التبريد المركزي يقود تحول البنية التحتية في المدن المصرية الجديدة: مع التوسع السريع في مشروعات المدن الجديدة، تتحرك مصر بشكل متزايد نحو اعتماد التبريد المركزي كأحد ركائز البنية التحتية الذكية. ويأتي هذا التحول مدفوعا بالحاجة المتنامية لخفض استهلاك الطاقة، وتحقيق وفورات اقتصادية وانخفاضات فعلية في الانبعاثات، وتحسين كفاءة تشغيل المباني، ما يجعل التبريد المركزي أحد أكثر الحلول اتساقا مع أهداف الدولة في الاستدامة والتوسع العمراني، وفقا لمصادر تحدثت إلى إنتربرايز.
دخلت تقنيات التبريد المركزي إلى السوق المحلية للمرة الأولى مع مشروع القرية الذكية في أوائل الألفية، كنموذج رائد يعتمد على حلول البنية التحتية الموحدة، بحسب سامر عبد الله، مدير التبريد المركزي في شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، الذي تحدث إلى إنتربرايز. ولاحقا، اعتمدت مدن جديدة في مصر، بما في ذلك العاصمة الإدارية الجديدة، العلمين الجديدة، وغيرها — هذه التقنية باعتبارها الخيار الأمثل، وليس رفاهية. واعتمدت شركة العاصمة النظام كركيزة أساسية للمدن المستدامة، من خلال بناء أكبر محطة تبريد مركزي في مصر وأفريقيا بقدرة 68.3 ألف طن تبريد.
تستهلك المباني نحو 29% من إجمالي الطاقة في مصر، وتشكل نظم التبريد جزءا كبيرا من هذا الاستهلاك، بحسب طارق الجمال، رئيس مجلس إدارة ريدكون العقارية. وتوفر الحلول المركزية وفورات فعلية وتتسق مع أهداف الحكومة المتعلقة بالكفاءة والاستدامة، وفقا لما قاله عمرو سلطان، الرئيس التنفيذي لشركة لاندمارك العقارية. وأوضح سلطان أن التبريد المركزي يدعم بشكل فعال أولويات شركته في البنية التحتية، بما في ذلك الكفاءة طويلة الأجل، والاستدامة، وجودة الحياة. وبالنسبة لمشروع ضخم متعدد الاستخدامات مثل “وان ناينتي” التابع للاند مارك، فإن “التبريد المركزي يوفر مزايا تشغيلية وبيئية كبيرة”، بحسب سلطان.
ويمكن للتبريد المركزي أن يساعد في خفض الأحمال الكهربائية وتحقيق وفورات اقتصادية حقيقية. وتعتمد محطة التبريد المركزي في العاصمة الجديدة، التي أنشأتها شركة جاسكول المملوكة للدولة، على نظام هجين يجمع بين الكهرباء والغاز الطبيعي وتقنية التخزين الحراري الليلي، بحسب عبد الله. ويوفر هذا النظام خفضا إضافيا بنسبة 20% في القدرة الكهربائية المطلوبة، وفقا له. وقد جرى تطبيق النظام في مناطق استراتيجية مثل الحي الحكومي، والحي الدبلوماسي، ومنطقة الأعمال المركزية. وتمتلك شركة العاصمة الآن المحطة بالكامل وتديرها، وتعمل على إطلاق ثلاث محطات تبريد جديدة بقدرة تبريد سنوية مجمعة تبلغ نحو 240 ألف طن، وفقا لعبد الله. وستغطي المحطات الجديدة مناطق إضافية في العاصمة، مثل وسط المدينة.
جرى تدعيم التوجه نحو التبريد المركزي بناء على نجاحات سابقة، مثل مشروع القرية الذكية، حيث ساعد استخدام الغاز الطبيعي الصناعي في تشغيل المحطة على تجنب خسائر تحويل الطاقة، ما أدى إلى خفض استهلاك الطاقة بنحو 30% مقارنة بالأنظمة التقليدية، وفقا لممثل شركة تطوير وإدارة القرى الذكية، مضيفا أن التبريد المركزي يعتبر جزءا أساسيا لضمان كفاءة الطاقة والموثوقية والأداء طويل الأجل في أكبر وأول مجمع أعمال متكامل في مصر.
تتمتع أنظمة التبريد المركزي بعمر تشغيلي أطول وأداء أكثر استقرارا مقارنة بالأنظمة التقليدية، ما يخفض تكاليف التشغيل والصيانة طويلة الأجل، بحسب عبد الله. كما يقلل النظام المركزي من الحاجة إلى المعدات الميكانيكية داخل المباني ويزيد المساحات القابلة للتأجير، حسبما قال المسؤول بشركة القرية الذكية. وتساعد التقنية أيضا في خفض تكاليف الإنشاء والأعمال الميكانيكية والكهربائية للمباني، وتقلل من حجم الاستثمارات المطلوبة للبنية التحتية الأساسية. وتتيح ميزة التخزين الحراري الليلي استخدام السعة المخزنة خلال ساعات الذروة، ما يضمن تبريداً مستمراً ويدعم استقرار الشبكة الكهربائية.
ويسهم النظام أيضا في حماية البيئة، إذ يخفض الانبعاثات الكربونية بنحو 30% مقارنة بالأنظمة التقليدية، وفقا لعبد الله.
لكن حجم هذه الأنظمة يشكل تحدياً أمام التوسع الأوسع. وتظل تكاليف الاستثمار الأولية المرتفعة أكبر عائق أمام انتشار أنظمة التبريد المركزي مقارنة بالحلول التقليدية.
