاله أبو المكارم، موضحا أن أي انقطاع أو خفض في إمدادات الغاز يوقف خطوط الإنتاج فورا، حتى لو كان لساعات قليلة، "لكننا نعمل على تحسين كفاءة التشغيل للحد من الأثر".

المصانع تواجه أيضا ضغوطا إضافية تتمثل في ارتفاع تكاليف الصيانة وتحديث المعدات لمواكبة معايير الجودة العالمية، بالإضافة إلى منافسة قوية من منتجين في الخليج وشمال أفريقيا يحصلون على الغاز بأسعار أقل، ما يمنحهم ميزة سعرية في الأسواق الدولية، حسبما يرى أبو المكارم.

استقرار أسعار الطاقة مفتاح الحفاظ على تنافسية الصناعة: تمثل الطاقة عنصرا رئيسيا في تكلفة الإنتاج لصناعات مثل الزجاج والبتروكيماويات والأسمدة، وأي زيادة محتملة في أسعار الغاز قد تنعكس سلبا على القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق العالمية، ما يستدعي من الدولة مراعاة تسعير الطاقة بعناية، حسبما أكد لنا عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية محمد البهي. ولم تتخذ الحكومة حتى الآن أي خطوات لرفع الأسعار، وفق البهي، الذي يدعو إلى تثبيت أسعار الطاقة، لا سيما الغاز، في الفترة المقبلة مع توجيه دعم مدروس للقطاعات الأكثر تأثرا للحفاظ على زخم النمو الصناعي.

زيادة أسعار الغاز = ارتفاع أسعار الأسمدة: قد تكون هناك زيادة جديدة في أسعار توريد الغاز الطبيعي لشركات الأسمدة خلال الفترة المقبلة، مع السماح للشركات بزيادة أسعار الأسمدة المدعمة بنسبة لن تقل عن 33% تقريبا لتصل إلى نحو 6 آلاف جنيه للطن، بدلا من 4500 جنيه حاليا. كما تنظر الحكومة في حلول أخرى مثل عدم رفع سعر الغاز الطبيعي من الأساس بهدف الحفاظ على سعر توريد الأسمدة المدعمة للمزارعين، وفقا لما قاله مصدر حكومي لإنتربرايز.

استهلاك ضخم: يتصدر قطاع الأسمدة قائمة الصناعات كثيفة الاستهلاك للغاز الطبيعي، وبالتالي فإن أي زيادة سعرية حتى وإن كانت هامشية ستؤثر سلبا على الشركات الصناعية، حسبما أوضح المصدر. ويأتي هذا بينما تلزم الحكومة منتجي الأسمدة المحليين بتوريد 55% من إنتاجهم إلى الجمعيات التعاونية التابعة لوزارة الزراعة بسعر 4500 جنيه للطن.

الصادرات مصدر حيوي للعملة الصعبة: تعد صناعة الأسمدة من أبرز قطاعات التصدير المصرية، إذ توجه البلاد جزءا كبيرا من إنتاجها إلى أسواق أفريقيا وآسيا وأوروبا. ورغم ارتفاع صادرات قطاع الكيماويات والأسمدة بنسبة 13% على أساس سنوي إلى 4.6 مليار دولار في النصف الأول من عام 2025، وتصدر الأسمدة قائمة المنتجات الأعلى تصديرا بإجمالي بلغ نحو 1.5 مليار دولار، فإن تراجع الأسعار العالمية مؤخرا قد يضغط على الإيرادات.

ضغوط مؤقتة على هوامش الأسمدة رغم قوة أساسيات السوق: تستبعد بحوث سي أي كابيتال عمل الشركات المنتجة للأسمدة بمعدلات استخدام كاملة خلال فصل الصيف حين يبلغ الطلب على الطاقة ذروته، متوقعة أن ينعكس التأثير على الأحجام في الغالب على نتائج الربع الثالث من هذا العام. وأشارت بحوث سي أي كابيتال إلى تعرض هوامش شركة أبو قير للأسمدة كغيرها من شركات القطاع لضغوط خلال الربع الثاني من 2025 نتيجة تحول المزيج البيعي نحو الصادرات وانخفاض أسعار التصدير، إلى جانب توقف بعض المصانع بسبب انقطاع الغاز.

ورغم ذلك، فإن الأساسيات لا تزال داعمة، إذ ارتفع متوسط أسعار اليوريا إلى 478 دولارا للطن في يوليو (+20% على أساس ربع سنوي) بدعم من المناقصات الهندية وتراجع المعروض من مصر وإيران. وبالنظر إلى المستقبل، يتوقع أن تعمل أبو قير للأسمدة بمعدلات تشغيل بين 70-80% خلال الصيف، ما قد يضغط على أحجام المبيعات على المدى القصير، لكن الاتجاه الصعودي للأسعار العالمية يحد من أثر ذلك. وفي هذا السياق، تشير الشركة القابضة المصرية الكويتية إلى مرونة عمليات "الإسكندرية للأسمدة" وقدرتها على الحفاظ على أداء تشغيلي قوي، مع توقعات بتحسن نتائجها المالية إذا استمرت الأسعار عند مستوياتها الحالية فوق 470 دولارا للطن.

