أبدت وحدة الأبحاث "بي إم آي"، التابعة لمؤسسة فيتش سوليوشنز، تفاؤلا حذرا بأن قطاع الإنشاءات العالمي في طريقه للتوسع خلال عام 2025، مدفوعة بدورات التيسير النقدي العالمي المتوقعة وانتعاش استثمارات القطاع الخاص، حسبما قالت وحدة الأبحاث في جلسة نقاش افتراضية عقدت مؤخرا تحت عنوان "الاتجاهات الرئيسية للبنية التحتية للعام 2025". إلا أن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض والمخاطر الجيوسياسية في المنطقة وتشديد الأوضاع المالية في الأسواق الناشئة، قد تدفع تلك الصناعة في اتجاهات جديدة. وحدد فريق أبحاث فيتش خمسة اتجاهات رئيسية تشكل أداء القطاع خلال العام.
1#- تتوقع وحدة أبحاث "بي إم آي" أن يتوسع قطاع الإنشاءات العالمي بنسبة 2.7% على أساس سنوي في عام 2025، وهو ما يمثل تباطؤا طفيفا من الـ 3.2% المسجلة في عام 2023، ولكنه يتماشى مع مسار نمو القطاع على المدى الطويل. وفي حين أنه من المتوقع أن يوفر التيسير النقدي تخفيفا بعد سنوات من أوضاع التشديد المالي، إلا أن تراجع الإنفاق العام — خاصة في الأسواق الناشئة — قد يضعف من الزخم. ومن المرجح أن تؤدي مستويات الديون المرتفعة وجهود ضبط أوضاع المالية العامة إلى الحد من مشاريع البنية التحتية المدعومة من الحكومة، مما يحول العبء على مستثمري القطاع الخاص. وعلى الرغم من هذه الرياح المعاكسة، تتوقع "بي إم آي" أن يظل نمو القطاع أعلى من متوسط العقد الماضي البالغ 2.6% على أساس سنوي.
آسيا تأتي تحتل المقدمة.. وأمريكا اللاتينية تتراجع: ستظل منطقة آسيا والمحيط الهادئ هي المحرك الأكبر للنمو، إذ ستنمو بنسبة 4.2% على أساس سنوي، بينما ستشهد كل من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب صحراء نموا بنسبة 3.8% على أساس سنوي. أما الأسواق ذات الأداء الأضعف فهي أمريكا اللاتينية، والتي من المتوقع أن تنكمش بنسبة 2.2%، متأثرة بتباطؤ الاستثمارات العامة.
وضعت الدولة سقفا للاستثمارات العامة في مشروعات البنية التحتية يبلغ تريليون جنيه في العام المالي 2025/2024 بناء على طلب صندوق النقد الدولي لكبح جماح الإنفاق، كما حولت أولويات الإنفاق نحو المشاريع القومية شبه المكتملة على حساب المشروعات الجديدة. وجاءت قطاعات التطوير العمراني (186 مليار جنيه)، والنفط والغاز (136 مليار جنيه)، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (85 مليار جنيه) على رأس أولويات الإنفاق الحكومي، بينما تسعى الحكومة إلى توطين الصناعات لتوفير 3 مليارات دولار من الواردات وزيادة الصادرات بنسبة 20%.
تتطلع شركات البناء والتشييد والشركات العقارية المصرية إلى التوسع في الأسواق الخارجية مع ندرة الفرص المحلية. ومع تباطؤ المشاريع العامة في الداخل، تتجه الشركات إلى الأسواق الإقليمية ذات الطلب القوي والإنفاق المدعوم من الحكومة على البنية التحتية. وتبرز هنا الجاذبية الكبيرة لدول الخليج والدول الخارجة من الصراعات كالعراق وليبيا، في حين أن المنافسة الشرسة وعقبات التمويل والتحديات التنظيمية لا تزال تمثل عقبات. ورغم أن الشركات المصرية لديها الخبرة والقدرات اللازمة للمنافسة على الصعيد الدولي، إلا أن تأمين التمويل — خاصة خطابات الضمان المقومة بالدولار — يمثل عائقا رئيسيا.
2#- من المتوقع أن يؤدي التخفيف النقدي العالمي إلى تحفيز الاستثمارات الخاصة في قطاع الإنشاءات، مما يوفر ارتياحا مطلوبا بشدة بعد أربعة أعوام من تشديد التمويل، وفق توقعات "بي إم آي". ومن المتوقع أن تنخفض أسعار الفائدة إلى 3.5% في الولايات المتحدة، و3.75% في المملكة المتحدة، و2% في منطقة اليورو، مما يدعم نشاط البنية التحتية في عام 2025 وما بعده. "سيدفع هذا المقاولين إلى البدء في أعمال بناء جديدة، ويسهل على مالكي أصول البنية التحتية جمع رؤوس الأموال، ويحفز نشاط صفقات البنية التحتية بشكل أكبر"، بحسب التقرير.
