🏭 رهان الحكومة على كسر جمود سوق الصلب المحلية: تستعد وزارة الصناعة هذا الأسبوع لخطوة طال انتظارها لأكثر من عامين، إذ تعقد اجتماعا حاسما مع 10 شركات كبرى، منها الجارحي والمراكبي والعشري، لبدء إجراءات منح 8 رخص جديدة لإنتاج البيليت بنظام المزايدة، وفقا لما كشفه مصدر مطلع لإنتربرايز.
تفاصيل المزايدة واللاعبون الجدد: ستطرح الحكومة الرخص بنظام المزايدة على 3 شرائح إنتاجية، ومن المتوقع أن تستقطب استثمارات ضخمة، حسبما أوضح المصدر لإنتربرايز. وقد تقدمت مجموعة حديد العشري للحصول على رخصة لإنتاج مليون طن سنويا باستثمارات تصل إلى 1.2 مليار جنيه، حسبما كشف أيمن العشري، رئيس المجموعة لإنتربرايز. ويجري حاليا فحص الطلبات تمهيدا لتقديم العروض الفنية والمالية خلال الأيام القليلة المقبلة، بحسب المصدر.
السبب؟ توطين إنتاج المادة الخام محليا لتقليل الاعتماد على الاستيراد الذي استنزف موارد الدولة من العملة الصعبة، وفقا لما قاله المدير التنفيذي لغرفة الصناعات المعدنية محمد حنفي لإنتربرايز. وتأتي هذه التحركات في وقت حساس، إذ تسعى الحكومة لضبط أسعار السلع النهائية التي يدخل الصلب في تكوينها، مثل الأجهزة الكهربائية والسيارات، من خلال توفير مدخلات إنتاج محلية مستقرة، حسبما أضاف.
يأتي هذا التحرك وسط مشهد معقد تعاني فيه السوق من تشوهات سعرية ونقص في المعروض من الخام، ففي سبتمبر الماضي، فرضت الحكومة رسوما وقائية مؤقتة لمدة 200 يوم على واردات الصلب والبيليت لحماية الصناعة المحلية، بعد أكثر من أربع سنوات من تعليق العمل برسوم أقل. ومع ذلك، فإن الإنتاج المحلي الحالي لم يكن كافيا لتلبية الطلب، بينما أصبح الاستيراد مكلفا للغاية بسبب الرسوم التي وصلت إلى 16.2% من قيمة التكلفة والتأمين والشحن — أو ما لا يقل عن 4.6 ألف جنيه مصري للطن —، ما وضع مصانع الدرفلة بين مطرقة النقص وسندان التكلفة، بحسب مصادر في الصناعة. كما تزامن ذلك مع الإعلان عن حزمة حوافز خاصة لمنتجي الصاج تحديدا، بهدف تسريع وتيرة توطين عدد من الصناعات على رأسها الهندسية والسيارات.
جذور الأزمة: ترى المصانع المتكاملة (التي تنتج الحديد من مرحلة الصهر حتى المنتج النهائي) أن استيراد البيليت تسبب في إغراق السوق بمنتجات رخيصة، مما كبدها خسائر وتآكل في الأرباح. كما قفزت واردات البيليت 10 أضعاف خلال 5 سنوات لتصل إلى 1.7 مليون طن، ما كلف الدولة نحو مليار دولار سنويا من العملة الصعبة، بحسب البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات التي اطلعت عليها إنتربرايز. وتجادل هذه الجبهة بأن الطاقة الإنتاجية المحلية (حوالي 13.7 مليون طن) تفوق الاستهلاك المحلي بكثير (7 ملايين طن)، ما يجعل الاستيراد غير مبرر.
على الجانب الآخر، تضررت مصانع الدرفلة (التي تشتري البيليت وتشكله) بشدة من الرسوم الوقائية ونقص الخام المحلي. وكانت مصانع الدرفلة الأكثر تأثرا لعدم كفاية الكميات المتاحة محليا، ما أثر على معدلات التشغيل، حسبما أكد وكيل غرفة الصناعات المعدنية حسن المراكبي لإنتربرايز. وصلت الأزمة إلى توقف بعض المصانع تماما عن العمل بسبب ارتفاع تكلفة المستورد المحمل برسوم الإغراق، حسبما أضاف العشري.
تظهر الأرقام فجوة كبيرة في طبيعة المخاطر والمكاسب بين نموذجي الإنتاج، فالمصانع المتكاملة تعاني من تكاليف تشغيل مرتفعة لكونها تصنع من مرحلة الصهر وحتى المنتج النهائي. في المقابل، تعتمد مصانع الدرفلة على نموذج تشغيلي يعتمد على شراء الخام (البيليت) وتشكيله، ما يمنحها القدرة على تحقيق مكاسب سريعة تتراوح بين 4-5 آلاف جنيه للطن عند الاستيراد.
