يتشكل سوق المقاولات في مصر في الوقت الراهن بقوالب جديدة من أجل التعامل مع ثلاثة تحولات هيكلية رئيسية، تنهي حقبة "المقاول القائم فقط على التنفيذ"، وفق ما قاله رؤساء ومديرون في كبرى شركات المقاولات لإنتربرايز. بادئ ذي بدء، يتمثل التحول الأول في توجيه كبار المقاولين بوصلة محافظ مشروعاتهم بعيدا عن الأعمال الحكومية، ليستهدفوا بدلا منها مشروعات القطاع الخاص في مجالات الصناعة واللوجستيات والعقارات. أما التحول الثاني، فيتعلق بتسليط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ضوئها رسميا على فجوة ميزانية التشغيل والصيانة التي تفرغ العقود من مضمونها، برغم أنها في الأساس تضمن استدامة الأصول بعد إنشائها، وهي فجوة بدأت بالفعل في احتجاز سيولة المقاولين في مشروعات كبرى مثل محطة أبو رواش. فيما يكمن التحول الثالث في أن التوسع الجغرافي في أفريقيا تحول من استراتيجية لتنويع الأعمال إلى استراتيجية بقاء مدفوعة بالتمويل. ومع تباطؤ المشروعات القومية نتيجة وضع سقف للإنفاق الاستثماري العام عند تريليون جنيه، أصبح هذا التحول الهيكلي دائما.

يوجد "خلل دفتري خطير" في إدارة البنية التحتية في مصر، بحسب تقرير حديث (بي دي إف) لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. إذ أوضح التقرير أن "الميزانيات التشغيلية غير الكافية في الكيانات العامة والشركات القابضة تسهم في تدهور الأصول"، مضيفا أن صيانة الأصول تُمول عادة عن طريق الدين السيادي، ولا يُسجل الإهلاك عادة في البيانات التشغيلية للحكومة. وحذرت المنظمة من غياب حساب تكلفة دورة حياة الأصول، وأكدت أن "تعزيز تخطيط الإنفاق التشغيلي" للكيانات العامة والشركات المملوكة للدولة يعد أمرا بالغ الأهمية للحفاظ على أصول البنية التحتية ومنع تدهورها، فضلا عن الحد من "الضغوط غير المتوقعة على الموازنة العامة للدولة".

عقود المونوريل المستثناة.. وفخ السيولة في أبو رواش

بدأت الحكومة بالفعل في دمج بنود التشغيل والصيانة طويلة الأجل ضمن العقود، لكن بشكل انتقائي يركز على المشروعات التكنولوجية الكبرى؛ لا سيما مشروعات النقل الذكي مثل المونوريل، ومترو الأنفاق، والقطار الكهربائي السريع، حسبما أوضح طارق الجمال مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة ريدكون للمقاولات. وأضاف الجمال أن هذه المشروعات تفرض مسؤوليات قانونية وفنية صارمة ومعقدة على عاتق المشغلين تجاه المرفق لضمان سلامته واستمراريته، وهو ما جعل الدولة تشترط عقود صيانة ممتدة مع تحالفات عالمية ومحلية، مثل سيمنز وألستوم.

المشكلة الحقيقية تكمن في مدى قدرة الدولة على مواصلة الدفع: قال الجمال إن المقاولين يواجهون "فخ سيولة" في أصول البنية التحتية التقليدية، مشيرا إلى مشروعات معالجة مياه الصرف الصحي الكبرى بما في ذلك محطة أبو رواش، التي أُسندت أعمال تشغيلها وصيانتها إلى تحالف يضم أوراسكوم كونستراكشون وشركة أكواليا الإسبانية. وأضاف الجمال: "المشكلة في مشروعات مثل أبو رواش وغيرها أن [المقاولين] حصلوا على عقود التشغيل والصيانة، ولم يتلقوا [المستحقات] لعامين أو ثلاثة". ويعكس هذا التأخير تحذير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن نقص تمويل النفقات التشغيلية في الجهات العامة قد يسهم في تدهور الأصول، ويخلق ضغوطا غير متوقعة على الموازنة العامة.

بدأت الحلول تتبلور في المشروعات الجديدة من خلال "عقود الاستلام أو الدفع" ضمن إطار الشراكة المعدل بين القطاعين العام والخاص. ويقول الجمال إن محطات تحلية المياه هي النموذج الأبرز لذلك، مشيرا إلى أن "النظام الجديد خفف ضغوط التكاليف على المقاولين ولم يربط سيولتهم لفترات طويلة. الضمانة السيادية الآن تُمنح لقيمة الخدمة الشهرية المشتراة فقط، وليس للتكلفة الإنشائية الضخمة للمشروع، مما يجعل المشروعات قابلة للتمويل البنكي".

