تشهد صناعة الأسمنت في مصر تعافيا على مدار السنوات الأخيرة، وفي العام الأخير تحديدا بالتزامن مع تحسن نتائج أعمال الشركات على مستوى الأرباح. وفي العام الجاري، يتوقع العاملون في الصناعة تحسن الإنتاج والمبيعات المحلية والتصدير على خلفية ارتفاع متواتر في الطلب المدعوم بإلغاء الاشتراطات التخطيطية والبنائية الصادرة في عام 2021، والعودة للعمل في هذا الشأن وفقا لأحكام قانون البناء لعام 2008، والارتفاع المتوقع في الطلب. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تلعب مصر دورا رئيسيا في خطط إعادة الإعمار في بعض الدول العربية خلال الفترة المقبلة، والذي من المرجح أن يعزز من إنتاج الأسمنت المحلي.

المصانع لم تعمل قط بالطاقة القصوى: على الرغم من تجاوز القدرة الإنتاجية السنوية للأسمنت 90 مليون طن، لم يصل الإنتاج المحلي لطاقته القصوى على الإطلاق، إذ كانت مستويات الإنتاج تتجاوز 56 مليون طن حتى عام 2016، لكنها تراجعت إلى مستويات أقل بلغت أدناها في العام قبل الماضي عند 43 مليون طن تقريبا، وفق بيانات للبنك المركزي — اطلعت عليها إنتربرايز.

طفرة في الإنتاج: بنهاية العام الماضي، ارتفع إنتاج الأسمنت في مصر بنسبة 9.5% إلى 55.1 مليون طن مقابل نحو 50.3 مليون طن في العام السابق له بحسب بيانات حصلت عليها إنتربرايز من شركات أسمنت. إنتاج العام الماضي يأتي أعلى بنحو الربع من متوسط الإنتاج في السنوات الخمس بين 2019-2023 — الذي بلغ 44.6 مليون طن وفق حسابات إنتربرايز التي استندت إلى بيانات صادرة عن البنك المركزي.

الصادرات تقود الاتجاه -

كانت الصادرات الداعم الرئيسي لزيادة الإنتاج في السنوات الأخيرة، بحسب ما صرح به مصدر في إحدى شركات الأسمنت لإنتربرايز، قائلا: "الشركات كثفت جهودها التصديرية في الأعوام الثلاثة الأخيرة. كان ذلك بالتوازي مع تفاقم أزمة العملة الصعبة، خاصة وأن جزء كبير من الاستثمارات العاملة في الصناعة هي استثمارات أجنبية ترغب في الاحتفاظ بنقد دولاري قبل كل شيء". في العام الماضي فقط، صدرت الشركات نحو 19.7 مليون طن تقريبا من الأسمنت، أي بزيادة مقدارها 220% مقارنة بصادرات 2021 التي لم تتجاوز وقتها ستة ملايين طن فقط، وذلك بالتزامن مع التوسع في تصدير الأسمنت كمنتج نهائي.

أحجام التصدير فاقت المستهدف خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، حسبما قال مصدر بغرفة مواد البناء باتحاد الصناعات المصرية لإنتربرايز. والعام الماضي تحديدا كانت الخطة هي تصدير 15 مليون طن ارتفاعا من نحو 12 مليونا في 2023، لكنها تجاوزت ذلك بأكثر من 30% بفعل الطلب الجيد من دول بعينها في الجوار.

الإيرادات كانت أبطأ في الارتفاع: على الرغم من الطفرة التي شهدتها الصادرات — ارتفعت بأكثر من 220% على مدار الثلاث سنوات الماضية — كانت الإيرادات أكثر تواضعا، إذ ارتفعت بنسبة 96% فقط لتصل إلى 913 مليون دولار في عام 2024، من 465 مليون دولار في عام 2021، وفقا لبيانات المجلس التصديري لمواد البناء والتي اطلعت عليها إنتربرايز.