الأثر الفوري لانخفاض أسعار الفائدة سيظهر في قطاع الإنشاءات السكنية، إذ أن إتاحة التمويل ستعزز أوضاع كلا من المطورين ومشتري المنازل، بحسب "بي إم آي". وسيستغرق التوسع في استثمارات البنية التحتية وقتا أطول لاكتساب الزخم — على الأرجح بعد عام 2025 — نظرا للفارق الزمني بين قرارات التمويل وتنفيذ المشاريع. وفي حين أن التيسير النقدي من شأنه أن يحفز نشاط البناء، إلا أن تأثيره الكامل يتوقف على التهديدات التي يواجهها الاستقرار الاقتصادي ومخاطر التضخم، مما قد يؤدي إلى إبطاء وتيرة خفض أسعار الفائدة.
دفع التضخم وتشديد السياسة النقدية في مصر أسعار الفائدة لمستويات قياسية، إذ بلغ سعر الفائدة على الإيداع لليلة واحدة مستوى27.25%. وفي حين تراجع التضخم على مدار الثلاثة الأشهر الأخيرة، إلا أن المخاوف بشأن الضغوط الخارجية واستقرار سعر الصرف والمخاطر الجيوسياسية دفعت البنك المركزي المصري لمواصلة تثبيت أسعار الفائدة المرتفعة منذ رفعها بمقدار 600 نقطة أساس في مارس 2024.
إلا أن هذا قد يتغير يوم الخميس المقبل، إذ يتوقع بعض المحللين أن يبدأ البنك المركزي المصري في خفض أسعار الفائدة لأول مرة هذا العام. وقد يوفر تأثير سنة الأساس الإيجابي وتباطؤ التضخم وتحسن مؤشرات ميزان المدفوعات مجالا لخفض يتراوح بين 100 و200 نقطة أساس، وفقا للاستطلاع الذي أجرته إنتربرايز مؤخرا لآراء المحللين. ويرى آخرون أن التوترات الجيوسياسية ووتشديد الوضع الخارجي والمخاطر التي تواجهها عائدات قناة السويس قد تدفع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة حتى أبريل.
3#- من المتوقع أن يؤدي ضبط أوضاع المالية العامة في الأسواق الناشئة إلى تقليص إنفاق القطاع العام وتحفيز الحكومات على تشجيع الاستثمار الخاص، بحسب التقرير. ومع إعطاء الأولوية لضبط أوضاع المالية العامة، تقوم العديد من الاقتصادات النامية — لا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأمريكا اللاتينية — بتحويل الأموال نحو خدمة الديون، مما يترك موارد أقل للمشاريع العامة الكبيرة. كما أن القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على التمويل الحكومي، كالنقل والإسكان، تتحمل العبء الأكبر من التخفيضات، في حين من المتوقع أن يقوم مستثمرو القطاع الخاص بسد تلك الفجوة. ومما يزيد من حالة عدم اليقين تلك أن مستقبل تدفقات المساعدات الأمريكية بعد الانتخابات الأمريكية لا يزال غير واضح، مما يزيد من المخاطر لمشاريع البنية التحتية المدعومة من الحكومة.
في حين أنه من المفترض أن يشهد الإنفاق الخاص على البنية التحتية تحسنا في عام 2025، إلا أن تحقيق ذلك يتوقف بشكل كبير على الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية. وتشير "بي إم آي" إلى وجود مجموعة كبيرة من الشراكات المخطط لها بين القطاعين العام والخاص في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ولكن العديد من تلك المشاريع لا تزال في مراحل ما قبل الإنشاء، مما يتطلب بذل المزيد من الجهود لإتاحة التمويل — خاصة وسط المنافسة المتزايدة بين الصين والولايات المتحدة على النفوذ الإقليمي. وفي أمريكا اللاتينية، من المقرر أن تدفع مشاريع النقل والبنية التحتية المتعلقة بالتعدين والطاقة في تحفيز مشاركة القطاع الخاص، مدفوعة بالطلب المتزايد على المعادن الحيوية، والاستثمارات في التحول في مجال الطاقة، واتجاهات نقل الأعمال للدول المجاورة.
