🏭 بعد سنوات من معاناة السوق مع فائض العرض، حقق قطاع الأسمنت المصري في 2025 أداء استثنائيا، إذ أغلقت فجوة العرض والطلب لأول مرة منذ عام 2008، ما ظهر في صورة قفزات في أسعار الأسهم والربحية، حسبما أفادت المصادر لإنتربرايز. وبينما كان 2025 عام القفزات السعرية والربحية، ينتظر أن يكون العام الحالي عام الكفاءة التشغيلية والمنافسة الخضراء، حيث البقاء للأكثر قدرة على خفض التكاليف وضبط الانبعاثات الكربونية.

العرض يلتقي بالطلب في 2025 وسط تحولات هيكلية للصادرات:
شهد العام الماضي طفرة على مستوى الطلب المحلي مسجلا قفزة في الاستهلاك بنسبة تراوحت بين 13 و14% ليصل إلى 54 مليون طن، وفقا لما أظهرته بيانات مجمعة عن سوق الأسمنت اطلعت عليها إنتربرايز. هذه القفزة في الاستهلاك المحلي جاءت مدفوعة بانتظام حركة البناء واستقرار سعر الصرف، حسبما أوضح رئيس شعبة الأسمنت حسن جبري لإنتربرايز. كما حدث تحول نوعي في الصادرات، فبينما تراجعت صادرات الكلينكر (المادة الخام) بنسبة 38%، قفزت صادرات الأسمنت تام الصنع بنسبة 47.4% مسجلة 11.1 مليون طن، ما عزز القيمة المضافة للصناعة.

أسهم القطاع كانت الحصان الرابح في البورصة المصرية العام الماضي، إذ حققت بعض الشركات نموا تجاوز 600%، مع وصول معدلات تشغيل المصانع إلى 98%، وفقا لما قاله رئيس بحوث الأهلي فاروس هاني جنينة في ندوة حضرتها إنتربرايز. السر وراء هذه الشهية يكمن في قوة التسعير، إذ ارتفعت الأسعار بنسبة 80-85% فوق متوسط عام 2024، والذي سمح للشركات ليس فقط بتغطية تكاليف الطاقة المرتفعة، بل وتحقيق هوامش ربح صافية جذابة، فمن المتوقع أن تحافظ شركة مثل العربية للأسمنت على متوسط هامش ربح صافي يبلغ 22% حتى عام 2030، ما يجعل القطاع هدفا مغريا للاستحواذات بدلا من المخاطرة ببناء مصانع جديدة، بحسب ما قالته محللة القطاع الصناعي لدى إتش سي لتداول الأوراق المالية نسرين ممدوح، لإنتربرايز.

المصانع تقطع رحلة استغلال الطاقات المعطلة: بعد إلغاء العمل بقرار حصص الإنتاج، تدرس شركات الأسمنت إعادة تشغيل 7 إلى 9 خطوط إنتاج كانت متوقفة، مما قد يضيف 12.6 مليون طن للسوق بدءا من النصف الثاني من 2026، حسبما أوضحت المصادر. تركز استراتيجية العربية للأسمنت على تقليل الاعتماد على الفحم عبر مشروع حقن الهيدروجين وزيادة الوقود البديل، مستهدفة خفض الانبعاثات بـ 130 ألف طن سنويا. وقد يمنحها هذا علاوة سعرية عند التصدير لأوروبا تقدر بـ 5.4 يورو/ طن في ظل آلية تعديل حدود الكربون، بحسب تقرير إتش سي الذي اطلعت عليه إنتربرايز. كما تعتزم تيتان مصر استثمار 3 مليارات جنيه لدعم التحول الأخضر، مع اتخاذ قرار استراتيجي بوقف تصدير الكلينكر نهائيا للحد من الانبعاثات، والتركيز على تصدير الأسمنت الأخضر، وفقا لما كشفه الرئيس التنفيذي عمرو رضا خلال الندوة التي حضرتها إنتربرايز الأسبوع الماضي.

.. ورخص جديدة أيضا أمام المستثمرين: في خطوة استباقية، وافقت اللجنة الوزارية للتنمية الصناعية على طرح 3 رخص جديدةلإنتاج الأسمنت، والتي قد تساعد في تأمين احتياجات السوق المحلية وتلبية طلبات إعادة الإعمار المحتملة في غزة. يأتي هذا بينما ألمح جنينة إلى أن صعوبة بناء مصانع جديدة بسبب التكلفة والوقت تجعل الشركات القائمة والمدرجة في البورصة أهدافا مغرية للاستحواذ، خاصة تلك التي تمتلك رخصا قائمة وتعمل بكفاءة طاقة عالية.

ما نترقبه في 2026؟ تتباين التوقعات بشأن نمو الطلب العام الحالي، لكن غالبية المصادر أجمعت على استقرار الأسعار وعودة المنافسة، إذ تتوقع ممدوح نموا هادئا للطلب المحلي بنسبة 1% فقط في 2026، بينما يبدو جبري أكثر تفاؤلا بتوقعات نمو تتراوح بين 5% و8%. ومن المرجح أيضا أن تشهد الأسعار تراجعا طفيفا لتستقر حول 3600-3620 جنيها للطن، نتيجة تحسن ديناميكيات التكلفة وزيادة المعروض، بحسب ممدوح، الأمر الذي أكده جبري أيضا، مستبعدا أي قفزات سعرية حادة.

يواجه القطاع تحديات لوجستية وتشريعية: رغم الفرص، هناك عقبة رئيسية تمنع مصر من منافسة فيتنام وتركيا في الأسواق البعيدة مثل أمريكا وغرب أفريقيا، تتمثل في غياب محطات الصب. تفتقر الموانئ المصرية حاليا لمحطات متخصصة لتصدير الأسمنت السائب قادرة على شحن سفن عملاقة بحمولة 45 ألف طن، حسبما أوضح رضا، مشيرا إلى الاعتماد على الشاحنات والرافعات التقليدية، مما يرفع التكلفة ويقلل التنافسية، إذ يصل سعر فيتنام 32 دولارا للطن مقابل 50 دولارا للمنتج المصري.

ولكن، تجري دراسات حالية لإنشاء محطات جديدة في موانئ الدخيلة والسخنة بتكلفة تقديرية 20-25 مليون دولار للمحطة الواحدة، حسبما أضاف رضا. وتطالب مصانع الأسمنت بزيادة مدد عقود استغلال المحاجر لتصل إلى 10 سنوات بدلا من 1-3 أعوام حاليا، لضمان استقرار خطط الإنتاج وخلطات المواد الخام. ورصدت شركة سكاي بورتس 50 مليون دولار لمشروع صوامع تخزين الأسمنت في شرق بورسعيد، والذي وضعت حجر أساسه هذا الشهر، مستهدفة استقبال الصوامع — التي يجري تجهيزها حاليا في الدنمارك وإسبانيا — بحلول نهاية عام 2027.