🏭 كيف يختبر غلق مضيق هرمز طموحات صناعة الأسمدة والأمن الغذائي لمصر؟ في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التي قيدت حركة الملاحة في مضيق هرمز، تضرب تحديات سلاسل الإمداد العالمية المتجددة هذه المرة عصب الأمن الغذائي عبر بوابة الأسمدة. وبينما تقف دول كبرى عاجزة أمام نقص إمدادات الطاقة أو غياب الرقعة الزراعية، تبرز مصر كحالة متشابكة العوامل تقف على مفترق طرق بين الفرص والتحديات، فهي منتج للغاز الطبيعي ولاعب رئيسي في سوق الأسمدة العالمي، وفي نفس الوقت دولة زراعية تسعى لتحقيق توازن دقيق في أمنها الغذائي.

تداعيات متباينة للأزمة عالميا: في آسيا، تعتبر الهند من أكبر منتجي ومصدري الغذاء، لكنها تستورد أكثر من 50% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، لذا يواجه أمنها الغذائي خطرا مباشرا بسبب أزمة إتاحة الطاقة وتكلفتها. ودول الخليج رغم ريادتها في إنتاج الطاقة والأسمدة، إلا أنها تواجه تحديات لوجستية لاعتمادها على الواردات الغذائية، أما في أوروبا الغربية، فهي تزرع بمعدلات عالية لكنها تستورد معظم حاجتها من الطاقة والأسمدة، ما يضعها تحت ضغوط تضخمية حادة، بحسب تقرير حديث لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو).

أين تقف مصر من ذلك؟

تملك مصر بنية صناعية قوية تضعها في موقع قيادي عالميا في مجال الأسمدة، إذ تقدر حصة البلاد من الأسمدة المنتجة عالميا بمختلف أنواعها بأكثر من 4%، ما يعادل نحو 12 مليون طن. وتستحوذ الأسمدة النيتروجينية (الأزوتية) على نحو 8 ملايين طن سنويا، يتم توجيه ما بين 40 - 50% منها إلى الأسواق التصديرية، وفق ما قاله رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة خالد أبو المكارم، لإنتربرايز. كما تحتل مصر المركز السابع عالميا في إنتاج اليوريا، يضاف إليها نحو 4 ملايين طن من الأسمدة الفوسفاتية. وبفضل هذه القدرات، أصبحت الأسمدة ثاني أكبر قطاع تصديري في مصر بقيمة بلغت نحو 2.8 مليار دولار في عام 2025، بحسب أبو المكارم.

تنقسم الأسمدة إلى أنواع رئيسية تختلف في مدخلاتها الصناعية وارتباطها بالمواسم الزراعية، فنجد الأسمدة النيتروجينية (مثل اليوريا والأمونيا) الأنسب للزراعات الشتوية والربيعية، وتعتمد بشكل أساسي ومكثف على الغاز الطبيعي كمصدر للطاقة وكمادة خام رئيسية في عملية التصنيع ، إذ يمثل الغاز نحو 70% من تكاليف إنتاجها في مصر، ما يجعلها الأكثر عرضة وتأثرا بأزمة الملاحة والطاقة الحالية.

أما الأسمدة الفوسفاتية والبوتاسية، فهي تلائم بشكل أكبر الزراعات الصيفية، ولا تواجه نفس التحديات نظرا لعدم ارتباط إنتاجها بالغاز الطبيعي، وإنتاجها محليا يتجاوز الاستهلاك، إذ تتوفر خاماتها في مصر، أو تستورد بأمان من دول مجاورة مثل الأردن، ما يجعلها بمنأى عن أزمات الملاحة البعيدة وصدمات الشحن، بحسب ما قاله شريف الجبلي رئيس غرفة الصناعات الكيماوية باتحاد الصناعات المصرية، لإنتربرايز.

تفرض هذه الأزمة المزدوجة واقعا جديدا يختبر قدرة الصناعة المحلية على اقتناص فرص التصدير المربحة لتعويض العجز العالمي في الإمدادات، لكن تصطدم هذه الطموحات بتحديات محلية معقدة تتعلق باستدامة إمدادات الغاز للمصانع وآليات تسعيره، وفق ما قاله مسؤول في إحدى شركات الأسمدة المحلية لإنتربرايز.

ويضع هذا المشهد المعقد صانع القرار أمام معادلة دقيقة لإدارة الموارد، تتطلب التوازن بين تعظيم العوائد الدولارية من التصدير، وبين تأمين احتياجات السوق المحلية من الأسمدة لحماية القطاع الزراعي من موجات تضخمية قد تهدد الأمن الغذائي، خاصة مع تحذيرات المؤسسات الدولية من انخفاض إنتاجية المحاصيل عالميا.

المشهد الحالي

اندلاع الحرب الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز تسبب في شلل شبه تام في حركة التجارة الحيوية، إذ تراجع عبور السفن بنسبة 97% وفق تقرير صادر عن " الأونكتاد "، أشار أيضا إلى أن هذا المضيق يمر عبره ثلث التجارة العالمية المنقولة بحرا من الأسمدة. وتسبب الحصار في احتجاز نحو 4 ملايين طن من المنتجات المعتمدة على الغاز، ما أجبر كبار المنتجين في السعودية وقطر والإمارات على إعلان حالة "القوة القاهرة"، بحسب تقرير لوود ماكينزي.