تحول بوصلة العقود

قال الجمال إن الأعمال الحكومية شكلت في الماضي 80% من حجم أعمال ريدكون للمقاولات مقابل 20% لمشروعات القطاع الخاص، لكن الفترة المقبلة ستشهد العكس تماما. وصلت شركة الحاذق للمقاولات إلى هذا التحول بالفعل منذ سنوات؛ إذ تمثل مشروعات القطاع الخاص حاليا 90% من محفظة الشركة، وفق ما قاله مدير تطوير الأعمال كريم حسين لإنتربرايز. ويبدو أن هذا النمط أصبح توجها هيكليا وليس مجرد حالات فردية. يعمد المقاولون أيضا إلى التشدد في صياغة العقود للتحوط ضد تقلبات السوق. ويؤكد حسين على ضرورة إدراج بنود صريحة لتعويض فروق أسعار الخامات. وأضاف: "المقاول لن يتحمل المخاطرة بمفرده حتما". وقال الجمال إن المقاولين داخل السوق المحلية يكثفون توجههم نحو القطاعات الصناعية والمشروعات اللوجستية والتطوير العقاري الخاص من أجل تعويض التباطؤ في إسناد المشروعات الحكومية؛ فقد أصبحت هذه القطاعات والمشروعات هي المحرك الرئيسي للطلب، كما تمثل البديل الآمن لاستمرار تدفقات العمليات الإنشائية.

تذكر: صرح رئيس الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء محمد سامي سعد لإنتربرايزمؤخرا بأن الاتحاد ينصح المقاولين بالانتقال من المقاولات إلى الصيانة والتشغيل. وأضاف: "الإنشاءات ستقل، لكن عقود الصيانة مستدامة وتنطوي على مبالغ كبيرة على مدى فترات طويلة".

أفريقيا: من رفاهية التنويع إلى "استراتيجية بقاء" مشروطة بالتمويل

يعد التوسع الجغرافي الخارجي بمثابة طوق النجاة الأهم. ويتجلى ذلك بوضوح في الأرقام القياسية التي حققها كبار اللاعبين في القطاع، بمن فيهم أوراسكوم كونستراكشون، التي ارتفعت قيمة مشروعاتها قيد التنفيذ إلى 9 مليارات دولار، مدفوعة بشكل أساسي بالتنويع الجغرافي خارج مصر.

لكن قواعد اللعبة تغيرت تماما في أفريقيا، إذ قال رضا بولس، الرئيس التنفيذي للشركة المصرية الإفريقية العربية للتنمية (EGAAD)، إن الحكومات هناك لم تعد تبحث عن "مقاول منفذ فقط"، بل عن تحالفات تجلب التمويل معها. وأضاف بولس خلال حديثه إلى إنتربرايز: "التحول نحو إفريقيا لم يعد نظريا. التباطؤ في دورة المشروعات القومية محليا، والحاجة المتزايدة لإيرادات بالعملة الصعبة، جعلت التوسع الإفريقي للكثير من كبار المقاولين، وتحديدا شركات الـ EPC، استراتيجية بقاء وضرورة حتمية للنمو"، في إشارة إلى شركات الهندسة والمشتريات والتشييد.

قال بولس: "التحدي ليس في العثور على مشروعات، بل التحدي هو مواءمة التمويل، والقدرة على التنفيذ، والشراكات المحلية، والدعم السياسي في هيكل واحد قابل للتمويل". وفي غياب بنوك تمويل صادرات محلية قوية، يرى بولس أن الحل يكمن في بناء منظومة متكاملة تربط المقاول المصري بمؤسسات تمويل دولية وعربية لتقديم عروض متكاملة للحكومات الإفريقية.

الخطوة التالية

لن يكون الفائز في هذه المرحلة الجديدة هو المقاول الذي ينتظر العطاءات الحكومية، بل أولئك القادرين على التمويل والتشغيل والهيكلة في ظل تشديد الإنفاق العام. وسيُكتب البقاء والنمو للشركات التي تستطيع هندسة تحالفات تمويلية معقدة لاقتناص العقود الأفريقية، أو التي تسبق بخطوة في السوق المحلية، إما عبر حماية هوامش أرباحها في المشروعات الصناعية واللوجستية الخاصة من خلال بنود تحوط أكثر صرامة، كما تفعل شركة الحاذق، أو بتأمين عقود تشغيل وصيانة ذات هياكل سداد محمية مثل "عقود التسليم أو الدفع" لتجنب الوقوع في فخ السيولة، كما حدث في محطة أبو رواش.