هل تتراجع مصر في سباق البنية التحتية للاتصالات؟ لم ينعكس ارتفاع استهلاك البيانات والدفع نحو التحول الرقمي حتى الآن على ثقة المستثمرين، إذ لا تزال اللوائح التنظيمية والمشكلات المتعلقة بنشر الشبكات تشكل عقبات أمام نمو قطاع الاتصالات، وفقا لأحدث تقرير صادر عن الجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول (GSMA) بعنوان "إطلاق العنان للاستثمار في قطاع شبكات الاتصالات بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" (بي دي إف).
العائدات المالية لا تواكب الطلب المتزايد على البيانات: يقود النمو المشهود في الخدمات الرقمية طفرة في استخدام البيانات، لكن متوسط العائدات لكل مستخدم لا يزال منخفضا، وفقا للتقرير. ومن المرجح أن تصعب العائدات الضعيفة على المشغلين تبرير استقدام استثمارات جديدة دون وجود مسار أوضح لتحقيق الربحية.
لم نصل بعد إلى البيئة التنظيمية المثالية: يرى التقرير أن إطار العمل الخاص باستصدار تراخيص الاتصالات في مصر يُصنف ضمن الأقل جاذبية في المنطقة، لا سيما مقارنة بأسواق الخليج. وتشمل بعض القضايا الهيكلية الرئيسية ما يلي:
#1- التراخيص قصيرة الأجل: تواجه شركات الاتصالات قصر فترات الترخيص،إذ ينبغي للسلطات "توفير ترخيص بفترات أطول لضمان الثقة الاستثمارية وإدراج فرضية استمرارية الترخيص"، وتحديث إطار عمل التراخيص تدريجيا، وفتح الباب أمام التراخيص المحايدة من الناحية التقنية، وفق التقرير.
#2- غياب البيئة المواتية: تطالب الجمعية الحكومة بتشجيع تبني التقنيات الرقمية في مختلف القطاعات والتطبيقات في نطاق تقديم الخدمات العامة، من أجل تحفيز طلب المواطنين على الحلول الإلكترونية الحكومية". ويجب أيضا على الحكومات خلق بيئة مناسبة للشراكات بين شركات الاتصالات وشركات التكنولوجيا المالية.
#3- غياب إطار عمل لمشاركة البنية التحتية: يتسبب غياب الجوانب التنظيمية التي تتعلق بمشاركة البنية التحتية في رفع تكاليف نشر الشبكات، فضلا عن تأخير التوسع في المناطق المحرومة من الخدمات.
#4- الإطار التنظيمي: يسلط التقرير الضوء على الحاجة إلى تقليل التدخل التنظيمي، إذ إن الأسواق التنافسية التي تقدم عروضا تجارية مختلفة ومعلومات تتيح للمستهلكين اتخاذ خيارات مستنيرة هي الأجدر على تقديم خدمات شبكات المحمول ذات الجودة.
#5- العبء الضريبي: يوصي التقرير بضرورة خضوع قطاع الاتصالات لـنظام ضريبي موسع بدلا من فرض رسوم خاصة بالقطاع. إذ تحتاج البلاد إلى بذل المزيد من الجهود لتحسين الرسوم المفروضة على المشغلين استنادا إلى الإيرادات، وكذلك تحسين الضرائب المفروضة على المستهلكين، وفقا للتقرير.
الخليج في الصدارة على مستوى اللوائح التنظيمية المواتية للمستثمرين: تتصدر الإمارات والسعودية وعمان وقطر المنطقة من حيث جاذبية الاستثمار في قطاع الاتصالات، بفضل التراخيص طويلة الأجل، وسياسات الوصول المفتوح لشبكات الألياف الضوئية، والأطر التنظيمية الأكثر مرونة. وفي المقابل، لا تتفوق مصر سوى على عدد قليل من نظيراتها في شمال أفريقيا، لكنها لا تزال متأخرة عن الركب في مجال الشمول المالي.
لسنا في أفضل وضع على صعيد المؤشرات الإقليمية: تقترب مصر من تذيل القائمة من ناحية تبني المدفوعات الرقمية بين بلاد المنطقة، وفقا للتقرير. برغم اتساع قاعدة المستهلكين لديها، فهي تتخلف عن جيرانها في دول مجلس التعاون الخليجي والمغرب والأردن والعراق.
وتدعو الجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول إلى إصلاحات تنظيمية لإطلاق العنان أمام الاستثمار في قطاع الاتصالات في مصر. وتوصي أيضا بتمديد فترات التراخيص وتبسيط الرسوم في هذا القطاع، بالإضافة إلى مطالبة الجهات التنظيمية بتسهيل نشر شبكات الألياف الضوئية من خلال إطار واضح لحقوق مرور هذه الشبكات، وتمكين مشاركة البنية التحتية، ورفع القيود المفروضة على استخدام الطيف الترددي، وتبني الحياد التكنولوجي، وتعميق التعاون مع شركات التكنولوجيا المالية لتعزيز المدفوعات الرقمية والشمول المالي.
تخصص الحكومة حصة أصغر بكثير من ميزانية العام المالي المقبل لقطاعي الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات — مع أن القطاعين هما الأسرع نموا بين قطاعات الاقتصاد. سيحصل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على 13 مليار جنيه من الاستثمارات العامة خلال العام المالي 2025-2026، انخفاضا من 85 مليار جنيه هذا العام. سيستمر الإنفاق في إعطاء الأولوية للبنية التحتية للاتصالات، والتحول الرقمي، ومبادرات المهارات الرقمية وبناء القدرات، وتوطين صناعة تكنولوجيا المعلومات، وتحسين الأمن السيبراني، وتنمية صادرات خدمات التعهيد والاستشارات.
شركات الاتصالات ترسي قواعد التوسع: من المقرر أن تستثمر إي آند مصر ما يصل إلى 18 مليار جنيه هذا العام ضمن استراتيجيتها لتوسيع الخدمات وتقوية شبكتها، حسبما صرح به الرئيس التنفيذي للقطاع المؤسسي بالشركة حسام المعداوي خلال مؤتمر صحفي في وقت سابق من هذا العام. وتستعد فودافون أيضا لاستثمار أكثر من 10 مليارات جنيه في عام 2025، مع التركيز على توسيع شبكة أبراج الاتصالات الخاصة بها. وفي غضون ذلك، تهدف شركة أورانج إلى زيادة إنفاقها على البنية التحتية بنسبة 50% على أساس سنوي ليصل إلى 15 مليار جنيه
بدء تشغيل خدمات الجيل الخامس: أطلقت شركات المحمول في البلاد خدمات الجيل الخامس الأسبوع الماضي.
شهد القطاع نموا كبيرا على مدى العقد الماضي، مدعوما بالاستثمار المتواصل في البنية التحتية للشبكات، وتوسيع نطاق الخدمات لتصل إلى ملايين المستخدمين. وقد ضخ مشغلو شبكات المحمول نحو 2.7 مليار دولار من أجل الحصول على الترددات والتراخيص منذ عام 2019، مما "يعكس ثقة المستثمرين المحليين والدوليين فى رؤية مصر الرقمية"، حسبما صرح وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عمرو طلعت في مايو. وأضاف آنذاك أن الوزارة كانت تنسق مع هذه الشركات بشأن الطرح التدريجي لخدمات الجيل الخامس، مع إعطاء الأولوية للمدن الكبرى والطرق السريعة الرئيسية والمناطق الاقتصادية الاستراتيجية من أجل الاستفادة من إمكانات التكنولوجيا في التنمية وتعزيز القدرة التنافسية العالمية لمصر.