رفعت الاضطرابات الإقليمية أسعار الشحن بشكل حاد مع تقييد الملاحة في مضيق هرمز، إذ قفزت تأمينات مخاطر الحرب من 0.02% إلى 1%، وتضاعفت قيمة تأمين السفن في الرحلة الواحدة من 40 ألف دولار إلى 1.2 مليون دولار. تغيير المسارات وارتفاع تكاليف الوقود تسبب أيضا في إطالة زمن العبور لعدة أسابيع إضافية، بحسب الاتحاد العربي للأسمدة.

قفزت أسعار تصدير الأسمدة المصرية بالتوازي مع السوق العالمية، مدفوعة بصدمة مزدوجة في الإمدادات والطاقة، ما أدخل القطاع في موجة تضخم تكلفة غير مسبوقة، بحسب أبو المكارم. وقفزت أسعار تصدير اليوريا من الشرق الأوسط بشكل حاد خلال الأسابيع الأخيرة، إذ ارتفعت بنحو 105% على أساس سنوي لتصل إلى 835 دولار للطن هذا الشهر، مقارنة بنحو 484 دولارا للطن قبل تصاعد التوترات الجيوسياسية. كما ارتفعت أسعار تصدير الأمونيا بنسبة 35.4% على أساس سنوي لتصل إلى 670 دولارا للطن هذا الشهر، في إشارة إلى استمرار الضغوط على السوق.

مكاسب مشروطة: رغم وجود طلب دولي قوي لتعويض نقص إمدادات السوق العالمية من الموردين في الخليج بعد غلق مضيق هرمز وتضرر منشآت التصنيع بسبب الهجمات الإيرانية، إلا أن استغلال هذه الفرصة يظل مشروطا باستدامة إمدادات الغاز للمصانع المحلية. ويمكن لمنتجي الأسمدة في شمال أفريقيا المساعدة في سد الفجوة، إذ تمتلك مصر إمكانات تصديرية غير مستغلة تبلغ 1.6 مليار دولار، والجزائر 1.3 مليار دولار أخرى، بحسب مركز التجارة الدولية.

كيف تتعامل مصر مع الوضع الراهن؟

بسبب قفزة الأسعار عالميا، تتجه الحكومة لتطبيق آلية "تسعير مرنة"، تربط تكلفة الغاز المورد للمصانع بالأسعار العالمية للتصدير لضمان تقاسم الأعباء. يأتي هذا بعد أن رفعت الحكومة بالفعل في سبتمبر 2025، أسعار توريد الغاز للقطاع الصناعي إلى 5.5 دولار للمليون وحدة حرارية من 4.5 دولار.

لكن، مع تجاوز أسعار اليوريا حاجز 800 دولارا للطن، تجاوزت تكلفة الغاز التي تتحملها شركات الأسمدة، وفقا للمعادلة المعمول بها، حاجز 9 دولارات أمريكية لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. ولا تستبعد سي أي كابيتال أن تعدل الحكومة الحد الأدنى لسعر الغاز، المحدد حاليا عند 5.5 دولارات أمريكية لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بالزيادة لتضييق الفجوة بين التكلفة المركبة والحد الأدنى لسعر الغاز، وهو ما سيؤثر على المنتجين عندما تعود أسعار اليوريا إلى مستوياتها الطبيعية.

على صعيد الأمن الغذائي المصري يظل تحدي الإنتاج والدعم قائما: كانت مصر مصدرا صافيا للغذاء بفارق بسيط في 2025، إذ بلغت الصادرات الزراعية نحو 11.5 مليار دولار، مقابل واردات بلغت 10.37 مليار دولار، تتركز بنسبة 83% في القمح والذرة وفول الصويا. ومحليا، يشكل ارتفاع أسعار المدخلات ضغطا هائلا على الموازنة العامة للبلاد. وتبلغ فاتورة دعم الأسمدة للمزارعين أكثر من 40 مليار جنيه سنويا لمواجهة فجوة التكلفة، بحسب وزير الزراعة علاء الدين فاروق. لكن، رغم ذلك لا تزال مصر بعيدة عن الوصول إلى أزمة نقص في الأسمدة التي يحتاجها القطاع الزراعي نظرا لكفاية الإنتاج المحلي واشتراطات الحكومة لمنح الأولوية للاستهلاك المحلي وتصدير الفائض، بحسب الجبلي.

معضلة حقيقية: مع تحذير الفاو من أن استمرار نقص المدخلات عالميا قد يؤدي لانخفاض الإنتاجية وارتفاع حاد في أسعار الغذاء لسنوات قادمة، تواجه مصر معادلة معقدة. فهي منتج للغاز ومصدر للأسمدة والغذاء، لكنها مستورد ضخم للمحاصيل الاستراتيجية، التي يدخل بعضها في العديد من الصناعات الغذائية التي يوجه جزء ليس بقليل منها إلى الأسواق التصديرية.

والحل؟ إدارة الموارد، إذ ينبغي الموازنة بين توجيه الغاز للكهرباء أو الصناعة، وبين التصدير لجلب العملة الصعبة أو التوفير المحلي بأسعار مدعمة.

** لقراءة القصة كاملة مصحوبة بكل الروابط، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى **