استقبل سوق العقارات المصري عام 2026 بحالة من الهدوء مقارنة بالزخم الكبير الذي شهده خلال العامين الماضيين. وبدأ القطاع في العودة إلى مستوياته الطبيعية بالفعل خلال 2025، مع تراجع وتيرة المبيعات رغم حفاظ المطورين العقاريين إلى حد كبير على استقرار الأسعار، وفقا للتقرير السنوي (بي دي إف) الصادر عن شركة ذا بورد كونسالتينج المتخصصة في استشارات السوق. يمنحنا هذا التقرير رؤية أوضح لوضع السوق قبل أن تلقي حرب إيران بظلالها وتضيف ضغوطا جديدة على التكاليف، وهو ما دفع بعض أطراف الصناعة للتحذير في وقت سابق من هذا الشهر من أن الصراع قد يقفز بالأسعار بنسبة تصل إلى 20%.

انعكست حالة الهدوء هذه انعكاسا جليا على أرقام المبيعات خلال العام؛ إذ سجل أكبر 20 مطورا عقاريا في البلاد مبيعات تعاقدية بنحو 1.6 تريليون جنيه في 2025، بنمو 10% على أساس سنوي، رغم تراجع أحجام المبيعات بنسبة 7% لتسجل نحو 68 ألف وحدة، في حين ارتفع متوسط سعر الوحدة بنسبة 3% فقط. بعبارة أخرى، نجح المطورون في زيادة مبيعاتهم من حيث القيمة، ولكن مع بيع عدد أقل من الوحدات في هذه السوق، التي فقدت بكل وضوح كثيرا من زخم الطلب بغرض المضاربة.

وحافظ المطورون على استقرار الأسعار من خلال الاعتماد على خطط السداد. إذ لم تتراجع الأسعار في 2025 رغم هدوء المبيعات، وفقا لتقرير ذا بورد كونسالتينج، الذي أوضح أن المطورين حافظوا على بقاء الأسعار في متناول العملاء من خلال "تمديد فترات السداد وإجراء تعديلات مدروسة لصافي القيمة الحالية" بدلا من اللجوء لتخفيضات مباشرة في الأسعار. ومن المرجح أن يستمر هذا التوجه خلال العام الجاري، إذ قال أحمد أهاب، الرئيس التنفيذي لشركة مدار للتطوير العقاري، في تصريحات لإنتربرايز إن شركته تتوقع بقاء خطط السداد مستقرة بشكل عام، مع إمكانية إبداء مرونة إضافية في بعض المشاريع المحددة إذا استمرت ضغوط التكاليف.

كان التحول الأكبر في شريحة المشترين. إذ إن إحدى أوضح الإشارات في التقرير هي التراجع الحاد في الطلب بغرض المضاربة. وتقول الشركة إن "الدافع الاستثماري تراجع في 2025"، فقد انخفضت نسبة العملاء الذين يشترون بغرض الاستثمار في المقام الأول من 55% في 2024، إلى "أقل من 20% في 2025". وتربط الشركة هذا التحول بالحقيقة التي تفيد بأن "القفزات السعرية اختفت تقريبا بالكامل"، مما أضعف الجدوى الاستثمارية قصيرة الأجل، التي كانت محركا أساسيا للسوق في عامي 2023 و2024. وبدلا من ذلك، ظهرت خطط سداد أطول، وخصومات نقدية كبيرة، جنبا إلى جنب مع تقليص المساحات المبنية. ومع ذلك، يرى أهاب أن بعض المشترين قد يتحركون مبكرا لاقتناص الأسعار الحالية إذا بدأ انعكاس موجة التوترات الإقليمية الحالية بشكل أوضح على التكاليف خلال 2026.

