تجتمع لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي المصري غدا للنظر في أسعار الفائدة، لكن الرسالة وصلت بالفعل إلى القطاع العقاري. فبعد دورة تشديد نقدي بلغت ذروتها في عام 2024، دخل السوق حاليا مرحلة تيسير مستدام. ومع خفض أسعار الفائدة بمقدار 725 نقطة أساس بالفعل خلال عام 2025، يعكف القطاع حاليا على دراسة الكيفية التي ستغير بها القروض الأرخص بشكل جوهري طريقة بيع العقار وتمويله والاحتفاظ به في مصر.
أول تأثير مباشر لدورة خفض الفائدة ظهر في تكلفة الاقتراض. لسنوات، كان سوق التمويل العقاري في مصر مشلولا فعليا بسبب أسعار الفائدة المرتفعة التي جعلت الاقتراض التقليدي أمرا مستحيلا لغالبية الأسر. لكن عندما تنخفض أسعار الفائدة، تصبح القروض البنكية أرخص، حسبما أوضح معتز شعراوي الرئيس التنفيذي ونائب رئيس مجلس إدارة مجموعة أبتاون 6 أكتوبر في تصريحات لإنتربرايز، مما يعني أن أولئك الذين كانوا ينتظرون أو غير قادرين على الشراء بسبب الأقساط المرتفعة سيجدون الأمر الآن أسهل وأكثر قدرة على تحمل التكاليف.
خفض الفائدة يحول الطلب المؤجل إلى طلب فعلي، حسبما يرى أمجد حسنين نائب رئيس مجلس إدارة شركة التعمير والإسكان العقارية، والذي أضاف في حديثه مع إنتربرايز أنه عندما تنخفض أسعار الفائدة، يتقلص عبء الفائدة الإجمالي على مدى 10 أو 15 عاما بشكل كبير، مما يعني أن “كل خفض بنسبة 1% في الفائدة يتبعه اتساع ملموس في قاعدة العملاء المؤهلين للحصول على قروض طويلة الأجل”، واصفا أسعار الفائدة بأنها “المحرك الأكبر للقدرة الشرائية في السوق العقاري”.
العقارات تحل محل الشهادات كوعاء استثماري مفضل
على مدار العامين الماضيين، شكل العقار المصري أداة تحوط دفاعية ضد تقلبات العملة. لكن الآن، ومع انخفاض أسعار الفائدة على الشهادات البنكية من مستويات تخطت 25% إلى “منتصف العشرات”، تبحث تريليونات الجنيهات من الشهادات المستحقة الأجل عن ملاذ جديد.
“عندما تتراجع الفائدة البنكية، يبحث الأفراد عن أداة أخرى للادخار أو حتى الاستثمار ولكن بعائد أعلى. العقار مخزن للقيمة كما يدر عائد إيجاري، هذا ما يجعله أكثر جاذبية لدى الأفراد”، بحسب شعراوي.
انخفاض أسعار الفائدة لا يقلل تكلفة القرض فحسب — بل يشير إلى انتقالنا من اقتصاد الادخار إلى اقتصاد الاستثمار، وفق ما قاله محمد خالد العسال الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة مصر إيطاليا العقارية لإنتربرايز. مع انخفاض العوائد البنكية، بدأ العائد الإجمالي على العقار — مزيج العائد الإيجاري وارتفاع القيمة الرأسمالية للأصل — في التفوق على أدوات الدخل الثابت لأول مرة منذ تعويم الجنيه في عام 2024. ويتوقع العسال أن يؤدي ذلك إلى موجة هجرة كبرى للسيولة نحو العقاري.
بداية حقيقية لصناعة التمويل العقاري؟
لعل التحول الأبرز في 2026 هو عودة القطاع المصرفي للدخول في السوق الأولية للعقارات السكنية. تاريخيا، اضطر المطورون المصريون للعب دور البنوك، وتحمل خطط تقسيط تمتد من 8 إلى 10 سنوات على ميزانياتهم العمومية لأن أسعار التمويل العقاري كانت باهظة. ويرى العسال أن ذلك كان أمرا ضروريا وليس خيارا.
ومع عودة الفائدة لمستويات طبيعية، يعود عبء التمويل مجددا إلى منتجات التمويل العقاري الرسمية. وأضاف العسال أن البنوك تقدم برامج تمويل عقاري متدرجة وآجال سداد أطول. وهذا يسمح للمطورين بإزالة المخاطر من ميزانياتهم العمومية وإعادة توجيه السيولة لتسريع الإنشاءات بدلا من إدارة الائتمان طويل الأجل.
وتتماشى هذه الخطوة أيضا مع توجه الدولة نحو توسيع قاعدة الملكية وتعزيز دور التمويل العقاري كأداة أساسية لتنشيط السوق، وفقا لما قاله عمرو سليمان المؤسس ورئيس مجلس الإدارة التنفيذي لشركة ماونتن فيو للتنمية والاستثمار العقاري.
