إذا عدنا إلى الوراء إلى الأرشيف الخاص بعناوين الأخبار في عام 2023 أو 2024، سنجد أنها كانت تدور حول التضخم، وإعادة التسعير، والصراع لتأمين مواد البناء. لكن 2025 كان عاما مختلفا. فقد كان شاهدا على التحول الاستراتيجي الذي طال انتظاره فيما يتعلق بالقطاع العقاري، وذلك من خلال توسيع النطاق إلى خارج الحدود بحثا عن مشروعات ومشترين جدد. وفي مواجهة سقف القدرة الشرائية محليا والتعطش للعملة الصعبة، قضت كبرى شركات العقارات المصرية الاثني عشر شهرا الماضية في تنويع فرصها الاستثمارية بقوة. وكانت النتيجة جراء هذا عاما حددت مساره استراتيجيةُ تصدير مزدوجة تتمثل في: بيع العقارات المصرية للعالم، وبناء منازل جديدة خارج مصر.
كل الطرق تؤدي إلى الشرق
تحول توسع الشركات المصرية في الخليج وبعض الدول العربية الأخرى هذا العام من مجرد اتجاه رائج إلى موجة إقبال قوية. وبدلا من الاكتفاء بدور المقاولين المصريين في دعم المشروعات بالخارج، بدأ المطورون المصريون في تأسيس وجودهم الخاص بمشروعات تحمل علاماتهم التجارية. ومع وجود مخزون كبير من الإسكان الفاخر قيد التنفيذ بالفعل في مصر، تفتح المشروعات الخارجية تدفقات رأسمالية إضافية، لا سيما بالعملة الأجنبية.
اضطلعت مجموعة طلعت مصطفى، أكبر مطور عقاري في مصر، بدور كبير في هذا التوجه، من خلال مشروع مدينة بنان في السعوديةالبالغة تكلفته 17.3 مليار دولار، الذي يُنفذ حاليا. كذلك دشنت المجموعة مؤخرا مشروعين ضخمين في سلطنة عمان من المتوقع أن يحققا 4.7 مليار دولار، ومشروعا آخر بقيمة 10 مليارات دولار في العراق.
لكن كافة الشركات الكبرى تقريبا انخرطت في المشهد، بما في ذلك شركة ماونتن فيو. إذ حققت ذراعها السعودية خطوات كبيرة هذا العام في مشروع “ون ماونتن فيو” بالرياض بقيمة 320 مليون دولار، ومشروع الفرسان بقيمة 600 مليون دولار، الذي أطلقته بالشراكة مع الوطنية للإسكان (NHC) بالمملكة. وتوجهت حسن علام القابضة شرقا عبر ذراع التطوير التابعة لها، جروفا للتطوير، حيث وقعت اتفاقية لمشروع متكامل بقيمة 3.3 مليار ريال في الرياض، فيما بدأت أورا ديفلوبرز الأعمال التمهيدية لمشروعها الضخم “بين” في أبو ظبي.
الرسالة صارت واضحة: المطورون المحليون أصبحوا عملة نادرة، ومن أجل أن تبقى على قمة الهرم في 2025، فيجب أن تكون لاعبا إقليميا.
لكن الطريق لم يكن في اتجاه واحد
تلاشى الفارق بين المشروع المحلي والإقليمي فعليا مع التسارع في تنمية منطقة رأس الحكمة. فقد تسبب دخول شركة “مدن” الإماراتية بوصفها منافسا من الطراز الرفيع، في تغيير المشهد التنافسي بين عشية وضحاها. وأثبت دخولها ضمن قائمة الأفضل مبيعا في الأشهر التسعة الأولى من العام — مسجلة مبيعات بقيمة 75 مليار جنيه — أن أكبر المشروعات في مصر أصبحت الآن ممولة إقليميا. أجبر هذا الشركات المحلية الراسخة على تحسين أدائها، من ناحية سرعة التسليم وجودة التشطيب لمنافسة الوافدين الجدد الذين يمتلكون رؤوس أموال ضخمة ولا يواجهون نفس قيود السيولة.