كبار المطورين يعززون صدارتهم: سجلت أكبر 10 شركات تطوير عقاري مبيعات بقيمة 1.3 تريليون جنيه العام الماضي، بنمو 12% مقارنة بعام 2024، في حين وصلت مبيعات أكبر 20 شركة إلى 1.6 تريليون جنيه، وبلغت مبيعات أكبر 30 شركة 1.7 تريليون جنيه. واستحوذت قائمة الـ 10 الكبار وحدها على قرابة ثلاثة أرباع القيمة الإجمالية لمبيعات الـ 30 شركة، وهو ما وصفته ذا بورد كونسالتينج بأنه كما لو أن "السمك الكبير لم يعد يأكل السمك الصغير، بل أصبح يأكل السمك المتوسط". بعبارة أخرى، يبدو أن هدوء السوق صب في مصلحة المطورين أصحاب العلامات التجارية الأقوى، ومحافظ الأراضي الأوسع، الذين يمتلكون مساحة أكبر لهيكلة الأسعار وشروط السداد.

طلعت مصطفى وبالم هيلز وإعمار في الصدارة: حافظت مجموعة طلعت مصطفى القابضة على المركز الأول بمبيعات تعاقدية بلغت 382.2 مليار جنيه العام الماضي، تليها بالم هيلز بـ 207 مليارات جنيه، ثم إعمار بـ 179 مليار جنيه، وفقا للتقرير. وجاءت ماونتن فيو في المرتبة التالية بـ 104 مليارات جنيه، ثم هايد بارك وفاوندرز بـ 87.3 مليار جنيه، ومدن بـ 79.0 مليار جنيه، وسيتي إيدج بـ 61.3 مليار جنيه، ولافيستا بـ 55.2 مليار جنيه، ومدينة مصر بـ 52.1 مليار جنيه. وتشير شركة بحوث السوق إلى أن الأداء تباين بشدة بين شركات الفئة الأولى، إذ حقق بعض المطورين مكاسب قوية، في حين تراجع أو تباطأ أداء البعض الآخر، مضيفة أنه "لا يزال من المبكر جدا الحكم" على أداء السوق بأكمله لهذا العام.

حركة تصحيح، وليست انهيارا. يوضح التقرير أن "كافة المؤشرات تدل على أن قطاع العقارات في مصر يدخل مرحلة من العودة إلى مستوياته الطبيعية"، مضيفا أن "هذه ليست فقاعة، بل حركة تصحيح للسوق". وترى ذا بورد كونسالتينج أن المشترين أصبحوا أكثر حذرا، في حين أدت سنوات من الطروحات الفاخرة إلى تخمة في المعروض من الإسكان الفاخر بالسوق، في وقت لم تواكب فيه القدرة الشرائية هذا التوسع.

ظهور المخاطر الجديدة غير مستبعد: تقول شركة الاستشارات إن حرب إيران الحالية باتت "المحدد الأكبر لأداء كافة الأسواق في 2026"، محذرة من أن الموجة الجديدة من التقلبات الإقليمية بدأت تتسرب بالفعل إلى التكاليف المحلية. وفي المقابل، يرى أهاب أن أي ضغوط سعرية ناتجة عن ذلك ستكون تدريجية وليست مفاجئة، وأن زيادة الأسعار بنسبة 20% ستكون في الحد الأقصى، مع ترجيح تركز أي زيادات في الطروحات الجديدة أو الوحدات الفاخرة، بحسب تصريحاته لإنتربرايز.

الخطوة التالية مرهونة بمدة استمرار الصدمة: يقول أهاب إن بعض المشترين قد يتحركون مبكرا لتثبيت الأسعار الحالية قبل إقرار أي زيادات جديدة، لا سيما إذا بدأ المطورون في إعادة تسعير الطروحات الجديدة. لكن العامل الحاسم الأكبر هنا هو المدة الزمنية؛ نظرا إلى أن النهاية السريعة للحرب قد تعيد الطلب المؤجل إلى السوق، بينما سيؤدي إطالة أمد الصراع إلى تعميق ضغوط التكاليف، ووضع جداول التسليم تحت ضغوط أشد، ودفع القطاع بأكمله نحو اتخاذ قرارات تسعيرية صعبة.