لا تزال البورصة المصرية بعيدة عن استيعاب الثقل الاقتصادي الكامل لقطاع العقارات. "يظل العقار بوصفه إحدى فئات الأصول غير ممثل تمثيلا كافيا في البورصة رغم إسهامه بنحو 18.5% من الناتج المحلي الإجمالي"، حسبما قال طارق عبد الرحمن، الرئيس التنفيذي لشركة بنيان، في حديثه مع إنتربرايز. ومع أن الأسهم العقارية توفر كلا من السيولة وآلية اكتشاف الأسعار التي تفتقدها الملكية المباشر، يعتقد عبد الرحمن أن السوق لا تزال على تحاول استيعاب كيفية تسعير القطاع في صورة أسهم.

بالأرقام: أنهى مؤشر العقارات عام 2025 مرتفعا بنسبة 39.6%، وهذا يتماشى تقريبا مع المؤشر الرئيسي EGX30 الذي صعد بنسبة 40.7%. قاد المكاسب سهم مجموعة طلعت مصطفى (+44.8%)، يليه أوراسكوم للتنمية مصر (+35.8%)، وبالم هيلز للتعمير (+24.0%).

"لا يكمن السؤال في استحقاق العقارات مكان في المحافظ الاستثمارية.. بل يتعلق بقدرة الأسهم العقارية المدرجة على سد الفجوة بين طريقة استخدام فئة الأصول في الاقتصاد وطريقة تسعيرها في البورصة"، وفق ما قال محمود جاد، رئيس قسم البحوث في العربي الأفريقي الدولي لتداول الأوراق المالية.

وفي هذا السياق، يقول عبد الله سلام، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة مدينة مصر:"نرى هذه الفجوة انفصالا بين تسعير السوق وبين المقومات الأساسية، وليست انعكاسا للأداء التشغيلي"، وذلك في حديثه إلى إنتربرايز. وأشار سلام إلى تداول سهم شركته عند مضاعف ربحية 3-4 مرات مقابل متوسط القطاع البالغ 5-6 مرات. وأوضح سلام: "تؤكد الشواهد التاريخية أن هذه الفجوات في التقييم تميل إلى التلاشي مع استمرار تنفيذ الصفقات وتحقيق النتائج".

ما يريده المستثمرون

#1- وضوح التدفقات النقدية: أصبحت الأرباح المعلنة مؤشرا ضعيفا للمستثمرين، إذ لا تعترف معظم الشركات بالإيرادات إلا عند التسليم، مما يجعل النتائج الحالية انعكاسا لمبيعات نُفذت قبل 3-4 سنوات، ولا تعبر عن بيئة الطلب الحالية، بحسب هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث لدى الأهلي فاروس، في حديثه مع إنتربرايز في الجزء الأول من الموضوع. وأضاف أن المستثمرين يريدون سيولة لا مكاسب على الورق. وتتفق راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لإدارة الأصول، مع هذا الرأي، إذ ترى أن السوق تكافئ "وضوح السيولة". وقالت: "يولي المستثمرون تركيزا متزايدا إلى الجودة بدلا من الحجم"، مشيرة إلى وجود تفضيل متزايد من جانب المطورين القادرين على التكيف مع نماذج الملكية والتمويل الجديدة.

لنضرب مثالا بشركة "بنيان": "يمثل طرح بنيان تطورا مهما، لا سيما نظرا إلى أنها ليست مطورا عقاريا، بل شركة استثمار عقاري"، بحسب حامد. وفي سوق تراجعت فيه القدرة على الشراء وأصبح رأس المال يميل بدرجة أكبر إلى انتقائية الاستثمار، توفر الكيانات المدرجة، التي تدر تدفقات نقدية متكررة، شكلا من أشكال الوصول إلى السوق لا توفره نظيراتها القائمة على التطوير التقليدي.

#2- تدفقات إيرادات بالعملة الأجنبية: الأرجح أن أي إعادة تسعير ستكون انتقائية، وستفضل المطورين ذوي المحافظ السياحية، ومشروعات السكن الثانوي، والتنوع الجغرافي، وفق جاد. ولا يزال الطلب الأساسي في هذه القطاعات مدعوما بالمشترين الأجانب، خاصة في عقارات السكن الترفيهي والعقارات المرتبطة بالضيافة، مثل الوحدات الفندقية ، حسبما قال سامح عبد الرؤوف، رئيس علاقات المستثمرين في مجموعة طلعت مصطفى، لإنتربرايز. وأضاف أن هذه الأصول تساعد في توليد تدفقات بالعملة الصعبة ويمكن أن تنعكس على أداء السهم في وقت لا يزال فيه المستثمرون حساسين للغاية تجاه ديناميكيات سعر الصرف.

من المستفيد الأكبر؟

يميل التمركز الأقوى داخل قطاع العقارات المصري بوضوح نحو مجموعة طلعت مصطفى، حسبما قالت رنا عدوي، العضو المنتدب لشركة أكيومن لإدارة الأصول، واستشهدت في ذلك باستثماراتها المتنوعة عبر العقارات ومحفظة الضيافة القوية. وأشارت إلى أن أصول الضيافة تستفيد من إيرادات السياحة القياسية والتعافي المستمر للقطاع. وأضافت أن أوراسكوم للتنمية تأتي في المرتبة الثانية من ناحية الجاذبية.

ومن منظور استراتيجي، قالت عدوي إن نهج الشراء والاحتفاظ طويل الأجل في أسماء مختارة ذات فرص نمو يبدو منطقيا، لا سيما بالنسبة للشركات التي تضم محافظ أعمالها قطاع السياحة، أو تلك التي تتداول عند مستويات سعرية جذابة.

تؤكد اختيارات "سي آي كابيتال" لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (بي دي إف) تفضيلا واضحا للمنصات العقارية الكبرى ذات رؤوس الأموال الكبيرة والمدرة للسيولة، مع تميز شركة إعمار العقارية وطلعت مصطفى على مستوى التقييم وفرص الصعود. إذ يجري تداول سهم إعمار (المُصنّف بتوصية زيادة الوزن في المحافظ الاستثمارية،) عند 13.3 درهم، مقابل سعر مستهدف 16.7 درهم، مما يعني فرصة صعود بنسبة 25.5%، ومضاعف ربحية مستقبلي 6.8 مرة وعائد توزيعات يتجاوز 7% بحلول 2025. ويعكس هذا نموذجها الناضج المدعوم بالدخل وقوة ميزانيتها العمومية. أما سهم طلعت مصطفى (المُصنّف هو الآخر بتوصية زيادة الوزن السوق) فيقدم حالة إعادة تقييم أقوى، إذ يجري تداول السهم عند 71 جنيها مقابل سعر مستهدف 152 جنيها، بفرصة صعود 114%، ومضاعف ربحية لعام 2025 يبلغ نحو 11.6 مرة.

"في ظل تداول كبرى الشركات العقارية عند مضاعفات جذابة للغاية، نتوقع أن تتداول شركاتنا المختارة عند مستويات مضاعف ربحية أقل من 10 مرات في 2026"، وفق راندا حامد، التي استشهدت في ذلك بتقديرات تضع طلعت مصطفى عند نحو 11 مرة للأرباح، وبالم هيلز عند 5.2 مرة تقريبا، وأوراسكوم للتنمية عند 7.4 مرة.

ماذا يخبئ عام 2026؟

تشير التوقعات المجمعة إلى نمو مستقر في أرباح المطورين العقاريين المدرجين بالبورصة على المدى المتوسط، إذ يتوقع المحللون نموا سنوياً بنحو 14%، وفق ما قاله رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة الأهلي صبور للتنمية العقارية أحمد صبور في حديثه مع إنتربرايز. وأضاف أن هذه الخلفية ستساعد في الحفاظ على اهتمام المستثمرين حتى مع بقاء إعادة تسعير الأسهم غير متساو.

الصورة الكلية: قد يؤدي خفض أسعار الفائدة على المديين المتوسط والطويل إلى دعم التقييمات، لا سيما إذا تحسنت شروط التمويل وتعمقت سيولة السوق، وفقا لجاد. ومن المتوقع أن يؤدي استحقاق شهادات الادخار ذات العائد المرتفع الصادرة منذ أوائل 2024 إلى ضخ السيولة مرة أخرى في السوق، وقد يتدفق جزء من هذه السيولة في قطاع العقارات، حسبما قال عبد الرؤوف لإنتربرايز.