كان 2025 عاما صاخبا لقطاع اللوجستيات، لكنه دفع القطاع أيضا للتحول من مجرد تحصيل الرسوم من قناة السويس إلى استغلال أصول شبكة لوجستية حقيقية. دخلنا العام على أمل تعافي القناة، لكن بدلا من الانتظار، تكيّف السوق وحوّل أنظاره صوب عام 2026 ومجالات أخرى في القطاع.
بينما تعثرت القناة.. انطلقت شبكة الموانئ الأوسع نطاقا
برزت منطقة شرق بورسعيد كنجم عالمي، إذ احتلت المرتبة الثالثة عالميا في مؤشر أداء موانئ الحاويات التابع للبنك الدولي. وتحولت هذه الكفاءة إلى استثمارات ملموسة عبر مشاريع جديدة، شملت توسعات جديدة بقيمة 500 مليون دولار نفذتها ميرسك، ومحطة للدحرجة بقيمة 159 مليون دولار، ومحطة متعددة الأغراض بقيمة 65 مليون دولار.
أما بالنسبة للقناة، فقد كان العام المالي بمثابة درس نموذجي في التراجع. انخفضت الإيرادات بنسبة 45.5% لتصل إلى 3.6 ملياردولار خلال فترة الـ 12 شهرا المنتهية في يونيو، مع تراجع الحمولة الصافية إلى النصف وانخفاض عدد السفن العابرة بنسبة 38.5%. ولكن، بين يوليو وأوائل ديسمبر، بدأت ملامح التعافي تتشكل، إذ ارتفعت الإيرادات بنسبة 17.5% على أساس سنوي لتصل إلى ملياري دولار، مع زيادة طفيفة في حركة المرور قدرها 5.2%.
لماذا هذا التحول؟ الأمر لا يتعلق بالمعنويات — بل برسوم التأمين. تراجعت رسوم التغطية التأمينية ضد مخاطر الحرب للسفن التي تخاطر بعبور البحر الأحمر يعد سببا آخر للتفاؤل، إذ انخفضت الرسوم بنحو 70% مقارنة بالرقم المسجل في منتصف عام 2024. هذا الانخفاض قد يغير حسابات المديرين الماليين لشركات الشحن، مما يجعل مسار البحر الأحمر مجديا اقتصاديا مرة أخرى لأول مرة منذ أشهر.
السؤال الذي يطرحه الجميع الآن: ما مدى جدية السفن في العودة إلى البحر الأحمر؟ بدأت شركات الشحن العملاقة في العودة على استحياء إلى الممر المائي هذا الشهر؛ إذ أعادت شركة “سي إم أيه – سي جي إم” الفرنسية توجيه مسار خدمتها الملاحية “إنداميكس”— التي تربط الهند والساحل الشرقي الأمريكي — نحو عبور البحر الأحمر مجددا، كما عبرت سفينة تابعة لشركة “ميرسك” مضيق باب المندب لأول مرة منذ عامين.
الطروحات تتسارع أخيرا.. والأمر يتجاوز مجرد مناقصة واحدة
بعد سنوات من التكهنات، انتقلت الدولة من التنظير إلى التنفيذ في ملف إدارة المطارات. وبينما تتصدر مناقصة مطار الغردقة الدولي العناوين، فإن القصة الحقيقية تكمن في سابقة السياسة التي يرسخها. ومع تقديم مؤسسة التمويل الدولية المشورة بشأن برنامج يشمل 11 مطارا، تقوم الحكومة فعليا ببناء فئة أصول جديدة للمشغلين من القطاع الخاص. ويستعد رأس المال المحلي بالفعل لهذا التحول، وهو ما بدا واضحا في تشكيل نجيب ساويرس تحالف مع شركاء إيطاليين للمنافسة على مطار الغردقة، مع استهداف المناقصات المستقبلية في الأقصر وسوهاج.
