النقل البحري في مصر يدخل مرحلة جديدة: تعمل الحكومة على إنشاء بنية تحتية قوية في موانئ البلاد والممرات اللوجستية، في إطار خطة أكبر لبناء أسطول بحري وطني بعد سنوات من الإهمال والتراجع التدريجي في عدد السفن التي ترفع العلم المصري. ولكن بجانب هذه الجهود، تحاول الحكومة تذليل عقبة رئيسية أمام تطوير أسطول بحري قوي تتمثل في تعديل الإطار التشريعي القائم، الذي وقف حجرة عثرة في طريق نمو القطاع، وفق ما قالته مصادر مطلعة في القطاع لإنتربرايز.
أقرت الحكومة ثلاثة مشاريع قوانين بتعديلات تشريعية من شأنها إحداث تغيير كبير في القطاع — قانون التجارة البحرية، ورسوم تسجيل السفن، وقانون التفتيش البحري — ستحمل أثرا كبيرا على القطاع، حسبما علمت إنتربرايز. وقد وافق مجلس النواب بشكل نهائي أمس على مجموع تعديلات هذه القوانين.
التعديلات ستسمح للسفن المستأجرة والأجنبية برفع العلم المصري، مما سيسهم في زيادة عدد السفن التي ترفع العلم الوطني حول العالم ودفع استثمارات القطاع الخاص إلى الأمام، وفق تصريحات رئيس شعبة بناء وإصلاح السفن التابعة لغرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات المصرية إبراهيم الدسوقي لإنتربرايز. فرضت قوانين النقل البحري في مصر في السابق قيودا صارمة على رفع العلم المصري، الأمر الذي دفع غالبية السفن المصرية المملوكة للقطاع الخاص للتسجيل تحت أعلام أجنبية مثل أعلام قبرص ومالطا واليونان وبنما، بحسب الدسوقي.
التعديلات تحمل في طياتها أخبارا سارة للقطاع الخاص، فقد قال مصدر في القطاع البحري لإنتربرايز إن التعديلات التشريعية ستساعد في تعزيز وإعادة بناء أسطول مصر وإنشاء نظام لنقل البضائع الاستراتيجية دون الحاجة إلى الاعتماد على وكالات الشحن. "لم نستغل كامل إمكاناتنا بعد، ولم يكشف الموقع الجغرافي لمصر عن أسراره في دفع عجلة التنمية في البلاد. اعتمدنا لسنوات على خدمات محدودة مقدمة في موانئ متفرقة — ومع ذلك، ستشهد الخطة الحالية تحسينات غير مسبوقة في قطاع النقل البحري التجاري مع أوروبا وآسيا وأفريقيا"، بحسب المصدر.
شركات الشحن سترغب في رفع العلم المصري على سفنها للاستفادة من مزايا تزويد السفن بالوقود بالجنيه، بحسب الدسوقي. سيطبق هذا على جميع الموانئ باستثناء موانئ المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث يلزم القانون السفن بالدفع بأسعار الوقود العالمية.
ستحظى السفن المصرية أيضا بأولوية الوصول إلى محطات الحاويات، والتعاقد مع الجهات الحكومية لنقل بضائعها وتخفيض رسوم الرسو، بالإضافة إلى عدد من الخدمات الأخرى بالعملة المحلية. وقال الدسوقي لإنتربرايز إن هذا يختلف كليا عن الطريقة التي كانت السفن المصرية تعمل بها قبل عام واحد فقط، عندما كانت تسعى للحصول على الخدمات اللوجستية والتزود بالوقود في قبرص.
التعديلات تتضمن أيضا وضع حد أقصى للرسوم الضريبية على التسجيل — وهي خطوة قال الدسوقي إنها تمثل طفرة كبيرة للقطاع. يتطلب تسجيل السفن الجديدة الامتثال لإجراءات التسجيل العقاري ودفع 1.5% من قيمة السفينة — التي قد تتجاوز 500 مليون جنيه. دفع هذا الكثيرين إلى تجنب توسيع أساطيلهم أو شراء سفن جديدة، بحسب الدسوقي.
التعديلات ستسمح أيضا لملاك السفن بتسجيل السفن المستعملة التي تكون في حالة جيدة، مع رفع الحد الأقصى لعمر السفينة إلى 25 عاما، بحسب الدسوقي. كما ستقلل التعديلات الجديدة من تكلفة استيراد السلع الاستراتيجية التي تحتاجها مصر، ما يمهد الطريق لزيادة عدد سفن شحن البضائع السائبة المتاحة في مصر.