1.5 مليار دولار — حجم تصدير العقار خلال العام
ارتفعت قيمة تصدير العقار — أي المبيعات لغير المقيمين — في عام 2025 بنسبة 200% مقارنة بـ 500 مليون دولار المسجلة في العام السابق، وفقا لغرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية. لم يكن هذا التحول متعلقا فقط بحجم المبيعات، بل تغييرا جوهريا في مزيج العملات لدى كبار المطورين. ومع ضغط التضخم التراكمي على القوة الشرائية المحلية، أعطت الشركات الأولوية للمشترين الذين يدفعون بالدولار أو بـتدفقات رأسمالية جديدة من الخارج. وسمح درع السيولة هذا للاعبين الكبار بفصل أنفسهم جزئيا عن أزمة الائتمان المحلية التي عرقلت المنافسين الأصغر حجما.
مصر تصدرت العناوين العالمية بمشروعات ضخمة
حمل مشروع رأس الحكمة في 2024 تأثيرا جعل منه نموذجا يُحتذى به، وليس مجرد حدث استثنائي. في نوفمبر 2025، وقعت الحكومة اتفاقية بقيمة 29.7 مليار دولار مع شركة الديار القطرية لتطوير 4.9 ألف فدان في منطقة علم الروم بمطروح. وتزامنا مع هذا، شهد البحر الأحمر تحولا ضخما بتوقيع شركة إعمار مصر اتفاقية بقيمة 900 مليار جنيه (18.6 مليار دولار) لمشروع مراسي البحر الأحمر بالقرب من الغردقة.
تصدر أيضا مشروع طموح لتحويل فرع من النيل بهدف بناء مدينة صحراوية جديدة بتكلفة 1.5 تريليون جنيه عناوين الصحف العالمية. وقع مطورو القطاع الخاص بالم هيلز، وماونتن فيو، ونيشنز أوف سكاي، عقد شراكة وتطوير لمشروع “جريان” في يونيو مع الدولة، ممثلة في جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة التابع للقوات المسلحة. وسيشهد المشروع استصلاح 6.8 كيلومتر مربع من الصحراء لإنشاء 20 ألف وحدة سكنية.
بعيدا عن الإعلانات الكبرى.. تحولات هامة في السياسات
شهد نظام الإيجار القديم، المستمر منذ عقود، تغييرا هيكليا جذريا في 2025 عقب صدور حكم تاريخي. إذ إن النظام الذي طالما انتُقد لتجميده القيم الإيجارية عند معدلات رمزية (أحيانا بضعة جنيهات) ومنح حق البقاء للمستأجرين وورثتهم إلى أجل غير مسمى، تسبب فعليا في حبس مليارات الجنيهات في رأسمال خامل، وأدى إلى تدهور واسع النطاق في المراكز الحضرية التاريخية. ولكن في أغسطس، تحركت الحكومة لتحرير السوق بالكامل عبر فترة انتقالية محددة زمنيا.
وأخيرا، ألغت الحكومة ضريبة الجدول البالغة 5% على المقاولات في يونيو، واستبدلتها بضريبة القيمة المضافة القياسية البالغة 14%. بالنسبة للمراقب العادي، قد يبدو رفع النسبة خبرا سيئا. لكن بالنسبة لأي مدير مالي في قطاع الإنشاءات، كان هذا هو الإعفاء الذي طالما طالبوا به. كانت ضريبة الـ 5% القديمة تكلفة غير قابلة للخصم تأكل مباشرة من هوامش الربح. ويسمح الانتقال إلى نظام القيمة المضافة القياسي للمقاولين بخصم ضريبة المدخلات. وبالنسبة لقطاع عانى من ارتفاع تكاليف المواد، أدى هذا التعديل الفني إلى تحسين التدفقات النقدية والمساعدة في إضفاء الطابع الرسمي على سلاسل التوريد، مما سمح للمقاولين باسترداد أموال كانت تضيع سابقا لصالح الخزانة العامة.