يمضي الاتحاد الأوروبي قدما في تطبيق لوائح خفض الانبعاثات الكربونية بقطاع الشحن، مما قد يلقي بظلاله على حركة الترانشيبمنت في منطقتنا. بدءا من يناير 2026، يدخل نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات (ETS) حيز التنفيذ الكامل في القطاع البحري، ليغطي 100% من انبعاثات السفن.
ببساطة: في عمليات الشحن العابر، التي تعرف بـ “الترانشيبمنت”، تُنقل البضائع من السفينة التي حملتها من ميناء المنشأ إلى سفينة أخرى داخل ميناء وسيط، قبل أن تصل إلى ميناء وجهة الوصول النهائية، دون مغادرة الدائرة الجمركية لهذا الميناء الوسيط.
المشهد التنظيمي: يُعد نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات بمثابة ضريبة كربون، أو نظام يلزم الشركات بتداول بدلات خفض الانبعاثات وفق الحدود القصوى المنصوص عليها. إذ يُلزم هذا النظام شركات الشحن بشراء مخصصات تغطي 100% من الانبعاثات الناتجة عن الرحلات داخل الاتحاد الأوروبي، و50% من الانبعاثات للرحلات المتجهة من التكتل وإليه. ويختلف هذا النظام عن مبادرة لائحة الوقود البحري بالاتحاد الأوروبي (FuelEU Maritime)، وهي عبارة عن مجموعة من القواعد الملزمة الهادفة لخفض الانبعاثات عبر استبدال الوقود الملوث ورفع كفاءة الطاقة. ودخلت هذه المبادرة حيز التنفيذ في عام 2025 بهدف خفض الانبعاثات بنسبة 2%، ومن المقرر أن ترتفع النسبة إلى 6%، في 2030 قبل أن تزيد تدريجيا لتصل إلى 80% بحلول عام 2050.
كيف يؤثر هذا على مصر؟ من أجل تجنب فقدان أحجام التداول لصالح مراكز الترانشيبمنت خارج الاتحاد الأوروبي، وتجنبا لتغيير المسار بغرض التحايل — حيث قد تتوقف السفن صوريا في موانئ خارج أوروبا لإعادة ضبط العداد الضريبي — وضع الاتحاد الأوروبي قائمة بموانئ الترانشيبمنت المجاورة عالية المخاطر. ويعد ميناء شرق بورسعيد، إلى جانب ميناء طنجة المغربي، الميناءين الوحيدين المدرجين حاليا في تلك القائمة.
ما سبب وضع هذين الميناءين تحديدا؟ استوفى كلا الميناءين المعايير التنظيمية المحددة، وهي أن أكثر من 65% من حركة الحاويات بهما مصنفة “ترانشيبمنت”، بجانب وقوعهما في نطاق 300 ميل بحري من أحد موانئ الاتحاد الأوروبي.
ماذا يعني هذا لميناء شرق بورسعيد؟ إذا توقفت سفينة في ميناء شرق بورسعيد أثناء رحلتها من الاتحاد الأوروبي أو إليه، سيظل الخط الملاحي ملزما بدفع رسوم عن 50% من إجمالي الرحلة الطويلة. وهذا الوضع قد يجعل الميناء أقل جاذبية لمسارات الترانشيبمنت، لا سيما إذا تمكنت موانئ أخرى في المنطقة من توفير بديل آمن غير خاضع للرسوم.
رقم مهم: يعد ميناء شرق بورسعيد شريانا حيويا لتدفقات الترانشيبمنت في مصر، حيث استحوذ على نحو 79% من إجمالي تجارة الترانشيبمنت في مصر خلال عام 2024. واستوعبت محطة الحاويات بالميناء — التي تبلغ طاقتها الاستيعابية حاليا 7 ملايين حاوية مكافئة بعد التوسعات — نحو 4 ملايين حاوية مكافئة في 2024.
ما أهمية الأمر؟ في هذه المعادلة، ثمة رابحون وخاسرون. قد تبرز الموانئ في السعودية والإمارات لتصبح محطات توقف طبيعية في الرحلات، مما يسمح لخطوط الشحن بتصفير التزاماتها الضريبية قبل التوجه إلى الاتحاد الأوروبي أو العودة منه. أما الاحتمالية الأخرى، فربما تتمثل في صعود محطات حاويات مصرية أخرى، مثل مينائي الإسكندرية والسخنة، لتكون بدائل لميناء شرق بورسعيد. وفي كلا السيناريوهين، قد يتضرر حجم الترانشيبمنت في الميناء المدرج بالقائمة إذا قررت الخطوط الملاحية تغيير مساراتها.
نقطة مضيئة محتملة في نهاية النفق: قد تمثل هذه التطورات أخبارا جيدة لطموحات مصر في مجال تموين السفن بالوقود الأخضر، رغم التحديات المتزايدة. فبدءا من هذا العام، يتطلب نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات (ETS) من شركات الشحن حساب انبعاثات أكسيد النيتروز والميثان، مما يرفع تكلفة الامتثال التي تتكبدها السفن التي تعمل بالغاز الطبيعي المسال وتخدم أوروبا. وفي هذا السيناريو، قد يبرز الميثانول الأخضر — الذي تخطط مصر بالفعل لإنتاجه في شرق بورسعيد — ليصبح الفائز الأكبر في سباق الوقود منخفض الكربون.