كل الطرق تؤدي إلى “القاهرة”. وصف نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية وزير الصناعة والنقل كامل الوزير أمس الطريق البري الجاري تنفيذه بطول 2600 كيلومتر بين مصر وتشاد بأنه محور استراتيجي سيفتح “آفاقا جديدة للتجارة البينية الإقليمية”، وفقا لبيان صادر عن الوزارة. ويربط الطريق المار عبر الصحراء الليبية دولة تشاد الحبيسة — بكل ما تمتلكه من فائض في الثروة الحيوانية — بالسوق المصرية المتعطشة للاستهلاك بسبب تعدادها السكاني، بل وأيضا بمجتمع الأعمال المصري الأكثر تعطشا للبحث عن فرص استثمارية جذابة.
يستمر العمل بالفعل على الجانب المصري من الطريق، حيث انتهت شركة المقاولون العرب المملوكة للدولة من تنفيذ 15% من قطاع الطريق البالغ طوله 370 كيلومترا بين شرق العوينات والحدود الليبية، بحسب الوزير. ومن المقرر أيضا أن تدرس المقاولون العرب الجزء البالغ طوله 390 كيلومترا من الطريق داخل الأراضي الليبية، فضلا عن توقيعها اتفاقيتين مع الحكومة التشادية لتنفيذ قطاعين بطول 1360 كيلومترا وصولا إلى العاصمة إنجامينا.
من المتوقع أن يمثل الطريق دفعة قوية للاقتصاد التشادي، إذ يمهد طريقا أسرع للوصول إلى البحر للدولة غير الساحلية. ويحمل عبور الصحراء الليبية إمكانية الربط الفعال للدولة الواقعة في وسط أفريقيا باقتصادات شمال أفريقيا، مما يتيح خيارات أخرى للاستيراد والتصدير والاستثمار خارج مصر أيضا.
كذلك يمنح هذا الطريق تشاد فرصة للاستفادة من مساحاتها الخضراء الوفيرة في الجنوب وإمكانات ثروتها الحيوانية. وقبل اكتمال الطريق — الذي قد يستغرق بعض الوقت — ينسق لاعبو القطاع الخاص المصري بالفعل لفتح مزارع للماشية ومجازر في البلاد، وفقا للوزير.
ويشكل التعاون في مجال الألبان والأجبان جزءا من الخطة أيضا، إذ ستستخدم الشركات المصرية هذا الطريق ليكون نقطة انطلاق من أجل إنشاء مصانع لتجهيز الألبان وإنتاج الجبن. وثمة إمكانية حقيقية لإضافة قيمة عبر الاستعانة بالخبرات المصرية لتطوير القدرات في تشاد من أجل تحويل الحليب إلى ألبان أطفال. وبالتأكيد حيث توجد الأبقار، توجد الجلود، مما قد يفتح بابا للتعاون في مجال الجلود المدبوغة وإنتاج المصنوعات الجلدية.
لا يتجاوز طريق مصر – تشاد البري كونه مجرد جزء من خطة أكبر ذات تداعيات أكثر أهمية. يتمثل السيناريو الأكثر تفاؤلا لهذه الخطة في منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التي تستهدف محاكاة الثقل الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، وهو ما يستلزم تنقلا فعالا وحرا للبضائع ورؤوس الأموال عبر القارة عبر الطرق والسكك الحديدية والروابط البحرية التي تربط كل دولة في القارة.
أُحرز تقدم على مستوى تأسيس البنية التحتية الإنشائية التي تربط الدول، ولكن بوتيرة أبطأ بكثير مما كان مخططا له. فمنذ عام 1971، أنجز مشروع شبكة الطرق السريعة عبر أفريقيا، الذي أطلقته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، نحو 20% فقط من شبكة الطرق المخطط لها بطول 57 ألف كيلومتر. وكان التصور يقول بأن تكون الطرق السريعة التسعة، التي تقطع القارة وتربط القاهرة في الشمال وصولا إلى كيب تاون في جنوب أفريقيا والعاصمة السنغالية دكار في أقصى غرب القارة، وسيلةً واضحةً لتعزيز التجارة وتخفيف حدة الفقر — ومن ثم فإن السؤال المطروح يقول: ماذا حدث؟
في الوقت الحالي، يُقال إن شحن حاوية من مدينة شنجهاي الصينية إلى مومباسا الكينية المُطلة على المحيط الهندي، أرخص وأسرع من نقل الحاوية نفسها من العاصمة الصومالية مقديشو — المطلة هي الأخرى على المحيط الهندي — إلى مومباسا. وتتشابه علاقة القاهرة بالعديد من الدول الأفريقية الأخرى مع هذه الصورة، إذ تفوق الواردات القادمة من خارج القارة نظيراتها الواردة من داخل أفريقيا بنسب كبيرة للغاية.