الاستثمار الأجنبي سيضطلع بدور رئيسي أيضا في المساعدة في تعزيز مكانة مصر على خارطة التجارة العالمية وجعلها مركزا لوجستيا، إذ تحاول الحكومة ترجمة هذا الاهتمام إلى عملية تستهدف تطوير البنية التحتية والفوقية والأنظمة المعلوماتية للموانئ لتسهيل حركة التجارة، بالإضافة إلى إنشاء مناطق لوجستية جديدة.
هناك أعمال جارية بالفعل لتعزيز أسطول النقل البحري التجاري في البلاد، فقد تعاقدت وزارة النقل مع شركة لم يذكر اسمها لبناء أربع سفن جديدة لتعزيز الأسطول البحري التابع لشركة القاهرة للعبارات والنقل البحري وشركة الملاحة الوطنية المملوكتين للدولة. وهذه الجهود تشكل جزءا من مساعي الحكومة لزيادة الأسطول من 20 سفينة إلى 36 سفينة بحلول 2030، بحمولة إجمالية 25 مليون طن من البضائع سنويا، حسبما قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في نوفمبر الماضي.
قوة أسطول النقل البحري ستتيح لمصر استيراد بضائع بأسعار أفضل، إذ تتراوح تكلفة شحن الحاوية الواحدة حاليا بين 12 و15 ألف دولار، حسبما قال عمرو السمدوني، سكرتير عام شعبة النقل الدولي واللوجستيات بغرفة القاهرة التجارية، لإنتربرايز. كذلك سيسمح توسيع أسطول النقل البحري التجاري للبلاد بزيادة قدرتها على نقل كميات أكبر من البضائع، وهو ما يحمل أهمية خاصة في الوقت الذي تبالغ فيه وكالات الشحن الكبرى في أسعار الشحن وتتأخر في التسليم، ما يرفع أسعار البضائع، حسبما أضاف السمدوني.
يمكن أن يعزز هذا فرص التجارة والنقل البحري للشركات المصرية في الأسواق الأفريقية التي تعاني من ضعف البنية التحتية للطرق، وفق السمدوني. وتستهدف مصر زيادة صادراتها إلى الأسواق الأفريقية إلى 15 مليار دولار بحلول العام المقبل، حسبما أوضح.
التعديلات لقيت حفاوة كبيرة، ولكن ما زلنا قادرين على تحقيق المزيد، وفق ما صرحت به مصادر إنتربرايز بالقطاع. لا يزال القطاع الخاص بحاجة إلى مزيد من المرونة الإجرائية، وفق الدسوقي. "اجتمعنا الأسبوع الماضي مع عدد كبير من الشركات العاملة في قطاع بناء السفن ونجهز حاليا مذكرة عاجلة تتضمن مطالب إضافية إلى جانب الإطار التشريعي، الذي سيحقق طفرة غير مسبوقة في جذب الكيانات العالمية وتطوير القطاع الخاص"، حسبما قال الدسوقي. المطالب تشمل ما يلي:
- تحويل مناطق بناء السفن في كفر الشيخ ورشيد والسويس إلى مناطق صناعية بإجمالي 100 شركة متخصصة.
- تخصيص أراض صناعية للسماح بإنشاء أرصفة بحرية على طول السواحل المصرية.
- تسهيل إدراج القطاع في مبادرة الحكومة للتمويل منخفض الفائدة، التي تقدم قروضا بفائدة 15% للمصنعين.
- توحيد جهات الولاية على مناطق بناء السفن لتكون تحت إشراف هيئة التنمية الصناعية.
- تخفيض الرسوم والضرائب لتشجيع استثمارات القطاع الخاص، والمساعدة في إنشاء الأرصفة، وتصدير خدمات بناء السفن وزيادة الحجم الإجمالي للأسطول الوطني.
أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع:
- المقاولون العرب تدرس تنفيذ وإعادة تأهيل طريق بطول 194 كيلومتر في جمهورية أفريقيا الوسطى بمقتضى بروتوكول تعاون وقعته الشركة المملوكة للدولة مع حكومة البلاد.
- "الوحدة" و"القابضة للنقل" تنشآن أول ساحة تخريد سفن ضخمة في أفريقيا والشرق الأوسط: وقعت الشركة القابضة للنقل البحري والبري المملوكة للدولة وشركة الوحدة للتنمية الصناعية اتفاقية لتأسيس شركة مشتركة لإنشاء أول ساحة تخريد سفن ضخمة في أفريقيا والشرق الأوسط.
- وقعت مصر وفرنسا خطة عمل لإنشاء الخط السادس لمترو الأنفاق، والتي تهدف إلى وضع خطة زمنية محددة لقيام المكتب الاستشاري الفرنسي "إيجيس-سيتيك" بتقديم المستندات والمواصفات الفنية المطلوبة لتنفيذ الأنظمة والأعمال المدنية إلى الهيئة القومية للأنفاق لمراجعتها.