🏭 صانع الشهر — كل شهر نخصص أحد أعداد نشرتنا الأسبوعية “في المصنع” للحديث عن واحدة من شركات التصنيع في مصر، سواء كانت محلية أو أجنبية ولديها مصنع في البلاد. يتناول هذا العدد قصص نجاح الشركات الصناعية في مختلف المجالات، والتحديات التي تواجهها في قطاع الصناعة المحلية، ونظرتها إلى مستقبل تسعى فيه مصر لبناء صناعة محلية قوية. هذا الشهر نتحدث إلى خالد عطية، المدير العام لمصنع “بل” مصر، الذراع المحلية لمجموعة “بل” الفرنسية الرائدة في صناعة منتجات الألبان.

بدأت رحلة الشركة في مصر منذ نحو 28 عاما، كجزء من مجموعة “بل” العائلية الفرنسية التي تأسست في عام 1865. هي شركة رائدة عالميا في الجبن الصحية والوجبات الخفيفة المعتمدة على الفاكهة والمصادر النباتية. بدأ المشروع في مصر على مساحة 28.7 ألف متر مربع بإنشاء أول مصنع إنتاج في عام 1998 بمدينة العاشر من رمضان، تلاه إنشاء مصنع ثان ومركز توزيع، لتضم حاليا 25 خطا لإنتاج الأجبان و6 خطوط لتصنيع العبوات، لتقديم باقة منتجات تضم علامات تجارية شهيرة للجبن مثل لافاش كيري وجبن كيري وأبو الولد وميني بيبي بل. وقد ضخت الشركة استثمارات بلغت نحو 150 مليون يورو في مصر منذ عام 2008 لتطوير المصانع وقدرات التوزيع.

تعتمد الشركة في مواد التعبئة والتغليف على السوق المحلية بنسبة تصل إلى 90% من ناحية الكمية، ونحو 50% كقيمة نظرا لاستيراد بعض مدخلات الورق، بينما لا تزال المواد الخام الأساسية من اللبن والزبدة مستوردة بنسبة 90%. واستطاعت الشركة نقل الخبرات العالمية وتدريب الموردين المحليين، إذ تدقق بشكل صارم على الموردين لما قد يستغرق من عام ونصف إلى عامين لضمان وصولهم للمعايير الفرنسية المطلوبة، ما مكن بعضهم من التصدير لمصانع “بل” في دول أخرى مثل المغرب.

لكن، لا يزال الاستيراد ضرورة للمواد الخام الرئيسية من اللبن والزبدة والشيدر، لأن الجودة المحلية لم تصل بعد للمعايير المطلوبة من ناحية الثبات والكمية. ورغم ذلك، تغيرت المعادلة في الأشهر الماضية، خاصة بعد أزمات سلاسل الإمداد وجائحة كوفيد-19، إذ اتجهت الشركة لتطوير موردين محليين لمكونات أخرى مثل الخيوط المستخدمة في علب الجبن المثلثات ومواد التغليف، لتقليل الاعتماد على الخارج.

التوجه نحو التوطين الكامل للمواد الخام الأساسية يواجه تحديات جذرية. تفتقر السوق المصرية حاليا إلى مراكز تجميع الألبان ذات المواصفات القياسية، كما أن المزارع تحتاج لتطبيق معايير تغذية محددة لضمان ثبات الجودة. لذا، عقدت “بل” مصر شراكات لتصنيع منتجات تامة الصنع لدى الغير ومحاولة تطوير الموردين، لكن الاعتماد الكامل على اللبن المحلي يتطلب استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية لقطاع الألبان محليا.

يتمتع المصنعون في مصر بميزات لا تتوفر في أماكن أخرى، بما في ذلك أسعار الطاقة المنخفضة نسبيا، ووفرة العمالة الماهرة بتكلفة تنافسية وقدرة فنية عالية وتوفر صناعات تعبئة وتغليف قوية تغطي 90% من الاحتياجات محليا، والموقع الاستراتيجي.

تمكنت الشركة كذلك من تحويل تحديات المصنعين الحالية إلى فرص عبر ثلاثة محاور استراتيجية: أولها زيادة الكفاءة والإنتاجية من خلال تطبيق مشاريع لتوفير الطاقة — مثل استرجاع الحرارة وتكنولوجيا السرعات المتغيرة — لخفض التكاليف، وإدارة المخزون من خلال الاحتفاظ بكميات خامات تغطي احتياجات المصنع لـ 3 أشهر لامتصاص صدمات التوريد، ثم الابتكار الاقتصادي عبر طرح منتجات بأسعار في المتناول للحفاظ على المستهلكين دون زيادة الأسعار بشكل مبالغ فيه.

صنع في مصر: حاليا، يصل نحو 80% من إنتاج “بل” مصر إلى 19 دولة حول العالم، على رأسها السعودية ودول الخليج. كما تتوسع في أسواق غرب أفريقيا، مستفيدة من الاتفاقيات التجارية مثل الكوميسا واتفاقية التجارة العربية لتسهيل النفاذ للأسواق، فضلا عن فتح أسواق جديدة في دول مثل سوريا. وبلغت صادرات “بل مصر” نحو 1.4 مليار يورو خلال الـ 15 عاما الأخيرة، بينما تخطط لزيادة إنتاجها إلى 30 ألف طن بحلول عام 2030 وذلك مقابل 24 ألف طن حاليا، مع التركيز على زيادة الحصة السوقية محليا — والتي تتجاوز في أكثر من منتج نحو 50% — ومضاعفتها خلال الخمس سنوات المقبلة.

تدار سياسات الامتثال عبر إدارة لوجستية متخصصة تدرس بدقة كافة الاشتراطات الجمركية والقانونية لكل دولة مستهدفة قبل التصدير، لضمان مطابقة المنتج للمواصفات والجمارك الخاصة بتلك الدولة. كما أن مصنع “بل” مصر حاصل على شهادات الجودة العالمية مثل الأيزو، ويطبق نفس المعايير الفرنسية الصارمة.

نصيحة عطية لكل صانع مصري؟ التركيز على الجودة، إذ يعتبرها أساس الاستدامة طويلة الأجل. أما الوصفة السحرية فهي رضا المستهلك وبناء علاقة ولاء معه عبر تقديم منتج متميز، الأمر الذي يضمن استمرار النجاح وفتح أسواق جديدة.