لم تعد شهادات المباني الخضراء في مصر محض علامة تتزين بها الأبراج الإدارية والفنادق والمجمعات اللوجستية في مصر، بل باتت تساعد المطورين ومالكي الأصول على نحو متزايد في جعل هذه البنايات أكثر ملائمة مع متطلبات التمويل، وأكثر كفاءة، وأكثر وضوحا أمام رؤوس الأموال المؤسسية. وفي ظل ما يوليه المطورون والبنوك ومؤسسات التمويل التنموي من اهتمام أكبر على كفاءة الطاقة واستهلاك المياه والأداء التشغيلي طويل الأمد، بدأت شهادات مثل LEED و "EDGE" تتحول من مجرد ملصقات توضع على واجهات المباني، إلى لغة مشتركة تثبت استيفائها معايير استثمارية أكثر صرامة.

من منظور أوسع: تتعلق الشهادات الخضراء في جوهرها بأداء المبنى واستيفائه مجموعة من المعايير القياسية لإثبات ذلك. ويعني ذلك عادة قياس استهلاك الطاقة، وكفاءة المياه، والمواد المستخدمة، والأنظمة التي تتحكم في نفقات تشغيل المبنى وأثره على مستوى مراعاة المناخ بمرور الزمن، بدءا من التبريد والتدفئة ووصولا إلى الطاقة والنفايات والبنية التحتية الموفرة للمياه.

لماذا تهتم رؤوس الأموال؟

تكمن أهمية الشهادات الخضراء في قدرتها على جذب تمويلات قد لا تتوفر في غيابها. "عندما تتبنى المعايير الخضراء، فإنك تجذب قاعدة مستثمرين مختلفة. ثمة فئة من المستثمرين لا تضخ استثماراتها إلا في التمويل المسؤول أو المستدام، ولا يقبل هؤلاء على التمويل التقليدي"، وفق ما قال هاشم عبد الحكيم، نائب رئيس مكتب مصر ورئيس المؤسسات المالية في مصر لمنطقة جنوب وشرق المتوسط بالبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في تعليقه لإنتربرايز.

ويتجلى هذا المفهوم فعليا في الطريقة التي تمول بها المشروعات. إذ يقول محمد عامر، الرئيس التنفيذي لمدينة الجونة، إحدى مدن أوراسكوم للتنمية، إن الاستدامة كانت "متجذرة في عملياتتنا بالفعل، لكن خطة حصول فنادقنا على شهادة "EDGE" أسهمت بدور تمكيني مهم في حصول أوراسكوم للتنمية مصر على قرض مرتبط بالاستدامة بقيمة 155 مليون دولار من مؤسسة التمويل الدولية، لأنها قدمت معايير قياسية عالمية معترف بها في كفاءة الطاقة والمياه يمكن للمؤسسات المالية تقييمها بثقة، وذلك خلال حديثه إلى إنتربرايز. وأضاف أن القرض جاء "بشروط سداد وأسعار فائدة تفضيلية"، بما في ذلك فترة سماح مدتها عامين ونصف ضمن أجل سداد مدته 8.5 سنوات، وجرى تأمين هذا القرض "بتكلفة فائدة أقل من تمويلنا السابق".

ولا تقتصر القيمة بالنسبة للمطورين على التمويل الأرخص فحسب. فقد أصبحت هذه الشهادات "نقطة مرجعية مهمة لرؤوس الأموال الدولية"؛ نظرا إلى أن "الامتثال للمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة أصبح جزءا قياسيا من عملية الفحص النافي للجهالة، التي تجريها المؤسسات، بالإضافة إلى أن الأصول المعتمدة تسمح بالشفافية وتوفر أداء قابلا للقياس ومخاطر أقل في مرحلة التحول"، بحسب عامر. ويساعد هذا في تعزيز "التنافسية والسيولة وشهية المشترين، لا سيما في محافظ قطاع الضيافة".

بدأت البنوك أيضا في التعامل مع هذه النوعية من الأصول الحاصلة على الاعتمادات البيئية، على أنها فرص استدامة بوضعية أفضل، حتى إن لم تكن الشهادات وصلت بعد إلى المرحلة التي تجعلها سببا في التأثير على قرارات الائتمان الأساسية. يقول بنك أبو ظبي التجاري - مصر إن الأصول الحاصلة على اعتماد البنايات الخضراء "قد تظهر وضعا أقوى من ناحية المخاطر بسبب الكفاءة التشغيلية والجاهزية للتحول"، وفي الوقت ذاته تدعم التوافق مع "متطلبات التمويل المرتبط بالاستدامة وتوقعات الأطراف المعنية الدولية"، وذلك في تعليقه لإنتربرايز. و"لا يتعلق الأمر حصرا بانخفاض مخاطر الائتمان"، بل بانخفاض المخاطر المرتبطة بالاستدامة والمناخ، بحسب عبد الحكيم. وأشار بنك أبو ظبي التجاري - مصر إلى نقطة مماثلة، قائلا إن كفاءة الطاقة تساعد في تعزيز "مرونة التدفقات النقدية"، في حين يحسن التوافق مع الاستدامة "الجاهزية للتحول طويل الأمد وإدارة المخاطر المرتبطة بالسمعة المؤسسية".

