يشهد قطاع المياه تحولا كبيرا مرتقبا. ففي الوقت الذي تعمل فيه مصر على معالجة نقص المياه وتمويل بنية تحتية جديدة دون إثقال كاهل موازنة الدولة، من المقرر أن يؤدي قانون تنظيم مرفق مياه الشرب والصرف الصحي إلى إعادة تشكيل السوق وفتحه أمام المستثمرين المحليين والأجانب. ويصاحب التشريع — الذي صدر في الأول من سبتمبر ومن المقرر أن يدخل حيز التنفيذ بحلول مارس 2026 — توجه الحكومة الأوسع نحو الرقمنة والتحول نحو الإدارة الذكية في قطاع المياه. ومن المتوقع أن يشجع القانون الجديد على زيادة مشاركة القطاع الخاص في خدمات المياه والصرف الصحي ويوفر إطارا تنظيميا أوضح للصناعة، وفقا لمكتب الشلقاني للاستشارات القانونية للمحاماة.
ويمثل قانون تنظيم مرفق مياه الشرب والصرف الصحي خطوة رئيسية نحو توسيع مشاركة القطاع الخاص في جميع الأنشطة والكيانات المشاركة في خدمات المياه والصرف الصحي – بدءا من الإنشاء ومرورا بالتشغيل والصيانة والتوزيع ووصولا إلى المعالجة والتصريف النهائي. ويسمح القانون للشركات الخاصة بالمشاركة في كل مرحلة من مراحل سلسلة القيمة — من البناء والتنقية والتحلية والنقل والتوزيع، إلى جمع ومعالجة المياه، وأيضا التخلص الآمن من مياه الصرف الصحي — إما بشكل مستقل أو من خلال شراكات مع الهيئات العامة. ويكمن الهدف في تعزيز كفاءة الخدمة مع تخفيف العبء المالي على الدولة.
ويعد التشريع جزءا من وثيقة سياسة ملكية الدولة، إذ يعد قطاع المياه أحد المجالات التي تراهن عليها الحكومة لجذب استثمارات طويلة الأجل، حسبما صرحت به مصادر لإنتربرايز. ويعكس الإصلاح التنظيمي ما حدث في قطاع الكهرباء قبل عدة سنوات، عندما مهدت مشروعات منتجي الطاقة المستقلين (IPP) الطريق أمام الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPPs). ومنذ ذلك الحين، أصبحت صناعة الكهرباء معيارا لأطر الشراكة الناجحة بين القطاعين العام والخاص، حسبما صرح به ممثل عن شركة حسن علام للمرافق لإنتربرايز، مضيفا أنه يجب تكرار هذا النموذج في قطاع المياه. وقد اجتذبت مشروعات المياه بالفعل استثمارات وتمويلات أجنبية من مؤسسات التنمية الدولية.
الإطار التنظيمي والحوكمة في قطاع المياه –
سيتمتع جهاز تنظيم مرفق مياه الشرب والصرف الصحي وحماية المستهلك ، الذي سيجري إنشاؤه بموجب القانون الجديد، بسلطات واسعة للإشراف على القطاع. وسيشمل إشرافه إصدار التراخيص الخاصة بجميع مشروعات المياه والصرف الصحي وبمقدمي الخدمات، ومراقبة الأداء وجودة الخدمة، وحماية حقوق المستهلك، والتعامل مع النزاعات بين المشغلين والمستخدمين، واقتراح وتنظيم تعريفة أنشطة المياه والصرف الصحي.
ويفرض القانون متطلبات تشغيلية ومعايير خدمة ملزمة لضمان الجودة والاستدامة. وتشمل هذه المتطلبات والمعايير ضمان المساواة في الحصول على الخدمات بين المستخدمين، وتوفير مياه مطابقة للمعايير الصحية، والإصلاح السريع للأعطال، والرد على الشكاوى في غضون 15 يوما، وحظر الممارسات الاحتكارية، وإلزام المرافق باستخدام التقنيات الحديثة في المعالجة والتنقية.
وسيمنح الجهاز الجديد تراخيص التشغيل لمدة تصل إلى 15 عاما، برسوم ترخيص مرنة بحد أقصى 2% من قيمة المتر المكعب المنتج — وبما لا يزيد على 50 مليون جنيه سنويا. ولتشجيع الوافدين الجدد، حُددت الرسوم بنسبة 1% للسنوات الخمس الأولى، وترتفع بنسبة 20% سنويا حتى تصل إلى الحد الأقصى.
وسيتوجب على المشغلين إيداع تأمين مالي يعادل 20% من رسوم الترخيص لضمان جدية المشروع، ويُسترد في نهاية مدة الترخيص. ويهدف الإطار إلى الموازنة بين حوافز المستثمرين وحماية المستهلك واستدامة الموارد.
ويحدد القانون غرامات باهظة — تصل إلى مليون جنيه — للمخالفات المتعلقة بخدمات المياه والصرف الصحي، بما في ذلك سوء استخدام المياه، والتوصيلات غير المصرح بها، ومخالفات التعريفة. وقد تصل العقوبات إلى السجن لجرائم مثل إتلاف المرافق العامة، أو عرقلة المشروعات أو المشغلين، أو تشغيل مرافق غير مرخصة. وسيكون للجهاز أيضا سلطة تحصيل المستحقات والغرامات والرسوم بوصفها أموالا عامة يمكن استردادها بموجب الحجز الإداري.
وتواصل الحكومة المضي قدما في تشديد الحوكمة والشفافية لجعل القطاع أكثر جاذبية للمستثمرين من القطاع الخاص والأجانب، وفقا لوزير الري هاني سويلم، مضيفا أن تحديث الإطار القانوني قد أسهم بالفعل في وجود نماذج شراكة ناجحة بين القطاعين العام والخاص في تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها. وأشار سويلم إلى أن الجيل الثاني لمنظومة الري المصرية (Irrigation 2.0) يتضمن إصلاحات مؤسسية وتشريعية لضمان استدامة موارد المياه، إلى جانب حشد تمويل المناخ لمشروعات المياه وتحسين الخدمات الريفية في إطار مبادرة “حياة كريمة” — وكلها تهدف إلى جذب رأس المال الخاص وضمان استمرارية الخدمة على المدى الطويل.
كيف يبدو السوق؟
تركز خطة الدولة لإدارة الموارد المائية البالغة قيمتها 50 مليار دولار على الجودة والكفاءة والمعالجة، بينما يستهدف برنامج تحلية المياه إضافة 3.35 مليون متر مكعب يوميا من الطاقة الإنتاجية بحلول عام 2025. وفي العام المالي 2026/2025، خصصت الحكومة 77 مليار جنيه لمشروعات المياه والصرف الصحي — 27.8 مليار جنيه لخدمات المياه و 49.2 مليار جنيه للصرف الصحي — وفقا لخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتشمل المحفظة 56 محطة مياه شرب، و 135 مشروع صرف صحي، و 33 محطة معالجة، و 17 محطة تحلية.
وشهدت مصر تقدما غير مسبوق في خدمات المياه والصرف الصحي على مدى العقد الماضي. وارتفعت تغطية مياه الشرب إلى 99% على مستوى البلاد في عام 2024 من 95% في عام 2014، في حين قفزت تغطية الصرف الصحي من 79% إلى 96% في المناطق الحضرية ومن 12% إلى 60% في المناطق الريفية، وفقا لبيان صادر عن وزارة الإسكان. وتنبع هذه التحسينات من نحو 5100 مشروع بقيمة 726 مليار جنيه، بما في ذلك محطات وشبكات جديدة وموسعة وأعمال إعادة تأهيل، بالإضافة إلى 1800 مشروع في إطار مبادرة “حياة كريمة” لتحقيق التغطية الكاملة للقرى.
مشاركة القطاع الخاص في النماذج الحالية –
يضفي القانون الجديد الطابع الرسمي على نظام الترخيص لمقدمي خدمات المياه والصرف الصحي – بما في ذلك شركات القطاع الخاص – ويُسند السلطة التنظيمية إلى رئاسة مجلس الوزراء لتعزيز الحوكمة. كذلك يضع هياكل رسوم محددة للمشغلين المرخصين ومسارات واضحة لمشاركة القطاع الخاص في الملكية والتشغيل والصيانة، وفقا لشركة حسن علام للمرافق. ومع ذلك، صرحت مصادر لإنتربرايز بأن تدفقات الاستثمار الكبرى ستتوقف على آلية تسعير شفافة وعوائد قابلة للتنبؤ، نظرا للطبيعة الاجتماعية للخدمة وارتباطها بالدعم. وأشارت شركة حسن علام للمرافق إلى أن المناخ التنظيمي والاستثماري العام للمرافق قد تحسن تحسنا ملحوظا في السنوات الأخيرة، مع إشارات واضحة على أن الدولة تفتح الباب على مصراعيه أمام مشاركة القطاع الخاص — لا سيما من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص وعبر إصلاحات قطاعية مستهدفة.
وتعد شركة أوراسكوم كونستراكشون من بين الشركات الرائدة في مصر في مجال الهندسة والمشتريات والإنشاءات في قطاع المياه، بمحفظة مشروعات تتجاوز 17 مليون متر مكعب يوميا، حسبما صرحت به الشركة لإنتربرايز. فقد تولت الشركة بناء وتشغيل أكبر محطتين لمعالجة المياه في العالم — الدلتا الجديدة (7.5 مليون متر مكعب يوميا) وبحر البقر (5.6 مليون متر مكعب يوميا) — وسلمت أول مشروع شراكة بين القطاعين العام والخاص في مصر، وهو محطة معالجة مياه الصرف الصحي بالقاهرة الجديدة. كذلك شيدت أوراسكوم محطة أبو رواش (1.6 مليون متر مكعب يوميا)، بجانب مشروعات في الجلالة وشرق بورسعيد والعلمين، مما يؤكد دورها في الأمن المائي والبنية التحتية المستدامة.
كذلك لعبت شركة ريدجوود إيجيبت — وهي عبارة عن مشروع مشترك بين حسن علام للمرافق وألمار لحلول المياه – دورا مهما، حيث تولت على مدى عقدين تصميم وبناء وتملك وتشغيل محطات تحلية باستخدام تقنية التناضح العكسي في مختلف سواحل مصر. وتدير الشركة حاليا أكثر من 50 محطة بطاقة إجمالية تزيد على 100 ألف متر مكعب يوميا، وتأهلت مسبقا لبرنامج تحلية المياه التابع لصندوق مصر السيادي، بالإضافة إلى مشروعات في مدينة السادس من أكتوبر والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ولا يزال تمويل المشروعات هو العقبة الأصعب في القطاع، حسبما صرحت به شركة حسن علام للمرافق لإنتربرايز. إذ يحتاج المشغلون إلى إطار واضح لتقاسم المخاطر وإلى تنسيق مؤسسي أكثر إحكاما. ويكمن الحل في تطوير نماذج تمويل مرنة تشجع مشاركة القطاع الخاص، إلى جانب تبسيط إجراءات التصاريح — خاصة للمواقع الساحلية أو ذات الحساسية البيئية — لتجنب التأخير وجذب رأس المال المستدام. وتعتمد الشركة على التمويل بدون حق الرجوع من مؤسسات تمويل التنمية والبنوك التجارية، تدعمه شراكات في رأس المال مع مستثمرين استراتيجيين يجلبون كلا من رأس المال والمعرفة الفنية لضمان التنفيذ القوي والقيمة طويلة الأجل.
وأصبح توطين صناعة مكونات محطات التحلية شرطا أساسيا للاتفاقيات مع المطورين الأجانب، حسبما صرح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال محادثات مع شركة أكوا باور السعودية، التي تخطط للتعاون مع الحكومة في مشروعات التناضح العكسي المعتمدة على الأغشية. وأكد مسؤولو أكوا باور أنهم سيعملون على توطين صناعة مكونات المحطات في مصر وسط ارتفاع الطلب المحلي على المياه المحلاة.
أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع:
- وقعت مصر على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة السيبرانية، لتصبح واحدة من 65 دولة وقعت على الاتفاقية لمكافحة تهديدات الأمن السيبراني العابرة للحدود في الفضاء الرقمي. (بيان)
- افتتحت شركة تشغيل الموانئ الإماراتية “دي بي ورلد” منطقتها اللوجستية بالسخنة بقيمة 85 مليون دولار في منطقة السخنة الصناعية المتكاملة، مما يمثل خطوة استراتيجية في جهود مصر لترسيخ مكانتها بوصفها مركزا إقليميا للخدمات اللوجستية والتجارة العالمية.
- أطلقت شركة كابيتال أجرو المحلية للأغذية الزراعية مجمعا لوجستيا متكاملا بقيمة 25 مليون دولار لتخزين الأغذية المجمدة في الشرقية. وستعمل المنشأة البالغة مساحتها 30 ألف متر مربع، والتي من المقرر أن تتجاوز طاقتها التشغيلية 30 ألف منصة تخزين (باليت)، باستخدام الطاقة المتجددة..