يتجه قطاع البنية التحتية في مصر إلى الاعتماد بشكل أكبر على الشراكات بين القطاعين العام والخاص، إذ وقعت الحكومة عددا من العقود بقيمة 20 مليار جنيه بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص هذا العام، والتي تغطي مشروعات لتنفيذ مستودعات للسلع الاستراتيجية والموانئ الجافة وتحويل المخلفات الصلبة، كما أنه من المقرر طرح مشاريع بنية تحتية أخرى بقيمة 3.2 مليار دولار بالنظام ذاته قبل نهاية العام. وتستعد الحكومة أيضا لطرح 11 مشروعا جديدا بإجمالي 62 مليار جنيه بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تشمل مشروعات لتنفيذ شبكات توزيع الكهرباء ومحطات لمعالجة مياه الصرف الصحي ومدارس جديدة.
4#- عودة ترامب تشير إلى التراجع في الإنفاق على البنية التحتية المرتبطة بالمناخ: من المتوقع أن تقلص إدارة ترامب الجديدة الاستثمار في البنية التحتية المتعلقة بالمناخ، على الصعيدين المحلي والدولي، وفقا لـ "بي إم آي". ويواجه قانون خفض التضخم، والذي يعد محركا رئيسيا لإنتاج الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية، تخفيضات محتملة في التمويل أو إعادة تخصيص التمويلات، في حين أن الإنفاق الأوسع على البنية التحتية بموجب قانون الاستثمار في البنية التحتية والوظائف وقانون الرقائق قد يجري إعادة تخصيصه أيضا. كما أن مشاريع طاقة الرياح والمركبات الكهربائية ومشاريع التصنيع الأخضر هي الأكثر عرضة للخطر، إذ أشار ترامب إلى خططه للتراجع عن تمويلات قانون خفض التضخم غير المنفقة وتحويل الأولويات نحو تطوير الوقود الأحفوري.
على الصعيد الدولي، من المرجح أيضا أن تتراجع المبادرات المناخية المدعومة من الولايات المتحدة، إذ تتجه الإدارة الأمريكية نحو مشاريع الطاقة التقليدية وإلغاء القيود التنظيمية. وقد يؤثر ذلك على تمويل البنية التحتية المستدامة في الأسواق الناشئة، إذ سعت سياسات إدارة بايدن إلى مواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية ببدائل خضراء. ومن المحتمل أيضا أن يجري تخفيف التنظيمات البيئية، مما قد يؤدي إلى تسريع وتيرة مشاريع البنية التحتية ولكن على حساب التعهدات المناخية.
5#- التوترات الجيوسياسية تدفع للاهتمام بالطرق التجارية البديلة: هناك اهتمام متزايد بممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) مع استمرار التوترات الإقليمية التي تعطل حركة التجارة في البحر الأحمر. ودفع هذا الحكومات إلى التفكير في طرق تجارية برية بديلة، يمر العديد منها عبر منطقتنا.
كما إن إمكانية نجاح هذا المشروع يتوقف على العديد من التحديات، بدءا من الفجوات في البنية التحتية إلى العوائق الدبلوماسية، وفقا لـ "بي إم آي". وتفتقر شبكة السكك الحديدية في السعودية إلى الخطوط الرئيسية المهمة، في حين لا يزال التكامل مع الأردن والإمارات محدودا. كما لا تزال العقبات السياسية قائمة أيضا، إذ لم تقام بعد أي علاقات رسمية بين الرياض وتل أبيب. ومن دون إحراز تقدم على هذه الجبهات، قد يتوقف زخم مشروع ذلك الممر، على الرغم من أن استمرار الاضطرابات في البحر الأحمر قد يسرع من الجهود المبذولة لجعل الممر حقيقة واقعة.
يأتي هذا في الوقت الذي تشهد فيه حركة المرور عبر البحر الأحمر انتعاشا بطيئا، لكن التعافي المتوقع في حركة عبور السفن بقناةالسويس بعد وقف إطلاق النار في غزة لم يتحقق بالكامل بعد. وعبرت ناقلة النفط الليبيرية "كريساليس" القناة لأول مرة الشهر الماضي منذ تعرضها للهجوم في يوليو، في خطوة وصفتها هيئة قناة السويس بأنها "رسالة طمأنة قوية" بشأن الاستقرار الإقليمي. من ناحية أخرى، عبرت ست سفن على الأقل مرتبطة بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة بأمان منذ 19 يناير، بعد إعلان الحوثيين أنهم لن يستهدفوا سوى السفن المرتبطة بإسرائيل بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس. ولكن لا يزال هذا العدد ضئيلا مقارنة بحركة المرور قبل الأزمة، إذ لا تزال شركات ميرسك، و"إم إس سي"، و"ميتسيو أو إس كيه" تتجنب المرور متذرعة بالمخاطر الأمنية.