إلا أن هذه المرونة لها ثمن، فبينما تبلغ الطاقة الإنتاجية للمصانع المتكاملة وشبه المتكاملة نحو 13.7 مليون طن (ما يفوق الاستهلاك المحلي البالغ 7 ملايين طن)، تظل مصانع الدرفلة رهينة لتقلبات السوق العالمية ورسوم الإغراق. هذه الرسوم، التي بلغت 16.2%، حولت ميزة الاستيراد إلى عبء يهدد بتوقف الإنتاج، خاصة وأن القيمة المضافة في الدرفلة لا تتخطى حاجز 10-12%.
لكن، هل نجحت الرسوم الوقائية في حماية السوق؟ الواقع يشير إلى نتائج عكسية حتى الآن. لم تحقق الرسوم النتائج المرجوة، إذ أن الإجراءات أدت لاتساع الفجوة السعرية وأضرت بتنافسية الصناعة، حسبما أكد رئيس غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات محمد المهندس لإنتربرايز، مطالبا بخفض الرسوم بنسبة 50% أو إلغائها.
وعلى عكس التوقعات، لم تؤد الرسوم إلى ارتفاع أسعار الحديد بشكل جنوني، بل تراجعت الأسعار، ولكن لسبب آخر تماما يتمثل في الركود. الأسعار انخفضت من مستويات 36-38 ألف جنيه إلى 32-34 ألف جنيه للطن مدفوعة بضعف الطلب وتحسن سعر الصرف، قبل أن تعاود الارتفاع الطفيف، ما يعني أن آليات العرض والطلب والركود كانت أقوى من تأثير الرسوم، حسبما أوضح المراكبي.
استمرار الرسوم يرفع تكلفة المدخلات، ما قد ينعكس في شكل زيادة في أسعار المنتجات النهائية للمستهلكين، بحسب تحذيرات رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية حسن مبروك. ومع ذلك، قد يمتص المصنعون جزءا من ارتفاع أسعار الصلب عبر تقليص هوامش ربحهم، مع زيادات سعرية طفيفة متوقعة (5-10%) لن تؤثر بشكل كبير على أحجام المبيعات، خاصة بعد مبادرة الحكومة الأخيرة لخفض الأسعار، وفقا لما ذكرته “سي أي كابيتال” في مذكرة بحثية حديثة.
أما على صعيد التصدير، فالصورة قاتمة في السوق الأمريكية، حيث أصبحت الولايات المتحدة شبه مغلقة أمام الصادرات المصرية بسبب تراكم الرسوم (تعويضية وحماية أمن قومي) التي قد تصل إلى 80%، مما يجعل التصدير غير مجد اقتصاديا، بحسب المراكبي. ويعزز هذا الانغلاق العالمي الحاجة لضبط السوق المحلي كبديل وحيد لتصريف الإنتاج، حسبما يعتقد مصنعو الحديد والصلب.
إقليميا، أين تقف مصر؟ وسط هذه التحديات، تظهر بيانات الاتحاد العربي للحديد والصلب أن مصر، رغم حفاظها على صدارة الإنتاج في شمال أفريقيا بـ 10.65 مليون طن في 2025، شهدت تراجعا طفيفا في الإنتاج بنسبة 0.8%. في المقابل، تشهد المنطقة نموا ملحوظا، إذ قفز الإنتاج في السعودية بنسبة 12.3% وفي الجزائر بنسبة 17.9%. هذا التباين يضع ضغوطا إضافية على الصناعة المصرية لتسريع وتيرة توطين البيليت عبر الرخص الجديدة، لاستعادة زخم النمو ومواكبة التوسعات الإقليمية في الخليج والمغرب العربي.
ما نترقبه: نجاح طرح الرخص الجديدة قد يكون طوق النجاة الذي يعيد التوازن للسوق وينهي هيمنة الاستيراد، ويسمح لمصانع الدرفلة بالعمل بكامل طاقتها دون رحمة التقلبات العالمية أو الرسوم الحمائية. تساعد هذه الخطوة في خفض التضخم وضبط أسعار السلع التي تعتمد على الحديد، من السيارات إلى الأجهزة المنزلية، حسبما أشار المصدر. أصبحت الكرة الآن في ملعب الحكومة والمستثمرين، لتحديد ما إذا كانت المزايدة ستنجح في صهر مشكلات القطاع وخلق صناعة وطنية أكثر تكاملا أم لا.