بينما تتوقع الصحافة الاقتصادية العالمية انخفاضا مزدوج الرقم في أسعار العقارات بدبي، يرى خبراء القطاع في مصر أن الأسعار قد تسلك مسارا معاكسا، إذ تعج الصحافة المحلية بأخبار عن زيادة مرتقبة بنسبة 20% في الأسعار. وسواء تحققت هذه الزيادات أم لا، فقد بدأ المطورون بالفعل في تعليق عمليات البيع لحين التوصل إلى هيكل تسعير عادل ورؤية أوضح بشأن تداعيات الحرب، وفقا لما كشفته عن مصادر بالقطاع في تصريحات لإنتربرايز.

هل السعر مناسب؟

لا يمكن اعتبار التوقعات بزيادة قدرها 20% "مبالغا فيها بأي حال من الأحوال"، بل قد تكون "تقديرا واقعيا وحذرا في ظل الظروف الحالية"، وفقا لما قاله عمر الطيبي، الرئيس التنفيذي لشركة ذا لاند ديفلوبرز والعضو المنتدب لشركة الطيبي للتطوير العقاري، لإنتربرايز.

لكن التباطؤ المسبق في المبيعات قد يحد من قدرة المطورين على رفع الأسعار دون التسبب في مزيد من الركود، وهو ما قد يدفع العديد منهم لاختيار استيعاب جزء من الزيادات في التكاليف للحفاظ على زخم المبيعات، حسبما قاله رئيس جمعية مطوري القاهرة الجديدة محمد البستاني في حديثه لإنتربرايز.

وعلى الرغم من هذه التوقعات، إلا إن تحديد نسبة الزيادة المناسبة يتطلب تحليلا دقيقا لتجنب التأثير السلبي على السوق، وفقا لما قاله رئيس غرفة التطوير العقاري طارق شكري لإنتربرايز. كما أن "السوق في مصر يعاني حاليا من فجوة بين الأسعار والقدرة الشرائية، وهذا يجعل المطورين أكثر حذرا قبل اتخاذ أي قرارات بزيادة الأسعار"، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي لشركة تطوير مصر أحمد شلبي لإنتربرايز.

لكن بعض الفاعلين في القطاع يرون أن ارتفاع أسعار العقارات بنسبة 20% قد يكون مبالغا فيه، إذ يعتقد شلبي أن "الزيادات المناسبة في الوقت الحالي ينبغي أن تكون محدودة ومدروسة، وقد تتراوح بين 3% و5%"، وهي في الأساس جزء من الزيادات السنوية الطبيعية المرتبطة بالتضخم، التي تتراوح عادة بين 10% و15%". وأيده في هذا الطرح، خالد الصياد الرئيس التنفيذي لمجموعة الصياد، قائلا إن "الحديث عن زيادة بنسبة 20% قد يكون مبالغا فيه في الوقت الحالي. السوق العقاري يتأثر بعدة عوامل مثل تكاليف البناء وسعر الصرف وتكلفة التمويل، وهذه العوامل قد تضغط على الأسعار بالفعل، لكن ليس بالضرورة أن تؤدي مباشرة إلى زيادة بهذا القدر. الزيادات إن حدثت ستكون مرتبطة بتطورات التكاليف خلال الفترة المقبلة، وليس رقما ثابتا يمكن تعميمه على كل المشروعات أو كل مناطق السوق".

ما الذي يحفز الأسعار على الارتفاع؟

في حين لا تزال تداعيات الحرب الإقليمية غير واضحة إلى حد كبير، فإن زيادات الأسعار توفر "هامش أمان" للمطورين تحسبا "لمواجهة أي تقلبات مفاجئة وغير متوقعة في سلاسل الإمداد العالمية"، حسبما يرى الطيبي. ومع التزام المطورين بالفعل بتسليم الوحدات، يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في "ضمان عدم توقف العمليات الإنشائية والوفاء بمواعيد التسليم النهائية"، حسبما أضاف.

