قفزة في الطلب على وقود الطيران مع انتعاش حركة السفر: تعاود حركة السفر الجوي وتيرتها مرة أخرى إلى مستويات ما قبل الجائحة، مما يرفع الطلب على وقود الطيران. وصل استهلاك الوقود النفاث والكيروسين إلى 8 ملايين برميل يوميا في الصيف الماضي، وهو المستوى الأعلى من الاستهلاك منذ أواخر 2019، وفقا لتقرير صادر عن ستاندرد آند بورز جلوبال. وكان من المتوقع أن يزيد الطلب السنوي بمقدار 550 ألف برميل يوميا في 2024، و300 ألف برميل يوميا في 2025، مدفوعا بزيادة الطلب من الصين وأوروبا الغربية.

الطلب على وقود الطيران المستدام ينمو أيضا: من المنتظر أن تتسع إمدادات وقود الطيران المستدام، إذ تشير التوقعات إلى أن إمداداته في السوق ستصل إلى ملياري جالون بحلول 2028، مما يقرب الصناعة إلى مستهدفها لعام 2030 البالغ 3 مليارات جالون، وفقا لتقرير صادر عن المبادرة الأمريكية “التحدي الأكبر لوقود الطيران المستدام” (بي دي إف). رغم زيادة الإنتاج بمقدار ثلاثة أضعاف العام الماضي، لا يزال وقود الطيران المستدام يشكل أقل من 1% من الطلب العالمي على وقود الطيران، حسبما قال مدير منطقة الخليج والشرق الأدنى في الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) خالد العيسوي في دبي خلال نوفمبر الماضي.

ما هو وقود الطيران المستدام؟ هو وقود حيوي يستخدم لتشغيل الطائرات، ويصنع من مواد أولية غير بترولية، مثل زيت الطعامالمستخدم، والدهون الحيوانية، والمحاصيل غير الغذائية. ويمكن أن يقلل هذا النوع من الوقود من الانبعاثات الكربونية بما يصل إلى 80% مقارنة بوقود الطيران التقليدي، وفق تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي.

جهود الاتحاد الأوروبي على المستوى التنظيمي قد تحفز الطلب على وقود الطيران المستدام من الكتلة — ومصر قد تكون على رأس المستفيدين: يلزم تشريع إعادة هيكلة مصادر الوقود في الاتحاد الأوروبي — المعروف بـ “ReFuelEU” — موردي وقود الطيران بإدراج 2% من الوقود المستدام ضمن مزيج وقود الطيران المقدم في المطارات الأوروبية بدءا من هذا العام. ومن المتوقع أن تزيد هذه الجهود الاستهلاك الأوروبي لوقود الطيران المستدام في 2025 بنسبة 216% على أساس سنوي، ليصل إلى 1.9 مليون طن متري، وفقا لبيانات ستاندرد آند بورز جلوبال. ومن المتوقع أن يكون نصيب ألمانيا وفرنسا وإسبانيا مجتمعة نحو 40% من حجم هذا الطلب.

عوائق أمام طرح وقود الطيران النظيف في أوروبا: في ظل الغرامات الباهظة التي تلوح في الأفق أمام الموردين الذين سيخفقوا في الوفاء بمستهدفات الاتحاد الأوروبي على صعيد وقود الطيران المستدام، من المتوقع أن تسعى الشركات الكبرى للوفاء بهذا المستهدف في مطلع 2025 — ما سيؤدي إلى رفع الأسعار الفورية لوقود الطيران المستدام. لكن سلاسل توريد وقود الطيران المستدام في أوروبا ليست جاهزة للوفاء بهذا الطلب، وفقا لبيانات ستاندرد آند بورز جلوبال. وبرغم الخطط التي تستهدف إنتاج 1.5 مليون طن متري من وقود الطيران المستدام العام المقبل، تتخلف الاستثمارات في هذا الصدد في ظل إرجاء شركات الطاقة العملاقة شل وشيفرون و”بي بي” المشروعات بسبب ارتفاع تكاليف النفقات الرأسمالية وعدم اليقين على مستوى السياسات.

واستنادا إلى هذا الموقف، أطلقت وزير البترول شركة إنتاج وقود الطيران المستدام في نوفمبر الماضي، والتي ستستثمر 530 مليون دولار لتطوير منشآت إنتاج وقود الطيران المستدام ودمجها مع شركات البترول الأخرى. ويستهدف المشروع إنتاج 120 ألف طن من وقود الطيران المستدام سنويا، بهدف خفض 40 ألف طن من الانبعاثات الكربونية سنويا فور بدء الإنتاج في السنوات المقبلة.

هذا ليس جديدا: كانت وزارة البترول ترسي قواعد بواكير إنتاج مصر من وقود الطيران المستدام، فمن المنتظر أن تبدأ الشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات المملوكة للدولة عمليات الإنتاج في 2025، بعد الانتهاء من الدراسات المطلوبة، وفق ما قاله مصدر حكومي في تصريحات لإنتربرايز في وقت سابق.

تتوافق هذه الجهود مع الانتهاء من الدراسة التي تجريها شركة هانيويل إنترناشونال الأمريكية متعددة الجنسيات مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية حول وقود الطيران المستدام. من المتوقع أن توجه هذه الدراسة القرارات الاستثمارية والجداول الزمنية للإنتاج، في ظل مساعي الدولة إلى أن تكون موردا إقليميا لوقود الطيران المستدام.