القيمة المضافة تحل محل التخزين كنموذج لوجستي مهيمن
يشير إطلاق نموذج جديد للمستودعات الجمركية إلى التحول من مجرد التخزين البسيط نحو التوزيع المعقد. ويعد إنشاء شركة ترانس كارجو إنترناشونال لأول مركز توزيع مرخص جمركيا داخل ميناء الأدبية هو النموذج الأولي لهذا التحول، مع وعود برفع إعادة التصدير بنسبة 20%. هذه التجربة ليست الوحيدة، إذ استثمرت شركة “دي إتش إل إكسبريس” نحو 24 مليون يورو لإنشاء أكبر مركز توزيع لها في البلاد، مما يؤكد أن الشركات العالمية تراهن على عمل مصر كـ “مركز إقليمي للتوزيع”، وليس مجرد سوق نهائية.
التحول الكبير في الشحن يتعلق بالبرمجيات، وليس فقط المعدات
لطالما كان الحديث عن الشحن عبر السكك الحديدية يتركز على مد الخطوط، لكن عام 2025 شهد تحول النقاش نحو الموثوقية والخدمة. إن توجه الحكومة لزيادة القدرة الاستيعابية بنسبة 63% من خلال تحديث واسع للمعدات، بما في ذلك المشروع المشترك بين الهيئة القومية لسكك حديد مصر وشركة سالشيف الإيطالية لتجديد 300 كيلومتر من خطوط السكك الحديدية سنويا، وبرنامج شركة بروجريس رايل لتحديث أسطول الهيئة.
ولكن نقطة التحول الحقيقية كانت دخول مشغلين من القطاع الخاص مثل “جي ثري أيه” و”ترانسمار“، اللتين أطلقتا أول خدمة شحن سككي ثابتة المواعيد. وتحول التحدي الذي يواجهه القطاع الآن من “هل يمكننا نقلها؟” إلى “هل يمكننا نقلها في الموعد المحدد؟” في ظل سعي المشغلين للحد من اعتماد السوق على النقل البري.
شبكة ممرات متكاملة حقيقية
لم يعد التقدم يقاس بالمشاريع المنعزلة، بل بالترابط بينها. فمن بين سبعة ممرات لوجستية محددة، شهدت خمسة منها تحركات ملموسة هذا العام، لتربط مراكز الإنتاج بمنافذ التصدير.
أثر هذه الشبكة يظهر جليا على جميع الأصعدة؛ بدءا من استثمارات شركة ألستوم على طول خطي “السخنة – الإسكندرية” و” القاهرة – الإسكندرية “، إلى قيام هيئة الموانئ الجافة بتخصيص أراضٍ على خط “العريش – طابا”. وحتى في المناطق الناشئة مثل “جرجوب – السلوم” و”سفاجا – قنا”، فإن الوصول المتزامن لاستثمارات المحطات وشركات الخدمات اللوجستية الخاصة مثل “بيت اللوجستيات” يشير إلى أن الدولة نجحت في الترويج لمفهوم الممرات للمستثمرين، حتى وإن ظلت خطوط “القاهرة – أسوان” و”طنطا – المنصورة” هي الأبطأ في النظام.
وتشير التوقعات إلى انتعاش في عام 2026. يدخل القطاع العام الجديد بخارطة طريق واضحة. هيئة قناة السويس متفائلة، إذ تتوقع تحقيق إيرادات قدرها 8 مليارات دولار في العام المالي 2026-2027، بينما يشير إصدار خريطة استثمارية شاملة لجميع الموانئ المصرية العام المقبل إلى جهد منسق لترويج هذه الأصول عالميا. ويتفق المطلعون في الصناعة على أن الربع الأول من عام 2026 سيشكل نقطة تحول، حيث من المرجح أن يؤدي انخفاض رسوم التغطية التأمينية وتراجع حدة التوترات الإقليمية والقدرات الاستيعابية الجديدة، إلى انتعاش حركة الملاحة.