تعتمد 16 دولة فقط من أصل 52 دولة أفريقية على مصادر من داخل أفريقيا لتوفير أكثر من 0.5% من سلعها الوسيطة. وبرغم وجودها جميعا في نفس القارة، غالبا ما تكون الواردات من خارج أفريقيا أرخص، وهي حقيقة يسعى الاتحاد الأفريقي وبنك التنمية الأفريقي وجهات عديدة أخرى لتغييرها.
تمثل التجارة البينية الأفريقية نحو 15-18% من إجمالي التجارة، مقارنة بـ 68% داخل أوروبا، وفقا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد). أما آسيا، التي لديها تعقيداتها الجغرافية والسياسية الخاصة، فتستحوذ التجارة البينية القارية فيها على 59% من إجمالي التجارة.
وبالنظر إلى مصر تحديدا، نجد أن 2.2% فقط من إجمالي واردات البلاد في عام 2024 جاءت من دول الاتحاد الأفريقي، وتصدَّرها النحاس الوارد من جمهورية الكونغو الديمقراطية. وتشكل الصادرات إلى دول الاتحاد الأفريقي نسبة أكبر بكثير تبلغ 17.2%، ولكن يُعزى هذا في الغالب إلى الصادرات إلى دول الجوار في شمال أفريقيا، في المقابل تستحوذ الدول الأفريقية غير العربية على نحو 3% من إجمالي الصادرات.
ينبع جزء كبير من المشكلة من أعمال البنية التحتية في الحقبة الاستعمارية التي صممت من أجل الاستخراج وليس التكامل. فقد كانت الطرق والسكك الحديدية تمتد من المنجم إلى الميناء، أو من المزرعة إلى البحر، ولم تُصمم قط لربط العواصم الأفريقية ببعضها. وفي أعقاب نهاية الحكم الاستعماري، كانت الصورة الغالبة هي تشكُّل الطرق، التي تطورت بها اقتصادات الدول والمراكز الحضرية جغرافياً، بناءً على هذه البنية التحتية القائمة، وحدث ذلك بدرجات متفاوتة حسب كل دولة.
شكَّل البُعد الأمني — ولا يزال — عائقا أمام مشروعات الربط البيني، إذ منعت الحرب الأهلية في ليبيا حتى سنوات قليلة مضت أي مشروعات لوجستية واسعة النطاق في البلاد. كذلك شهدت دول أخرى عبر القارة صراعات أو تمر بها حاليا، مما يمنع بناء شبكات تجارية إضافية ويدفع شركات النقل للابتعاد بسبب عدم وجود طرق مؤمنة جيدا.
وكل هذا يأتي بتكلفة — فلم تتمكن القارة بعد من تأمين الدعم اللازم. يعتقد بنك التنمية الأفريقي أننا بحاجة إلى 130-170 مليار دولار سنويا لتمويل البنية التحتية، وتواجه القارة فجوة تمويلية تبلغ نحو 96 مليار دولار. ومن بين هذا الرقم الموجه إلى مشروعات البنية التحتية في المجمل، تشكل البنية اللوجستية جزءا كبيرا فيه. إذ تحتاج الطرق والموانئ والبنية التحتية اللوجستية الأخرى إلى ما يتراوح بين 35 مليار دولار، على أقل تقدير، و 47 مليار دولار، على أقصى حد، كل عام لتحقيق رؤية بنك التنمية من أجل منطقة أكثر ترابطا، وهو ما سيعزز بدوره قوة الاقتصاد.