تسعى مصر لتسهيل شراء المواد الأولية لوقود الطيران المستدام، إذ تخطط وزارة البيئة لإطلاق منصة للحصول على زيت الطعام المستعمل من القطاع الخاص، وفقا لمسؤول من جهاز تنظيم إدارة المخلفات. ولكن نظرا إلى أن جزءا كبيرا من سلسلة التوريد تهيمن عليه جهات غير رسمية لجمع الزيوت المستعملة وتكريرها، ستحتاج الحكومة إلى تسريع جهودها لمنح تراخيص مزاولة هذا النشاط لضمهم إلى الاقتصاد الرسمي وضمان الحصول على إمدادات مستقرة وقابلة للتوسع من إنتاج وقود الطيران المستدام.

في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة على وضع إطار تنظيمي لإنتاج وقود الطيران المستدام في مصر، يحذر المطلعون على الصناعة من أن حوافز التسعير الواضحة وضمانات الاستثمار ستكون حاسمة لوضع مصر كمورد تنافسي. كما تجتذب سوق تكرير النفط ومشتقاته في البلاد استثمارات متزايدة، لكن مشاريع إنتاج وقود الطيران المستدام لم تشهد بعد نفس المستوى من تدفقات رأس المال، مما يترك تساؤلات حول ما إذا كانت مصر قادرة على جذب التمويل اللازم لزيادة الإنتاج.

بالإضافة إلى وقود الطيران المستدام، تستكشف مصر إنتاج الوقود الحيوي على نطاق أوسع: تقيّم الحكومة أيضا مشاريع بديلة لإنتاج الوقود الحيوي، حيث تجري الأبحاث على الجاتروفا وقش الأرز وورد النيل والغاب (قصب الماء) كمواد وسيطة. كما يمكن تصدير بعض الإنتاج إلى أوروبا، نظرا لاعتماد الاتحاد الأوروبي المتزايد على الوقود المتجدد. تعمل شركة إيني الإيطالية الكبرى للطاقة مع الحكومة المصرية على مشروع لإنتاج الغاز الحيوي بطاقة 4.7 متر مكعب يوميا، في حين أعربت شركة أنتيك النرويجية عن اهتمامها بدخول السوق المصرية.


الصورة الأوسع إقليميا –
تستثمر مجموعة طيران الإمارات أكثر من 200 مليون دولار في وقود الطيران المستدام، وتختبر حاليا هذا الوقود برحلات جوية من سنغافورة وأمستردام ولندن كجزء من سعيها نحو تحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050. ومع ذلك، أكد عدنان كاظم، الرئيس التنفيذي للشؤون التجارية في شركة طيران الإمارات، لإنتربرايز على هامش افتتاح المجموعة متجر عالم الإمارات في مصر، على محدودية توفر الوقود المستدام للطائرات وارتفاع تكلفته، مطالبا بتوفير دعما حكوميا لتسهيل إنتاجه واستخدامه.

كما تستهدف الإمارات أيضا تحويل مخلفاتها إلى وقود للطائرات، حيث أبرمت بلدية دبي اتفاقية في فبراير من العام الماضي لتحويل المخلفات إلى وقود للطائرات، وذلك بالشراكة مع شركة بيسيكس البلجيكية وشركة ماروبيني اليابانية للطاقة في الشرق الأوسط وأفريقيا وشركة إينوك للتسويق الإماراتية لتحويل المخلفات البلدية إلى وقود طيران مستدام. ستوفر بلدية دبي المخلفات الصلبة والعضوية، إلى جانب الهيدروجين الأخضر من معالجة مياه الصرف الصحي، لإنتاج الوقود، بموجب الاتفاقية. وبينما لا يزال المشروع قيد الدراسة، إلا أنه من المقرر تنفيذه بحلول يوليو 2025. وتتطلع الإمارات أيضا إلى زيادة الإنتاج المحلي، حيث تستهدف أن يشكل وقود الطيران المستدام 1% من استخدام وقود الطائرات الوطنية بحلول عام 2031.

السعودية أيضا تعمل على تطوير بنيتها التحتية الخاصة بوقود الطيران المستدام، حيث حصلت شركة نورديك إلكتروفويل النرويجية المنتجة لوقود الطيران المستدام على موافقة الحكومة السعودية في ديسمبر لتطوير مصنع لوقود الطيران المستدام في الجبيل، مع تخصيص أرض وأصول شمسية للمشروع. ومن المقرر أن ينتج المصنع 350 مليون لتر من وقود الطيران المستدام سنويا، وقد يبدأ تشغيله بحلول عام 2029 إذا سارعت المملكة في تنفيذه، باستخدام الطاقة الشمسية من الأصول الإقليمية الحالية والإنتاج المحلي من الهيدروجين الأخضر. كما تكثف المملكة من طموحاتها في مجال الوقود الحيوي، حيث تعمل أرامكو السعودية وشركة توتال إنيرجيز والشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير (سرك) بتقييم مصنع لوقود الطيران المستدام في المنطقة الشرقية، بينما تخطط أرامكو السعودية لتشغيل مشروعين تجريبيين لوقود الطيران المستدام في نيوم بحلول عام 2025.