توقعات بنمو الطلب: قال العضو المنتدب لشركة مصر بني سويف للأسمنت فاروق مصطفى لإنتربرايز إنه يتوقع أن يواصل الطلب النمو هذا العام بما يتراوح بين 10-15% محليا ودوليا، مما يشير إلى استمرار انتعاش الصناعة. ومن المتوقع أن تلعب مشاريع إعادة الإعمار في دول الجوار دورا رئيسيا في ذلك، إذ يمكن أن تؤدي جهود إعادة الإعمار في ليبيا — أصبحت على أعتاب حركة تنمية أفضل في الفترة القريبة — وكذلك في العراق وغزة إلى تعزيز الطلب.

ما هي كمية الأسمنت المتوقعة؟ ليس واضحا تماما حتى الآن، ولكن منذ بداية عام 2025، تلقت مصانع الأسمنت بالفعل طلبات تصدير بلغ إجماليها 1.3 مليون طن من سوريا وليبيا والعراق، وفق ما قاله مصدر في أحد مصانع الأسمنت لإنتربرايز.

جاءت ليبيا وفلسطين في المرتبة الأولى والخامسة بقائمة أبرز وجهات تصدير الأسمنت المصري خلال العام الماضي. ونمت صادرات الأسمنت إلى ليبيا بأكثر من 70% على أساس سنوي لتسجل 150 مليون دولار، مقابل 87 مليون دولار في العام قبل الماضي، كما نمت الصادرات إلى فلسطين بنحو 57% إلى 48.5 مليون دولار مقابل 31 مليون دولار، وفق بيانات المجلس التصديري لمواد البناء. أيضا، أسواق أفريقيا من أبرز منافذ صادرات الأسمنت تأتي كلا من ساحل العاج وغانا في المرتبتين الثانية والثالثة على قائمة أبرز منافذ التصدير بعائدات بلغت العام الماضي 132 و123 مليون دولار على الترتيب.

الصادرات لإسرائيل تسجل أكبر نمو: العام الماضي، قفزت صادرات الأسمنت المصري إلى إسرائيل بأكثر من 16 مرة تقريبا، إذ سجلت ما قيمته 66.2 مليون دولار مقابل 3.8 مليون دولار في العام السابق له، بحسب بيان المجلس التصديري.

تعافي صناعة الأسمنت قد يستدعي إعادة النظر في اللوائح التنظيمية -

التغييرات التنظيمية التي تدعم الطلب: يأتي ذلك إلى جانب إعلان الحكومة مؤخرا عن اتخاذ إجراءات لتسهيل موافقات رخص البناء — تحديدا للأفراد التي تمثل قوة كبيرة في السوق — بعد سنوات طويلة من التحجيم، وذلك من خلال إلغاء الاشتراطات التخطيطية والبنائية الصادرة في عام 2021، والعودة للعمل في هذا الشأن وفقا لأحكام قانون البناء لعام 2008، بحسب مصطفى. وأضاف أن كل هذا سيدعم مسيرة تحسن الأرباح التي تشهدها استثمارات الصناعة في الآونة الأخيرة بالتزامن عمل المصانع بأسعار بيع محلية جيدة تتوافق مع التكاليف بعد سنوات متواصلة من الخسائر تسبب فيها تراجع الإنتاج وانخفاض الطاقات التشغيلية لمستويات متدنية أثرت على عوائد الاستثمار.

ارتفاع الأسعار يعزز من معنويات الصناعة: في العام الجاري، يبلغ أدنى سعر للأسمنت في مصر من أرض المصنع نحو 3200 جنيه للطن، بحسب ما قاله رئيس شعبة الأسمنت بغرفة الأسكندرية التجارية محمود مخيمر لإنتربرايز. هذه الأسعار تأتي مرتفعة بأكثر من 270% مقارنة بأسعار منتصف عام 2021، وفق مخيمر الذي قال إن المصانع اعتمدت في خططها للزيادات المتتالية لأسعار الأسمنت على قرار جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية الذي سمح لها بتقليص الإنتاج للسوق المحلي منذ يوليو 2021 قرار خفض الإنتاج الذي قيد عمليات تصنيع الأسمنت بعد هذا التاريخ لتقليص المعروض ودعم ارتفاع الأسعار لصالح المصانع، وكان القرار قد انتهى العام به بعد العمل به لثلاثة سنوات، لكن الجهاز مددالخفصلعام رابع في أكتوبر الماضي وهو ما يجب التراجع عنه مع زيادة الطلب لتجنب زيادة الأسعار عن متوسطاتها الحالية، بحسب مخيمر.