كيف يترجم هذا على أرض الواقع؟

تتجلى ملامح هذا التوجه على أرض الواقع من خلال برنامج تحديث الفنادق التابع لأوراسكوم للتنمية؛ إذ يوضح عامر أن الوصول إلى تمويلات مؤسسة التمويل الدولية ساعد الشركة على تسريع "التحديثات على مستوى الطاقة والنفقات الرأسمالية" في مختلف فنادقها في الجونة، من أجل استيفاء كافة الشروط اللازمة للحصول على الشهادات. وركزت هذه التحديثات على "تركيب المضخات الحرارية، وتوسيع أنظمة التسخين الشمسي، وإدخال حلول ذكية لإدارة الطاقة، وتطبيق تقنيات متقدمة لتوفير المياه".

"الالتزام بشهادة "EDGE" لم يستحدث فلسفة جديدة لدينا، بل قدم إطارا منظما ومعترفا به دوليا يدعم ويوثق ما كنا نطبقه بالفعل"، وفقا لعامر. ففي حين أن هذه المدينة الساحلية قد أصبحت بالفعل أول مدينة في الشرق الأوسط تحصل على الجائزة العالمية للمدينة الخضراء من الأمم المتحدة، وحصلت كذلك على شهادة "Green Globe" منذ عام 2014، فضلا عن إظهار مستويات مبهرة في استخدام الطاقة المتجددة وإعادة تدوير المياه، فإن الوصول للتمويلات ساعد الجونة على "تسريع برنامج تجديدات الطاقة والنفقات الرأسمالية"، حسبما أضاف.

وينطبق نفس المفهوم خارج قطاع الضيافة. فقد صُمم مصنع "بيكو" في مصر ليلبي المعايير الخاصة بشهادة "LEED" الذهبية، مع بناء أنظمة إدارة النفايات والطاقة لتتوافق مع متطلبات الشهادة، وهو مثال آخر على الطريقة التي بدأت من خلالها معايير البناء الأخضر في تشكيل التجهيزات الفنية الفعلية للأصول الصناعية والتجارية.

ويظهر هذا التحول بالفعل عبر قطاعات المكاتب والخدمات اللوجستية والصناعة والضيافة والتمويل. على سبيل المثال، حصل مشروع "باراجون 2" في الحي المالي بالعاصمة الإدارية الجديدة على شهادة "Leed" الذهبية قبل أن يدخل المطور في محادثات متقدمة للحصول على تمويل أخضر بقيمة 400 مليون جنيه. وفي الوقت نفسه، حصل بنك أبو ظبي التجاري - مصر مؤخرا على شهادة "EDGE" لمقره الرئيسي في القاهرة الجديدة و11 فرعا آخر، وهو ما يشكل 20% من شبكة فروع البنك على مستوى الجمهورية.

ويتكرر نفس النمط في الأصول الصناعية واللوجستية. فقد حصل مجمع "ينمو إيست" اللوجستي — وهو مشروع مشترك بين حسن علام للمرافق وشركة أجيليتي الكويتية للمجمعات اللوجستية — على شهادة "EDGE Advanced" لمستودعاته. في حين صُمم مصنع شركة بيكو في مصر ليتوافق مع معايير شهادة "LEED" الذهبية.

وبدأت المباني الحاصلة على اعتماد المباني الخضراء في الارتباط بشكل مباشر بتدفقات التمويل؛ إذ تخطط مؤسسة التمويل الدولية لتقديم قرض مستدام بقيمة 150 مليون دولار لبنك مصر، مع تخصيص 30% منه تحديدا لتمويل المباني الخضراء، وهو ما يمثل إشارة أخرى على أن الشهادات ومعايير البناء الأخضر أصبحت أكثر صلة بكيفية تخصيص رؤوس الأموال في السوق المحلية.

لماذا لم تصبح هذه المعايير هي السائدة بعد؟

رغم هذا الزخم، لم نصل بعد إلى المرحلة التي يكون فيها الحصول على شهادات المباني الخضراء هو المعيار العام في مصر. ويوضح بنك أبو ظبي التجاري - مصر أن أبرز العقبات تشمل "المحدودية في إتاحة بيانات الاستدامة، وتفاوت مستويات الوعي لدى العملاء، وتكاليف الحصول على الشهادات والتنفيذ الفني في قطاعات معينة، فضلا عن الحاجة إلى جاهزية أوسع للسوق عبر كامل سلسلة القيمة". يعني هذا أن المباني المعتمدة تكتسب أهمية متزايدة، لكنها تظل محصورة بشكل أساسي في الأصول الكبرى ذات التوجه المؤسسي. وفي الوقت الحالي، تظل الشهادات الخضراء بمثابة ميزة تنافسية، وليست معيارا افتراضيا. غير أن اتجاه البوصلة يبدو واضحا؛ نظرا إلى أن الجهات المقرضة ومؤسسات التمويل التنموي وكبار المطورين صاروا يمنحون وزنا أكبر لعوامل الكفاءة والمرونة والجاهزية للمناخ.