وللتغلب على هذا العبء، يصبح الحافز الرئيسي للمطورين اقتصاديا بحتا، إذ يسمح النظام لهم بتحويل عبء التمويل والتشغيل إلى مشغل متخصص، ما يجنبهم ضخ استثمارات ضخمة قد تمثل نحو 50% من تكاليف الإنشاء، وفقا لمسؤول في جاسكول تحدث إلى إنتربرايز. ويوفر نموذج “التبريد كخدمة” تكاليف تشغيل شفافة وقابلة للتنبؤ للمستأجرين تُحسب بناء على الاستهلاك الفعلي (طن/ساعة)، بينما يتولى المشغل أعمال الصيانة الكاملة والتحديثات، وفقا للمسؤول بشركة القرية الذكية.
وتكون أنظمة التبريد المركزي مؤهلة غالبا للتمويل الأخضر وحوافز المناخ لأنها تخفض استهلاك الطاقة بما يصل إلى الثلث مقارنة بوحدات التكييف الفردية، وفقا للجمال.
ويمكن أيضا أن تعالج مخاوف استهلاك المياه، إذ يمكن لمدن ساحلية مثل العلمين الجديدة استخدام المياه المعالجة أو مياه البحر، ما يقلل بشكل كبير من استخدام المياه العذبة، بحسب الجمال.
خارطة الطريق لنجاح مشروعات التبريد المركزي
التخطيط المبكر عامل رئيسي للتنفيذ الفعال: تظهر الخبرة في المشروعات الكبرى أن بنية التبريد المركزي — بما في ذلك محطات التبريد المتعددة وشبكة التوزيع تحت الأرض — يجب دمجها في المخطط العام للمشروع منذ اليوم الأول، وفقا لمسؤولي العاصمة الإدارية والقرية الذكية، مشيرين إلى أن إعادة تأهيل المشاريع لاحقا أكثر تعقيدا وتكلفة.
ويجب ضمان الجدوى الاقتصادية للعملاء، إذ يصبح التبريد المركزي غير مجدٍ اقتصاديا للمشروعات التي تقل سعتها عن 5 آلاف طن تبريد، وفقا لمسؤول جاسكول.
وجود نموذج شراكة واضح أمر أساسي: يعتمد نجاح مشروعات التبريد المركزي على نموذج شراكة واضح ومسؤوليات ملكية وتشغيل محددة، بحسب عبد الله. ويتطلب التطبيق واسع النطاق أيضا تخطيطا متقدما للتكاملات المعمارية والميكانيكية لضمان الربط السلس مع شبكة التبريد المركزية، وفقا لممثل القرية الذكية.
مستقبل التبريد المركزي في مصر
من المتوقع أن يتوسع التبريد المركزي بشكل كبير في مشروعات المدن الجديدة في مختلف أنحاء مصر، وفقا للجمال، الذي أشار إلى أن ارتفاع الكثافة العمرانية، وزيادة الطلب على الطاقة، والتزامات الاستدامة الوطنية جميعها تدعم التوسع.
التبريد المركزي كنظام إلزامي على مستوى البلاد: جعل التبريد المركزي إلزاميا في المناطق عالية الكثافة، مثل الأحياء الحكومية ومراكز الأعمال، من شأنه ضمان الجدوى الاقتصادية، بينما يمكن تقديم حوافز — مثل التمويل الأخضر أو تيسيرات تتعلق بالأراضي — في المناطق الأقل كثافة، وفقا للجمال.
وقال ممثل القرية الذكية إن “النمو السكاني وتحسن جودة الحياة يواصلان زيادة الطلب على التكييف، والاعتماد على الأنظمة الفردية التقليدية قد يفرض ضغطا هائلا على الشبكة القومية، ما يجعل التبريد المركزي حلا مسؤولا بيئيا وماليا وفعالا في استخدام الطاقة”.
شركات مصرية في القطاع تتطلع أيضا إلى الخارج: تلعب الشركات المصرية العاملة في التبريد المركزي — مثل جاسكول، التي تسيطر على أكثر من 80% من سوق محطات التبريد المركزي في مصر — دورا متزايدا في نشر التكنولوجيا، وفقا لمصدر بالشركة. وبدأت جاسكول بالفعل التوسع الإقليمي بافتتاح فرع في السعودية وبدء أول مشروعاتها هناك، مع دراسة دخول أسواق مثل العراق وليبيا. كما تدرس شركة العاصمة الإدارية إنشاء ذراع متخصصة في التبريد المركزي لتشغيل مشروعات خارج العاصمة — مع احتمالات للتوسع الخارجي أيضا.
أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع:
- تخطط شركة إيجيترانس ديبوت سوليوشنز، التابعة لإيجيترانس، لبناء مستودع بمساحة 17 ألف متر مربع في العين السخنة، ومن المقرر أن يبدأ التشغيل في النصف الثاني من عام 2026، حسبما صرحت الرئيسة التنفيذية عبير لهيطة لـ البورصة .
- ستنشئ مصر محطة شحن في محطة قوص على خط السكك الحديدية فائق السرعة بالبلاد لخدمة المنطقة الصناعية بقنا، وفقًا لبيان صادر عن وزارة النقل.
- أطلقت مجموعة التنمية الصناعية منطقة صناعية بقيمة 4.8 مليار جنيه على مساحة 1.6 مليون متر مربع في مدينة 6 أكتوبر الجديدة — تُسمى “إي تو أكتوبر الجديدة” — حسبما أعلن الرئيس التنفيذي شادي وليم في مؤتمر صحفي حضرته إنتربرايز صباح اليوم. وستستضيف المنطقة 100 مصنع، مع التركيز على الصناعات الهندسية، والغذائية، والأدوية، والكيماويات، والمنسوجات.