واجه قطاع البنية التحتية في مصر عراقيل خلال أوقات كثيرة من عام 2024 نتيجة الرياح المعاكسة المستمرة — لكن نهاية النفق تبدو واضحة في الأفق. عقب عامين شهدا الكثير من الصعوبات، أظهر قطاع البنية التحتية بمصر أداء متباينا في 2024، في ظل ما مر به من العقبات المستمرة، والقرارات الحكومية المؤثرة، وصدمات سلاسل التوريد ذات التأثير الكبير.
اتفاقية رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار كانت بداية مبشرة للعام: أبرمت الحكومة في فبراير الماضي اتفاقية بقيمة 35 مليار دولار مع شركة أيه دي كيو القابضة الإماراتية (صندوق أبو ظبي السيادي) تحصل الشركة بموجبها على حقوق تطوير منطقة رأس الحكمة بالساحل الشمالي. ووصف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي هذه الاتفاقية بأنها “أكبر اتفاقية استثمار مباشر في مصر”، حيث ستشهد هذه المنطقة الساحلية الممتدة على مساحة 170 مليون متر مربع تطوير مجموعة متنوعة من المشروعات السياحية والسكنية والتجارية – وتحت إشراف شركة مدن القابضة، التابعة لصندوق أبو ظبي السيادي، كمطور رئيسي للمشروع.
تعويم الجنيه حفز المستثمرين في الربع الأول من العام: كشف تقرير صادر عن شركة الاستشارات العقارية العالمية “جيه إل إل” في الربع الأول من العام أن تعويم الجنيه قد أدى إلى زيادة شفافية الأسعار، والحد من المضاربات، وأعاد ثقة المستثمرين في القطاع العقاري بمصر. كما شهد الربع الأول من العام الجاري إنجاز أكثر من 7000 وحدة سكنية، وقفزة حادة في أسعار بيع الوحدات السكنية بنسبة 83% على أساس سنوي في السادس من أكتوبر و95% على أساس سنوي في القاهرة الجديدة.
لكن تراجع الدولة عن الإنفاق العام على البنية التحتية العامة كان محبطا للقطاع: في فبراير، صدق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قرار حكومي بتخفيض تمويل الخزانة العامة بالخطة الاستثمارية للعام المالي 2024/2023 بنسبة 15%، في محاولة لترشيد الإنفاق العام وخفض الدين الخارجي. ووفرت هذه الخطوة ما بين 150-200 مليار جنيه من النفقات التي كان من الممكن أن تساهم في مشروعات البنية التحتية. لم تتمكن الجهات الحكومية من إبرام عقود أو طرح مناقصات لمشروعات جديدة في النصف الأول من عام 2024.
وواصلت الحكومة سياستها المتحفظة في تمويل الإنفاق البنية التحتية طوال العام: حددت خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2025/2024 سقفا لتمويل الاستثمارات العامة عند تريليون جنيه، بناء على طلب صندوق النقد الدولي. وأعطت الدولة الأولوية للمشروعات التي بلغ معدل تنفيذها بالفعل 70% ومن المتوقع أن يبدأ تشغيلها خلال عامين.
كما مثلت الرياح المعاكسة للاقتصاد الكلي عقبة كبيرة أيضا، إذ شكلت صدمات العرض بسبب تعطل الشحن في البحر الأحمر، وارتفاع أسعار الطاقة، والقفزة في تكاليف التمويل العديد من المشاكل للقطاع.
على الجانب المشرق، اتسعت خريطة مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص: وقعت الحكومة في وقت سابق من هذا العام، 10 عقود بقيمة 20 مليار جنيه بنظام المشاركة لتحفيز القطاع الخاص على المشاركة منها مشروع مستودعات السلع الاستراتيجية، وميناء العاشر من رمضان الجاف، ومشروع تحويل المخلفات الصلبة، وفقا لما كشفه مسؤول حكومي لإنتربرايز الشهر الماضي.
..وهناك المزيد من مشاريع على الطاولة أيضا: أفاد تقرير صحفي في سبتمبر الماضي أن الحكومة تعتزم طرح مناقصات لتنفيذ مشروعات بقيمة 3.2 مليار دولار قبل نهاية العام الجاري. علاوة على ذلك، تستعد الحكومة لطرح 11 مشروعا جديدا بقيمة 62 مليار جنيه، بما في ذلك شبكات توزيع الكهرباء، ومحطة محولات ومحطة لمعالجة مياه الصرف الصحي، والمرحلة الثانية من برنامج المدارس المتميزة مع إنشاء عدد من المدارس الفنية الجديدة في مجال التعليم.
كما تأثر قطاع الإنشاءات سلبا بسوء الخلل التنظيمي: لا تزال الجهات الفاعلة في القطاع تواجه عوائق بسبب الإطار التنظيمي غير المحدث – المتضمن في قانون التعاقدات الحكومية لعام 2018 – الذي ينظم العقود الحكومية مع المقاولين المحليين فقط. ومع الانخفاض الحاد في الإنفاق الحكومي على البنية التحتية وزيادة المشاريع الممولة من الخارج، وجد اللاعبون المحليون أنفسهم مهمشين مع تحول المستثمرين الأجانب إلى مقاولين واستشاريين أجانب لتطوير مشاريعهم في البلاد من أجل تجنب الغموض التنظيمي مع الشركات المصرية نظرا لعدم وجود لوائح تحدد كيفية صياغة العقود بين شركات المقاولات المحلية والجهات غير الحكومية.
لكن الإطار التشريعي لعب دور المنقذ أيضا: قررت الحكومة إعادة العمل بقانون البناء لعام 2008، مما سرع عملية استصدار تراخيص البناء لتقتصر على 8 خطوات بدلا من 15 خطوة في السابق. كما مددت الحكومة صلاحية تراخيص البناء الإدارية إلى خمس سنوات بدلا من عام واحد في السابق. وتحركت وزارة الإسكان أيضا للتخفيف من المخاطر في القطاع من خلال تثبيت أسعار الأراضي المتقلبة المعروفة، والتي كانت تتغير في السابق بين توقيع العقد وبدء المشروع، بالإضافة إلى تحديد سعر الفائدة على الأقساط للمطورين العقاريين عند 15%.
دبلوماسية البنية التحتية واصلت المضي قدما: واصلت الشركات المصرية – سواء المملوكة للدولة أو الخاصة – توسعها بالخارج في عام 2024، تنفيذا لاستراتيجية دبلوماسية البنية التحتية في البلاد. كان العراق وجهة رئيسية لشركات المقاولات، حيث كانت مجموعة طلعت مصطفى وأورا ديفيلوبرز من بين الشركات التي انتقلت إلى السوق العراقية سريعة النمو. كما شهدت السعودية نشاطا كبيرا من الشركات المصرية، حيث من المقرر أن تطرح الشركة الوطنية السعودية للإسكان مشاريع إنشائية للشركات المصرية بقيمة تصل إلى 200 مليار دولار.
كما تتوسع الشركات المصرية في باقي أنحاء أفريقيا: فقد بدأت شركة السويدي إليكتريك العمل على محطة كهرباء في ليبيا ومشروع خط الربط الكهربائي بين زيمبابوي وزامبيا وبوتسوانا وناميبيا، في حين تنفذ شركة المقاولون العرب ثلاثة مشاريع للطرق والبنية التحتية في درنة الليبية ووقعت عقودا لإنشاء طريق بقيمة 70 مليون دولار في أوغندا. وبالإضافة إلى ذلك، تتعاون الذراع العقارية لمجموعة العرجاني مع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا في عدد من المشاريع الإنشائية في ليبيا، بينما تتفاوض الشركة القابضة للنقل البحري والبري، المملوكة للدولة، على مشاريع في جيبوتي.
تشتد الحاجة إلى بنية تحتية أكثر مرونة أيضا، حيث تتسع آثار التغيرات المناخية شيئا فشيئا لتطال معظم القطاعات. في الوقت الذي يتعين علينا تعزيز مرونة أنظمة البنية التحتية وقدرتها على التكيف مع الصدمات والضغوط مثل الكوارث الطبيعية وتغير المناخ، نحتاج إلى تعزيز الشفافية والمساءلة في حوكمة وإدارة البنية التحتية، والتي تشمل المشتريات والتمويل والمتابعة، وفقا لما قاله نائب رئيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية لودجر شوكنخت، في اجتماع افتراضي مع عدد من لاعبي القطاع الخاص المحلي، لمناقشة فرص التعاون.
دفعة كبيرة للبنية التحتية بقطاع النقل: أقرت الحكومة هذا العام ثلاثة مشاريع قوانين بتعديلات تشريعية من شأنها إحداث تغيير كبير في قطاع النقل البحري، بما في ذلك قانون التجارة البحرية، ورسوم تسجيل السفن، وقانون التفتيش البحري. وفي طريق الحكومة نحو إنشاء بنية تحتية قوية في موانئ البلاد والممرات اللوجستية، انطلقت أولى رحلات خط الرورو الملاحي المصري الإيطالي الجديد الذي يربط بين مينائي دمياط وتريستا في إيطاليا. وشهد أكتوبر الماضي افتتاح أحدث وأكبر محطة سكة حديد في البلاد – محطة قطار الصعيد في بشتيل بالجيزة – بتكلفة بلغت 2.5 مليار جنيه.
مشاريع الربط الكهربائي تكتسب المزيد من الزخم: بدأت أعمال تركيب أول محول بمحطة الربط الكهربائي بين مصر والسعودية في مدينة بدر أغسطس الماضي، إذ من المقرر التشغيل التجريبي للمرحلة الأولى من المشروع البالغة قيمته 1.8 مليار دولار في أبريل 2025 بدلا من مايو. كما أطلقت إليكا جروب اليونانية للطاقة المتجددة – الشركة المطورة لخط الربط الكهربائي بين مصر واليونان – مناقصتين لمشروع الربط الكهربائي، في أبريل.
أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع:
- مصر وبيلاروسيا تبحثان إنشاء منطقة لوجستية لتسويق الحبوب: التقى مسؤولون مصريون وفدا بيلاروسيا واقترح إنشاء مركز لتداول وتصنيع الحبوب لاستيراد وتصنيع وتسويق منتجات الحبوب في منطقة لوجستية بمصر لتلبية احتياجات السوق المحلية والتصدير للأسواق العربية والأفريقية. (بيان)
- من المتوقع أن يشهد مشروع محطة الضبعة النووية تطورا كبيرا خلال عام 2025، مع وصول أهم المعدات بالمفاعل الأول في شهر يوليو المقبل. ومن المقرر أيضا أن يصل وعاء قلب المفاعل الثاني في يناير 2026، بجانب خطط لتسريع مواعيد تسليم أوعية قلوب المفاعلين الثالث والرابع. (المال)