الحكومة تضع تطوير قطاع النقل النهري نصب عينيها. في خطوة استراتيجية لتعزيز الخدمات اللوجستية والنمو الاقتصادي في مصر، أطلقت وزارة النقل خطة محدثة وشاملة لتعزيز نقل الركاب والبضائع على طول نهر النيل. ودعت الوزارة شركات القطاع الخاص للاستثمار في إنشاء وحدات نهرية جديدة لنقل البضائع عبر عدة قطاعات، بما في ذلك – على سبيل المثال لا الحصر – المواد البترولية والموارد المعدنية.
خطة محدثة: الاستراتيجية الجديدة هي نسخة محدثة للخطة الشاملة التي أطلقتها وزارة النقل في عام 2023. وحددت الاستراتيجية حينها المجالات المختلفة في قطاع النقل النهري التي تتطلع الوزارة إلى تطويرها، بما في ذلك إنشاء شبكة من الموانئ النهرية، وكذلك التوسع في استخدام الممرات المائية لنقل البضائع والأفراد، وتنفيذ منظومة البنية المعلوماتية لنهر النيل لتوفير خدمات الخرائط الإلكترونية لتحديد المسار الآمن للوحدات النهرية داخل مجرى نهر النيل.
جزء من صورة أكبر: خصصت الموازنة العامة للدولة للعام المالي الحالي استثمارات إجمالية بقيمة 560.2 مليار جنيه لقطاع النقل، تتوزع بواقع 401.4 مليار جنيه استثمارات حكومية و158.8 مليار جنيه استثمارات مستهدفة من القطاع الخاص.
ما الذي تتطلع إليه الحكومة؟ تسعى الحكومة إلى زيادة طاقة نقل البضائع بالنقل النهري إلى 8 ملايين طن في العام المالي الحالي 2026/2025، وفق ما أعلنته وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي رانيا المشاط في أبريل الماضي. وبلغ حجم النقل النهري للبضائع 108 ملايين طن في عام 2024، وفق ما ذكره مصدر حكومي لإنتربرايز. وتتطلع الحكومة إلى إضافة أربعة أرصفة نهرية جديدة ومتطورة، وأربع وحدات نهرية جديدة، وخمسة أهوسة مطورة، حسبما ذكر المصدر.
تذكر- تتضمن خطة الوزارة إنشاء شبكة من الموانئ النهرية لتسهيل حركة البضائع والحاويات، وكذلك توفير خدمات نقل الركاب والبضائع على طول نهر النيل، مع انتشار الموانئ في جميع المحافظات، وإنشاء عدة أهوسة جديدة تفي بالمعايير الهندسية الحديثة لزيادة الطاقة الاستيعابية لنظام الأهوسة؛ وتطهير وتكريك وصيانة المجرى الملاحي بهدف الوصول لمسار ملاحي آمن لنهر النيل، لتيسير حركة الملاحة أمام الرحلات النيلية للمراكب والبواخر السياحية، وحركة التجارة.
تسعى الحكومة أيضا إلى زيادة نصيب قطاع النقل النهري من حجم البضائع المنقولة داخليا إلى 10% بحلول عام 2038، وفق تصريحات سابقة لأحمد الشامي مستشار شركة النيل الوطنية للنقل النهري لإنتربرايز، وهو هدف طموح ولكن من الممكن تحقيقه إذا ضاعفت البلاد جهودها لتحسين البنية التحتية للقطاع وعملت على تكريك وتعميق المجرى الملاحي لنهر النيل بالإضافة إلى معالجة بعض الاختناقات المرورية الأخرى، بحسب الشامي.
ليست هذه أول مرة نسمع فيها عن الخطة: في عام 2022، صدق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قانون إعادة تنظيم الهيئة العامة للنقل النهري، والذي يهدف إلى جذب المزيد من الاستثمار إلى تنمية مرفق النقل النهري في البلاد، بعد أن حصل على موافقة مجلس النواب. ويهدف القانون الجديد أيضا إلى تبسيط عملية الموافقة على مشاريع النقل النهري، ومن المتوقع أن يجذب استثمارات القطاع الخاص بشكل كبير. ونص التشريع على تكليف هيئة النقل النهري بمسؤولية ترخيص القوارب النهرية والرحلات النيلية والوحدات العائمة. طلبات إنشاء وتشغيل وإدارة الموانئ والأرصفة النهرية تمر الآن من خلال هيئة النقل النهري للموافقة عليها.