مطالب بالتراجع عن قرار حماية المنافسة: طالب مخيمر بضرورة التراجع عن قرار السماح بخفض الإنتاج لصالح المستهلك، خاصة وأنه مع الارتفاع المتواتر في الطلب سيدعم المصانع في اتخاذ قرارات جديدة بزيادة الأسعار من جديد، خاصة وأن قرار خفض الإنتاج يسري على الإنتاج المخصص للسوق المحلية فقط، وبالتالي فإن المصانع لديها فرصة إنتاجية أوسع لزيادة الصادرات على حساب السوق المحلية.

ارتفاع في الطلب يقابله ضعف في المعروض: قال أحد وكلاء مصانع الأسمنت لإنتربرايز، إن أسعار الأسمنت ترتفع في بعض الفترات إلى مستويات كبيرة إلى حد بعيدة عن حدود التكلفة منذ قرار خفض الإنتاج. ارتفع متوسط سعر الطن في العام الأول لتطبيق قرار الخفض إلى 1300 جنيه، ثم إلى 2000 جنيه في العام الثاني و3000 جنيه في العام الثالث، وفي بعض الأوقات كانت تصل الأسعار إلى مستويات قياسية فوق 3300 جنيه، وبلغت في نوفمبر من العام الماضي نحو 5000 جنيه جزئيا في محافظات كفر الشيخ والإسكندرية والبحيرة على خلفية ارتفاع معدلات البناء في هذه المناطق وقتها. الحصص أصبحت تتأخر بشكل واضح في الآونة الأخيرة، فبعد أن كان الوكلاء يحصلون على طلباتهم من المصانع خلال أقل من يوم واحد، أصبحت تستغرق أياما تصل في كثير من الأحيان إلى أسبوع، وهو ما يسبب ارتفاع الأسعار بشكل مبالغ فيه، بحسب الوكيل الذي فضل عدم ذكر اسمه.

قد تؤدي التغييرات الأخرى في السياسات إلى تعزيز القطاع أكثر من ذلك: أشار مصطفى إلى أهمية إلغاء أو تخفيض الضرائب على إنتاج الأسمنت المخصص للتصدير خاصة بعد إلغاء دعم الصادرات في برنامج رد الأعباء التصديرية الذي تعمل به الحكومة للعام المالي الجاري، وذلك لمنح المصانع قدرة تنافسية أكبر في الأسواق الخارجية والبيع بسعر التكلفة إن أمكن للاستحواذ على حصص أكبر في مواجهة الأسواق المنافسة لنا. إلغاء دعم صادرات الأسمنت خطوة استحسنها كثير من العاملين في القطاع التجاري، وقال أحد الوكلاء إن المصانع تصدر طن الأسمنت بـ 50 دولار على أقصى تقدير، في حين يتجاوز سعره محليا 3500 جنيه للمستهلكين.


أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع: تجري حاليا أعمال الإنشاءات في الطريق الرابط بين مصر وليبيا وتشاد بطول 1700 كيلو متر، بدءا من الجزء البالغ طوله 400 كيلومتر داخل الحدود المصرية، وفقا لبيان صادر عن وزارة النقل. كذلك وقعت مذكرة تفاهم بين شركة المقاولون العرب والحكومة الليبية لإجراء الدراسات والتصميمات المبدئية للجزء الليبي بطول 390 كيلومترا، ومذكرة مماثلة مع تشاد للجزء الرابط بينها وبين الجمهورية الليبية بطول 930 كيلومتر. ويجري حاليا إعداد دراسات الجدوى للأجزاء المتبقية.

العلامات: