من الطاقة المتجددة إلى التطوير العقاري والتكنولوجيا الخضراء.. السوق المصرية تفتح أبوابها لمستثمري القطاع الخاص: شهد قطاع الإنشاءات والبنية التحتية في مصر تحولا جذريا خلال السنوات الماضية، مدفوعا بخطط تنموية طموحة ومشروعات قومية كبرى، تتنوع بين الطاقة والمياه والإسكان والبنية التحتية الذكية. وبينما تقود الدولة دفة الاستثمار في البنية التحتية، يزداد زخم الشراكات مع القطاع الخاص.
لكن الطريق ليس مفروشا بالورود، إذ تبرز الحاجة إلى إصلاحات تنظيمية، وأدوات تمويل مبتكرة، ونماذج تشغيل مرنة، تواكب المتغيرات الاقتصادية. في هذا العدد من نشرتنا المتخصصة “هاردهات”، نستعرض أبرز ملامح مشهد الإنشاءات في مصر من خلال تصريحات كبار المسؤولين التنفيذيين، والخبراء الحكوميين، والجهات الفاعلة في القطاع الخاص، خلال مشاركتهم في مؤتمري Big 5 Construct Egypt وEgyptinfrastructureexpo، حيث برزت خمسة محاور رئيسية ترسم خريطة الفرص والتحديات في السوق المصرية.
فرص الاستثمار في مشاريع الإنشاءات المصرية –
مصر تقود طفرة في البنية التحتية.. والطاقة المتجددة محرك النمو المقبل، إذ شهدت البلاد على مدار العقد الماضي جهود ضخمة على صعيد مشروعات البنية التحتية، لا سيما في قطاعات معالجة المياه والطاقة المتجددة، وفقا لما قاله تامر شفيق نائب رئيس شركة أوراسكوم كونستراكشون لتطوير الأعمال. يأتي هذا في الوقت الذي تستهدف فيه البلاد الوصول إلى 9 ملايين متر مكعب من المياه المعالجة يوميا بحلول 2050، مقابل 1.3 مليون حاليا، بحسب شفيق الذي أشار إلى مشاركة أوراسكوم كونستراكشون في مشروعات رائدة في طاقة الرياح بقدرة تقترب من 900 ميجاوات، مؤكدا أهمية استمرار الشراكات بين الدولة والقطاع الخاص لتلبية الاحتياجات التنموية المتزايدة.
.. بينما تمتلك قاعدة عقارية قوية تشتد الحاجة إلى مخارج استثمار آمنة: مصر تمتلك بنية عقارية ضخمة تؤهلها للمنافسة إقليميا، لكنها بحاجة إلى تحسين بيئة الاستثمار، وتسهيل إجراءات التخارج، لضمان تدفق الاستثمارات الأجنبية، وفقا لما قاله حسن الصادي أستاذ اقتصاديات التمويل بكلية التجارة جامعة القاهرة. وأشار الصادي إلى أن المستثمرين يبحثون دائما عن القدرة على استرداد رؤوس أموالهم وأرباحهم بشكل منظم، وهو ما يتطلب حوكمة مرنة، وتفعيل أدوات تمويلية جديدة مثل الصكوك والتمويل الأخضر.
التطوير العقاري في مصر يمثل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعله قطاعا استراتيجيا لا غنى عنه، وفقا لما قاله وليد سويدة رئيس مجلس إدارة شركة الدقة للاستشارات الهندسية (بي سي إي)، مشيرا إلى الفرص الاستثمارية الضخمة في القطاعات السكنية، والإدارية، والصناعية، والسياحية، مدعومة بتوافر العمالة منخفضة التكلفة وموارد طبيعية جاذبة.
المشروعات التجارية متعددة الاستخدامات تحقق أعلى عوائد استثمارية حاليا، حيث تشهد السوق المصرية إقبالا متزايدا على تلك المشروعات، والتي تجمع بين البيع والتأجير، محققة بذلك عوائد استثمارية مرتفعة، حسبما أكدت نهى نايل الرئيس التنفيذي لقطاعات الأعمال والاستدامة بشركة ريدكون للتعمير. وأضافت أن القطاعين الصناعي والبنية التحتية لا يزالان من القطاعات الوطنية المهمة ذات الجدوى الاقتصادية العالية، لكنها شددت على أهمية اختيار النموذج التشغيلي والتسويقي الصحيح لتحقيق أفضل عائد ممكن من كل مشروع.
نجاح الشراكة بين القطاعين العام والخاص مرهون بالشفافية والاستمرارية: بدأت مصر مبكرا في تطوير آليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومع تراكم الخبرات نجحت الدولة والمستثمرون في تنفيذ مشروعات ذات قيمة مضافة، وفقا لما قاله شريف منصور مستشار وزير المالية لإدارة المرافق، موضحا أن تطبيق الشفافية والالتزام الواضح من الطرفين هو المفتاح الرئيسي لإنجاح هذا النموذج، وأن الحكومة باتت أكثر استعدادا لفهم احتياجات المستثمرين وتوفير البيئة المؤسسية اللازمة لجذبهم.
نماذج الشراكة تتنوع.. والتسعير ليس موحدا في المشروعات –
آليات التسعير وطبيعة العقود في مشروعات الشراكة تختلف بحسب نوع المشروع وطبيعة الخدمة، وفقا لما قاله عاطر حنورة رئيس وحدة الشراكة بين القطاعين العام والخاص بوزارة المالية. في مشروعات المدارس، يحدد مقدم الخدمة السعر الأساسي في العقد – كأن يكون بين 10-15 ألف جنيه – ويظل هذا الرقم هو مرجعية التسعير السنوي، حتى مع زيادات سنوية محتملة بنسبة 5-7% تحددها وزارة التربية والتعليم. أما في مشروعات الموانئ البحرية والجافة، فالوضع مختلف تماما، إذ لا تضع الدولة تسعيرا محددا، بل تفتح باب المزايدة بحيث يتقدم المستثمر بنسبة من عوائد المشروع تعود إلى الحكومة، باعتبار أن النشاط نفسه مملوك للدولة، حسبما أوضح حنورة.
تمويل مشروعات الشراكة ينبغي أن يوازن بين المخاطر ويضمن استدامة الخدمة: نجاح مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص يرتكز على توزيع المخاطر بشكل متوازن، بما يضمن استدامة الخدمة دون تحميل الدولة أو المستثمر أعباء غير محسوبة، وفقا لما قاله حنورة. وتختلف آليات تمويل هذه المشروعات بين تمويل المؤسسات وتمويل المشروعات، إذ يركز النوع الثاني على دراسات الجدوى الفنية والمالية، وجودة العطاء، والضمانات المقدمة، بما في ذلك الضمانات السيادية من الدولة لتخفيف المخاطر. وتصبح البنوك، باعتبارها الممول الرئيسي للمشروعات، شريكة فعلية في نجاحها، إذ تمتلك أصول المشروع قانونا في حال تعثر التنفيذ، دون أن يكون لها الحق في التصرف فيها. وأكد حنورة أن العقود تُصمم بطريقة تتيح استمرار تشغيل المشروع حتى في حال إنهاء التعاقد مع المستثمر، بحيث تتولى الحكومة سداد الالتزامات للبنوك واستعادة الأصول، مضيفا أن القانون ينظم هذه المسارات من خلال مواد واضحة في قانون الشراكة.
حول إدارة المخاطر: التضخم وسعر الصرف أبرز التحديات. تحميل القطاع الخاص بمخاطر غير قابلة للتنبؤ، مثل التضخم أو تقلبات سعر الصرف، يؤدي إلى ارتفاع تكلفة المشروعات، وبالتالي الخدمة المقدمة للمواطن، وفقا لحنورة، موضحا أنه يجري التعامل مع ذلك عبر آليات منها تثبيت مكون التضخم وتسديده لاحقا حسب القيمة الفعلية المعلنة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أو تحديد نسبة المكون الدولاري في التكاليف وسدادها بسعر التحويل في حينه، بما يحمي المستثمر دون تحميل الدولة أعباء إضافية.
