“السكة الحديد” والفرص الضائعة: يتجاوز إجمالي طول شبكة السكك الحديدية في مصر أكثر من 10 آلاف كيلومتر، وتربط بين الوجهين البحري والقبلي، فيما يتركز أكثر من 60% من الشبكة في الدلتا. مع ذلك، يجري نقل نحو 2% فقط من البضائع في البلاد باستخدام السكك الحديدية، بينما تنقل 96% من البضائع على الشاحنات، وفقا لحسابات البنك الدولي.
بالأرقام: تنقل السكك الحديدية حاليا ما يعادل 5.5 مليون طن من البضائع سنويا، بفضل الجهود الجارية لتحديث الشبكة وإضافة قطارات جديدة، وفق ما قالته مصادر في وزارة النقل لإنتربرايز. ومن الممكن أن يتضاعف هذا الرقم إذا نجحت الدولة في إضافة المزيد من قطارات الشحن إلى أسطولها الحالي، وهو ما سيساعد الحكومة على تحقيق هدفها المتمثل في نقل 30 مليون طن من البضائع سنويا بحلول عام 2030.
ما أهمية هذا؟ يأتي استخدام السكك الحديدية لنقل البضائع مصحوبا بمجموعة واسعة من المميزات، وهي كالتالي:
- كميات أكبر: يمكن للقطارات أن تنقل كميات أكبر مقارنة بالشاحنات، ما يجعلها خيارا أكثر فعالية من حيث التكلفة لنقل كميات كبيرة من السلع لمسافات بعيدة.
- كفاءة في استهلاك الوقود: القطارات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود بأربع مرات من الشاحنات.
- تكاليف صيانة أقل: يمكن للقطارات أن تقطع مسافات طويلة بأقل صيانة ممكنة مقارنة بالشاحنات. كما أن الاعتماد على القطارات يقلل من استخدام الطرق، ما يقلل بالتبعية من التآكل الناتج عن الشاحنات الثقيلة.
زيادة الاعتماد على القطارات أفضل لطموحاتنا الخضراء: تعتبر زيادة الاعتماد على القطارات أفضل فيما يتعلق بتحقيق طموحات مصر الخضراء، فالنقلعبر السكك الحديدية يعد أكثر كفاءة في استهلاك الوقود من النقل البري، خاصة لمسافات طويلة، ما يؤدي إلى خفض الانبعاثات لكل طن/ميل من البضائع المنقولة. كما يساعد أيضا على تقليل عدد الشاحنات على الطريق، ما يخفف من الازدحام المروري ويقلل الانبعاثات المرتبطة بها واستهلاك الوقود الناتج عن التباطؤ في حركة المرور.
لكن هناك ميزة لصالح الشاحنات: تتميز الشاحنات بمرونة أكبر نظرا لعدم التزامها بجدول زمني محدد، كما أنها تتمتع “بتغطية أوسع وأكثر دقة”.
ما العائق أمام زيادة الاعتماد على النقل عبر السكك الحديدية؟ يلعب الافتقار إلى اللوائح التنظيمية دورا رئيسيا في انخفاض أحجام البضائع المنقولة بالقطارات، ما يدفع القطاع الخاص إلى التوجه نحو الشاحنات. كما أن شبكات السكك الحديدية محدودة إلى حد ما من حيث عدد القطارات التي يمكنها استيعابها، فخط السكة الحديد الذي يربط ميناء الإسكندرية البحري وميناء 6 أكتوبر الجاف، لا يمكنه استيعاب سوى ثلاثة قطارات شحن في كل اتجاه يوميا، ما يحد بشكل ملموس من إمكانات الشحن بالسكك الحديدية.
تمتلك مصر أكبر شبكة سكك حديدية تاريخية في المنطقة، حسبما قال مسؤولان في قطاع السكك الحديدية لإنتربرايز. وأوضحا أن الاهتمام القليل الذي أولته الدولة للقطارات، رغم قدمها، أدى إلى تحول ملحوظ نحو حلول الشحن البري والبحري.
ما الذي تفعله الحكومة في هذا الصدد؟ تعمل الحكومة على تطوير موانئ البلاد مع إنشاء خطوط للربط بينها، بما يتضمن الاستفادة من تقنيات الاتصالات عبر شبكة موسعة تشمل الطرق والجسور والسكك الحديدية والموانئ الجافة والمناطق اللوجستية، حسبما أضاف المصدران.
كل ما سبق سيرفع كفاءة شبكات سلاسل التوريد المحلية: تهدف استراتيجية الحكومة إلى تنظيم تدفق البضائع عبر تقليص الوقت الذي تقضيه السفن في الموانئ البحرية، وفقا للمصادر. وهذه الرؤية تتمثل في تحويل الموانئ البحرية إلى نقاط عبور وموانئ جافة لتكون بمثابة الوجهات النهائية للبضائع.
التفاصيل: من المتوقع أن تشتمل الخطة على إنشاء مناطق لوجستية مجاورة – مصممة للخدمات الشاملة مثل التعبئة والتغليف والتصنيع والتوزيع – إلى المناطق الصناعية القريبة. ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تقليل فقدان البضائع، وتسريع عملية الشحن، ما ينتج عنه خفض التكلفة النهائية للمنتجات.
الخطة: اكتملت حاليا أعمال خط القطار الكهربائي السريع “السخنة-الإسكندرية” بنسبة 60% – وهو المشروع الذي يمثل مكونا أساسيا لتعزيز الكفاءة – والذي يشار إليه “بقناة السويس على قضبان سكة حديدية” – حسبما صرح مصدر آخر بقطاع النقل لإنتربرايز. يتضمن هذا المشروع إنشاء مناطق تجارية ولوجستية تخدم خط السكة الحديد. وستعمل هذه الشبكة بشكل أساسي على تسهيل نقل البضائع عبر جميع أنحاء البلاد.
النقد الأجنبي يشكل عائقا: يمثل نقص العملة الصعبة تحديا كبيرا لمشروع خط “السخنة-الإسكندرية”، ما تسبب في تأخيرات كبيرة، لكن العقود المعدة مسبقا للقطارات الجديدة، إلى جانب التمويلات من المؤسسات التنموية الدولية، ساهمت في مضي المشروع قدما، وفقا للمصادر.
تذكر: كان البنك الدولي قد قدم تمويلا لمصر بقيمة 400 مليون دولار في عام 2022، لدعم مشروع تطوير خط لوجستيات التجارة بين القاهرة والإسكندرية، والذي يستهدف تسهيل مرور قطارات البضائع بين ميناء الإسكندرية البحري وميناء 6 أكتوبر الجاف، عبر مسار بديل يقع إلى الغرب من القاهرة الكبرى. ومن المتوقع أن يسمح المسار الجديد بحركة 15 قطارا للحاويات يوميا بحلول عام 2030، و50 قطارا بحلول عام 2060.
هل يشارك القطاع الخاص في خطط التطوير؟ هناك خطة للفصل بين خدمات الشحن وخدمات نقل الركاب في مرفق السكك الحديدية، وذلك عبر نقل مسؤولياتها إلى القطاع الخاص، حسبما أكد مصدر بوزارة النقل لإنتربرايز. ومن المقرر أن يتولى لاعبو القطاع الخاص الذين تتعاقد معهم الحكومة، مهمة تحديث القطارات. ورغم طرح فكرة الامتياز الخاص متوسط الأجل فيما يتعلق بتولي عمليات القطارات وتحسين البنية التحتية، إلا أن الخطط لم تتحقق بعد، وفقا للمصدر.