آثار متباينة على تكاليف المشروعات: ستتأثر تكاليف المشروعات بتداعيات الصراع بعدة طرق، إذ أدى الارتفاع الحاد في تكلفة المدخلات من حديد وألومنيوم — مدفوعا بالزيادات الأخيرة في أسعار الوقود التي أضافت لتكاليف الإنتاج والنقل — إلى زيادة نفقات المطورين، لدرجة أن بعض مصنعي الألومنيوم علقوا تسعير منتجاتهم، وفقا لما قاله شكري لإنتربرايز. ويرى شلبي أن أسعار الطاقة، وليس سعر الصرف، هي "التحدي الحقيقي" بسبب التأثير غير المباشر المتمثل في "زيادة تكاليف نقل المواد الخام والعمالة وتكاليف التنفيذ، بالإضافة إلى تأثيرها على تكلفة المعيشة بشكل عام". يضاف إلى ذلك أيضا ارتفاع تكاليف التمويل كعبء إضافي، بحسب الصياد.

لكن التوقعات قد لا تتحقق.. والوقت لا يزال مبكرا

لا يزال من السابق لأوانه تحديد حجم الزيادات المحتملة في أسعار العقارات، حسبما قال شكري، موضحا أن ارتفاع أسعار الطاقة عالميا أربك الثقة في التسعير المستقبلي، وينبغي على المطورين ترقب قراءة أكثر وضوحا لبيئة السوق قبل إعلان أسعار جديدة. وبينما تبدو الزيادات أقرب من أي وقت، فإن تحديد النسبة المناسبة يتطلب تحليلا دقيقا لتجنب التأثير السلبي على السوق، حسبما أشار.

ماذا لو طال أمد الحرب الدائرة؟ إذا استمر الصراع الإقليمي، فإن الشركات التي باعت وحدات بتخفيضات كبيرة قبل الحرب لجذب السيولة أثناء الأعمال الإنشائية قد تواجه ضغوطا مالية شديدة، حسبما يحذر رئيس لجنة التطوير العقاري والمقاولات بجمعية رجال الأعمال المصريين فتح الله فوزي. وكلما طال أمد الحرب، زادت التكاليف، وبالتالي من المتوقع ارتفاع أسعار العقارات، حسبما أوضح لإنتربرايز.

ورغم أن التكاليف المرتفعة ستلقي بظلالها على القطاع بأكمله، فمن المرجح أن تتجاوز الشركات الكبرى هذه الاضطرابات بشكل أفضل وألا تواجه خطر سحب الأراضي، وهو الأمر الذي يهدد صغار المطورين بالفعل. كما سيتحكم المركز المالي والسيولة النقدية بشكل كبير في قدرة المطورين على الالتزام بجداول البناء ومواعيد التسليم، بحسب شكري.

لكن التوصل إلى نهاية سريعة للحرب قد يؤدي إلى "تعاف قوي ومتسارع على شكل حرف V"، إذ سيتجه أولئك الذين أرجأوا شراء المنازل بسبب حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب فورا إلى السوق، حسبما يعتقد الطيبي. وأضاف أن هذا الارتفاع في الاهتمام "سيؤدي حتما إلى تدفقات هائلة من رؤوس الأموال، خاصة من المستثمرين الخليجيين والأجانب الذين يدركون أن العقار في مصر لا يزال يُقيم بأقل من قيمته الحقيقية مقارنة بالأسواق الإقليمية".

"إذا عاد الاستقرار سريعا، فمن المرجح أن يعود السوق أيضا إلى مساره الطبيعي، خاصة أن الطلب الحقيقي على العقار في مصر لا يزال قويا"، وفقا لما قاله الرئيس التنفيذي لشركة "إمكان مصر" أحمد عارف لإنتربرايز، مشيرا إلى أساسيات السوق القوية.

التاريخ يعيد نفسه

سوق العقارات في مصر "استوعبت زيادات مماثلة بل وأكبر في الماضي" لأن مشتري المنازل حافظوا على الطلب إيمانا منهم بأن العقارات تظل ملاذا آمنا، وأن "تأجيل قرار الشراء اليوم قد يعني تحمل تكلفة أعلى بكثير في المستقبل القريب"، وفقا لما قاله الطيبي لإنتربرايز.

سعر الصرف قد يحدد بوصلة المشترين رغم ارتفاع أسعار العقارات: تراجع الجنيه أمام الدولار قد يدفع البعض للعودة إلى العقارات على الرغم من ارتفاع أسعار المنازل، إذ ينظر المشترون إلى القطاع كمخزن للقيمة خلال الدورات التضخمية، تماما كما فعلوا في الأزمات الاقتصادية السابقة، بحسب البستاني. و"تشير التجارب السابقة إلى أن العقارات تظل واحدة من أهم أدوات الادخار والاستثمار للمصريين، خاصة في أوقات عدم اليقين الاقتصادي"، وفق لما قاله عارف لإنتربرايز.