التمويل المختلط أداة لسد فجوات الجدوى المالية: بالنسبة إلى المشروعات التي لا تحقق عائدا استثماريا كافيا للمستثمر عند مستوى تسعير معين، أشار حنورة إلى استخدام آلية التمويل المختلط والتي تشمل مساهمة الدولة في جزء من تكلفة المشروع لتخفيض سعر الخدمة، وسد فجوة الجدوى المالية. ويمكن ان “تلجأ الدولة لتمويل طويل الأجل بفائدة منخفضة، أو تدعم المشروع من موازنتها مباشرة”، حسبما أفاد حنورة. “وحرفية تصميم مشروعات الشراكة تكمن في القدرة على إعادة هيكلة التمويل والعقود بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والقانونية”، على حد قول حنورة، مؤكدا أن “كل مشروع تتم دراسته كحالة مستقلة، ولا مجال للنسخ أو التكرار في مشروعات الـPPP”.
التكنولوجيا تحفز نمو البناء الأخضر –
المباني الخضراء استثمار استراتيجي؟ لم تعد المباني الخضراء رفاهية بيئية، بل أصبحت استثمارا استراتيجيا يحقق فائدة ملموسة لجميع الأطراف المعنية، سواء المطورين أو المصممين أو المشغلين أو حتى الجهات الممولة، وفقا لما قالته إيمان الجارحي، مستشار مؤسسة التمويل الدولية وخبيرة معتمدة في التميز في التصميم من أجل كفاءة أعلى “EDGE”. وأوضحت الجارحي أن مؤسسة التمويل الدولية طورت أداة EDGE لمساعدة مختلف الأطراف على تصميم مبان مستدامة بطريقة ذكية وعملية، توازن بين الكفاءة البيئية والعائد المالي. وتابعت: “EDGE يُظهر لك في خطوات واضحة كيف تبني مبنى أخضر بأقل تكلفة ممكنة، ويحسب لك وفورات الطاقة والمياه واختيار المواد، ويعطيك مؤشرات مالية مثل العائد على الاستثمار، ما يسهل عملية اتخاذ القرار لكل فئة بحسب أولوياتها”.
كل طرف يرى المشروع من زاوية مختلفة: المصمم يرى كفاءة التصميم، والمشغل يرى وفورات التشغيل، والمالك يركز على العائد الاستثماري، وشركات البناء ترى مدى التوفير في المواد، أما الجهات التمويلية فتتمكن من تقييم المخاطر والعوائد بوضوح، وفقا لما قالته الجارحي، مشيرة إلى اعتقاد البعض أن التحول نحو الاستدامة يتطلب تقنيات باهظة أو معقدة، “لكن الحقيقة أن أدوات مثل EDGE تجعل العملية بسيطة وواقعية”.
كما ينبغي الاستعداد المبكر للامتثال للمعايير البيئية، خاصة في ظل تزايد اشتراطات الدول والأسواق فيما يخص استدامة العقارات والصناعات، وفقا لما قالته الجارحي، مضيفة: “كل يوم تخرج لوائح جديدة تُلزم المطورين بشهادات بيئية معينة، وإذا لم نكن مستعدين من الآن، سنواجه تحديات ضخمة لاحقاً”. وبعض البنوك المصرية بدأت بالفعل في اعتماد أدوات التمويل الأخضر، وتقديم حلول تعتمد على تصنيف EDGE، ما يعكس اتجاها إيجابيا في السوق، حسبما أشارت الجارحي، داعية إلى مزيد من التوعية بهذه الأدوات التي لا تزال غير معروفة بالشكل الكافي، رغم قدرتها على تسهيل التمويل وتحقيق ربحية أكبر.
مثال على مشاريع البنية التحتية المستدامة واسعة النطاق: تدمج شركة أوراسكوم كونستراكشون، إحدى أكبر شركات المقاولات في المنطقة، الاستدامة في محفظة أعمالها العالمية المتنامية. إلى جانب عملياتها المحلية والإقليمية، تنشط الشركة في أسواق الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا، وتمتلك حصة تبلغ 50% في شركة بيسيكس، أكبر شركة مقاولات في بلجيكا، وتطبق الشركة العملاقة حلول الاستدامة في جميع مراحل تنفيذ المشاريع. وحصل المتحف المصري الكبير شهادة “إيدج” للمباني الخضراء من مؤسسة التمويل الدولية، ليصبح أول متحف في أفريقيا والشرق الأوسط يحصل على هذه الشهادة. وتشمل محفظة الاستدامة للشركة أيضا الطاقة الكهرومائية في جميع أنحاء المنطقة وقطار المونوريل الكهربائي بالكامل.