إنجاز أسرع، استئناف المشروعات المتوقفة، ومنافسة متزايدة
انخفاض الفائدة لا يخدم المشترين فقط — بل يسهم أيضا في استقرار سلاسل الإمداد. “عندما تنخفض الفائدة، تنخفض تكلفة القرض [للمطورين]، مما يمنحهم سيولة أكبر للعمل، وإكمال المشاريع بشكل أسرع، وإطلاق مشاريع جديدة”، وفقا لشعراوي. ويشير سليمان بالمثل إلى أن بيئة التمويل منخفضة التكلفة تساهم في رفع كفاءة القطاع وزيادة قدرة المطورين على تطوير مشاريع جديدة، مما يؤثر بشكل مباشر على جودة وسرعة التنفيذ”. أما بالنسبة للمشتري، يعني هذا، نظريا، أن الفجوة بين سداد الدفعة الأولى واستلام الوحدات ستبدأ بالتقلص.
خلف عصر الفائدة المرتفعة وراءه سلسلة من المشروعات المتعثرة — وهي مشروعات لم تعد مجدية لأن نماذج تمويلها انهارت تحت وطأة فائدة تجاوزت 25%. لكن مع انخفاض الفائدة، “سيتمكن أصحاب المشروعات من الحصول على قروض جديدة بشروط أفضل وإكمال الأعمال المتوقفة”، بحسب شعراوي. وسيجري دعم استئناف المشروعات أيضا من خلال “الحلول المدعومة حكوميا لمعالجة نزاعات رسوم الأراضي وتأخير التنفيذ”، وفقا للعسال.
كما أن انخفاض تكلفة الدخول يعزز المنافسة. ركز السوق في 2024 على الجودة، حيث نجا فقط اللاعبون ذوو الملاءة المالية القوية. ومع سهولة الحصول على التمويل، “ستزداد المنافسة، مما يعني خيارات أكثر وجودة أفضل للمشتري”، بحسب شعراوي. لكن بينما يزيد هذا الخيارات، فإنه يفرض ضرورة التدقيق — فمع توسع السوق، ستتوسع الفجوة بين المطورين المؤسسيين واللاعبين المضاربين.
عودة الطبقة المتوسطة إلى السوق
بينما يهيمن الإسكان الفاخر على العناوين، فإن التحول الحقيقي يحدث في شريحة الدخل المتوسط وفوق المتوسط. يقول شعراوي: “المستفيد الأكبر هم أصحاب الدخل المتوسط”، موضحا أن “أي تخفيض في القسط الشهري يحدث فرقا كبيرا بالنسبة لهم ويساعدهم على اتخاذ قرار الشراء”.
وجرى رصد التأثير بالفعل، إذ قال العسال: “نشهد عودة للنشاط في شريحة الدخل المتوسط من المهنيين الشباب والأسر الجديدة الذين يرون في بيئة الفائدة الحالية نافذة قبل الدورة التالية لارتفاع الأسعار”.
توقعات هبوط أسعار العقارات قد لا تحقق
التوقعات بانهيار الأسعار في غير محلها. الارتفاعات السعرية التي بلغت 30-40% في 2023 و2024 كانت ردود فعل دفاعية لتقلبات العملة، وفق ما يراه المطورون. في 2026، ندخل مرحلة تهدئة في الأسعار. وبينما ستستمر الأسعار في الارتفاع، سيكون النمو أكثر طبيعية وصحية، مدفوعا بالطلب الحقيقي على السكن بدلا من المضاربة.
“على المدى القصير، قد لا نشهد انخفاضا مباشرا في أسعار الوحدات بسبب ضغوط تكلفة مواد البناء، لكن خفض الفائدة سيكبح الزيادات العنيفة في الأسعار”، وفق حسنين. وأضاف سليمان أن انخفاض الفائدة والتمويل الميسر يساعدان “السوق على استيعاب الأسعار الحالية بسلاسة أكبر وخلق بيئة تسعير أكثر استقرارا دون الحاجة لزيادات حادة”.
وما يحد من انخفاض الأسعار بشكل كبير هو حقيقة أن “تسعير الوحدات العقارية يتحدد بناء على مجموعة واسعة من المتغيرات، بما في ذلك تكلفة الإنشاء، وسعر العملة، ودورة البناء، وطبيعة الطلب، وليس الفائدة وحدها”، وفقا لسليمان.
كما يقلب انخفاض الفائدة معادلة “الإيجار أم الشراء”. يختتم شعراوي: “عندما يصبح التملك أسهل وأرخص، سيفضل الكثير ممن كانوا يستأجرون الشراء والتملك”. ومع انخفاض تكلفة التملك عبر التمويل، قد نشهد تراجعا طفيفا في سوق الإيجارات للإسكان المتوسط مع تحول المستأجرين إلى ملاك.