تفاؤل كبير: تبدو توقعات المحللين لأسهم شركات الأسمدة في البورصة إيجابية حتى نهاية 2025، مدفوعة بتحرير سعر الصرف وارتفاع الأسعار العالمية، مع دعم حكومي واضح لقطاع التصدير. ويحظى سهم أبوقير للأسمدة بتوصيات بالشراء مع متوسط سعر مستهدف عند 74.3 جنيه (+45% تقريبا)، فيما يتوقع لسهم موبكو ارتفاعا معتدلا بنحو 14% إلى 32.4 جنيه بدعم من استثمارات توسعية. ورغم الضغوط المرتبطة بأسعار الغاز وإمداداته، يرجح المحللون استمرار مرونة الشركات عبر مزيج الصادرات وتوازن الإنتاج، ما يمنح القطاع فرص نمو جيدة، وإن كان محفوفا بمخاطر تقلبات الطاقة والسياسات الاقتصادية.

تأمين احتياجات السوق المحلية معركة مستمرة: تعمل وزارة الزراعة بالتعاون مع منتجي الأسمدة على ضمان توافر الحصص المدعومة للمزارعين بأسعار رسمية، خاصة في مواسم الزراعة الكبرى مثل القمح والذرة. لكن بعض المزارعين يشتكون من تأخر وصول الحصص أو عدم كفايتها، إذ قال أحدهم لإنتربرايز: "أحيانا نضطر للشراء من السوق الحرة بأسعار أعلى لتكملة احتياجاتنا، وهذا يضغط على تكلفة الإنتاج الزراعي". ولتفادي هذه المشكلات، تكثف الحكومة الرقابة على سلاسل التوزيع، وتدرس تطبيق نظم إلكترونية لتتبع الكميات من المصنع حتى المزارع، بهدف تقليص التسرب للسوق السوداء وضمان توافر المنتج في التوقيتات الحرجة، وفقا لما قاله أبو المكارم.

تطوير مصانع الأسمدة أولوية: يعد تطوير مصانع الأسمدة التابعة للشركة القابضة للصناعات الكيماوية، وعلى رأسها شركة الدلتا للأسمدة، أولوية استراتيجية لتعزيز الصادرات وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الأسمدة الأزوتية والنيتروجينية، حسبما أكد الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب للشركة عماد الدين مصطفى لإنتربرايز. وتستهدف خطة التطوير رفع الكفاءة الإنتاجية وتحسين الجودة وفق المعايير البيئية العالمية، بحسب مصطفى، الذي أشار إلى أن تحديث المصانع سيدعم الأمن الغذائي ويوفر موارد إضافية من العملة الصعبة ويعزز دور الصناعة الوطنية كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي. كما يبرز في السوق توجه متزايد نحو تحسين كفاءة الطاقة واستخدام بدائل مثل الطاقة المتجددة والاعتماد على تكنولوجيات إنتاج أقل استهلاكا للغاز، طبقا لأبو المكارم.

مستقبلا، كيف تبدو الأمونيا الخضراء كفرصة؟ يتوقع محللون أن تشهد أسعار الأسمدة استقرارا نسبيا على المدى القريب إذا استمرت إمدادات الغاز في الانتظام، مع بقاء مستويات الإنتاج مرتفعة. وعلى المدى الطويل، تبرز مشاريع إنتاج الأمونيا الخضراء باستخدام الطاقة المتجددة كحل استراتيجي لتقليل الاعتماد على الغاز، خاصة مع تزايد التوجه العالمي نحو منتجات منخفضة الانبعاثات. مصر لديها فرصة لتصبح مركزا إقليميا لإنتاج وتصدير الأسمدة الخضراء، مستفيدة من مواردها من الطاقة الشمسية والرياح، ومن بنيتها التحتية الحالية في صناعة الأسمدة، لكن الوصول إلى ذلك يتطلب استثمارات ضخمة في البحث والتطوير، وشراكات مع شركات دولية متخصصة.

التحديات قائمة: رغم الانخفاض الأخير في أسعار الأسمدة بالسوق المصرية، تظل الصناعة أمام تحديات هيكلية تتعلق بالطاقة والتنافسية وتوزيع المنتج، في وقت تتزايد فيه الضغوط البيئية والتجارية العالمية. ويبقى التوازن بين تلبية احتياجات السوق المحلية وتعظيم الصادرات هو المعادلة التي ستحكم مستقبل القطاع، مع ضرورة استغلال التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر كمدخل لتعزيز مكانة مصر في هذه الصناعة الاستراتيجية.