ما الفائدة التي ستعود على الدولة؟ تتطلع مصر إلى تقليل عدد الشاحنات على طرقها عبر زيادة الاعتماد على النقل النهري، حيث تعادل الوحدة النهرية الواحدة نحو 40 شاحنة نقل بري، وفقا لبيان الوزارة. من شأن هذه الخطوة أن تخفض تكلفة صيانة الطرق وكذا الانبعاثات الناتجة عن الشاحنات وحوادث الطرق.
لمحة عن الوضع: تنقسم منظومة النقل النهري في مصر إلى أربعة مسارات رئيسية متصلة، وهي مسار "القاهرة – دمياط"، ومسار "القاهرة – الإسكندرية"، ومسار "القاهرة – أسوان"، ومسار "أسوان – وادي حلفا"، ليبلغ إجمالي أطوال تلك المسارات الأربع 1770 كيلومتر، هذا بالإضافة لعدد كبير من المسارات الفرعية في الشبكة والتي تمتد على مسافة 1700 كيلومتر أخرى. وبلغ مجموع الطرق الملاحية بمصر التي يمكن استخدامها في النقل المائي الداخلي 3136 كيلومتر، منها 2192 كيلومتر طرق مصنفة درجة أولى ملاحيا.
تحديد مسار آمن: تعاقدت الهيئة العامة للنقل النهري مع شركة حلول اتصالات نهرية نمساوية لم يكشف عن اسمها لتنفيذ منظومة البنية المعلوماتية لنهر النيل، والمعروفة عالميا باسم "خدمات معلومات النهر"، لتوفير خدمات الخرائط الإلكترونية لتحديد المسار الآمن للوحدات النهرية داخل مجرى نهر النيل، إلى جانب تبادل المعلومات مع الهيئة ومتابعة الوحدات النهرية داخل المجري الملاحي لتوفير القيادة الآمنة للوحدات النهرية في الممرات الملاحية، مع إمكانية تقديم خدمات المعلومات لمشغلي وشركات النقل النهري، حسبما ورد في بيان الوزارة.
هل لا تزال موانئ أبو ظبي مهتمة بالاستثمار في النقل النهري بمصر؟ أفادت تقارير صحفية في عام 2023 أن مجموعة موانئ أبو ظبي الإماراتية تعتزم استثمار 500 مليون يورو لتطوير البنية التحتية للنقل النهري في مصر. وأشارت حينها إلى أن الاستثمارات ستوجه لتمويل إنشاء محطات وقود جديدة للبارجات وبناء وحدات نهرية وتطوير الأتوبيس النهرى، وإدخال مشروع الأتوبيس البرمائى لأول مرة بالبلاد.
رصيف لتداول الحبوب في قنا: تخطط الهيئة العامة للنقل النهري لإنشاء رصيف نهري لتداول الحبوب والغلال بميناء دندرة في محافظة قنا باستثمارات تصل إلى 350 مليون جنيه، بطول 250 مترا. وتعاقدت الهيئة مع المكتب الاستشاري الهندسي الحديث لتقديم المشورة والإشراف على تنفيذ المشروع، حسبما ذكرت مصادر حكومية لجريدة البورصة في يناير.
الربط النهري بين أسوان والسودان قد يعود إلى الواجهة: اتفقت مصر والسودان على استكشاف سبل تعزيز التعاون في قطاع النقل النهري خلال اجتماع بين وزير الصناعة والنقل كامل الوزير ووزير التنمية العمرانية والطرق والجسور السوداني صلاح حامد إسماعيل الشهر الماضي. وكانت الحكومة قد كلفت تحالف شركة الغرابلي للأعمال الهندسية المتكاملة وشركة ثري إيه إنترناشيونال في عام 2023 بتشغيل خط نقل نهري للبضائع بين أسوان والسودان، حسبما أفادت مصادر مطلعة لإنتربرايز في ذلك الوقت.
تطلعات مستقبلية: تستهدف الحكومة الانتهاء عدة محاور نهرية لتعظيم الاستفادة من النقل النهري، بما في ذلك كوبري الفشن في بني سويف ومحور بديل خزان أسوان ومحور ديروط بأسيوط ومحور دراو في أسوان، حسبما أفاد المصدر الحكومي، دون أن يحدد جداول زمنية معينة.