بدأ سريان أول الاشتراطات الإلزامية الخاصة بالبناء الأخضر في مصر منذ 30 يونيو الماضي، لكن ما زال المطورون العقاريون في 5 مدن رئيسية يبحثون عمن سيتحمل التكلفة. فقد أقرت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة هذا التحول في ديسمبر 2025، وطبقته تدريجيا عبر مهلة تحفيزية طوعية لمدة شهر واحد انتهت في 30 مايو. ومنذ 30 يونيو، صار لزاما على المطورين في القاهرة الجديدة ودمياط الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة والعاصمة الجديدة الحصول على شهادة خضراء معتمدة — سواء شهادة الهرم الأولية أو شهادة الهرم البرونزي أو شهادة الهرم الفضي — لمواصلة البناء. وبهذا تحولت الشهادة من مجرد أداة دعائية إلى رخصة عمل لا يمكن للمطورين تجاوزها. ولكن بعد مرور شهر، لا يزال هناك سؤال معلق بلا إجابة، وهو ما إذا كان التمويل يواكب سوقا انتقلت من المرحلة الطوعية إلى المرحلة الإلزامية.
تتباين التقديرات بشأن التكلفة الإضافية تباينا كبيرا. ففي حديثه إلى إنتربرايز، قال طارق الجمال، عضو المجلس المصري للبناء الأخضر والمدن المستدامة، إن معايير البناء الأخضر قد ترفع التكاليف الأولية للبناء والتصميم في المشروع بنسبة تتراوح بين 15 و20%. في حين يرى كل من عبد الخالق إبراهيم، عضو لجنة الإسكان بمجلس النواب، ووليد مختار، رئيس مجلس إدارة شركة إيوان للتطوير العقاري، أن الزيادة ستكون أقل، وأنها تتراوح بين 5 و15%. ويذهب عمر الطيبي، الرئيس التنفيذي لشركة "تي إل دي" للتطوير العقاري وعضو مجلس إدارة غرفة التطوير العقاري، إلى نسبة أقل، مع وجود تحفظ أيضا. إذ قال الطيبي: "الالتزام بهذه المعايير لا يضيف سوى نحو 5% إلى التكلفة المبدئية إذا دُمجت منذ مرحلة التصميم، لكن هذه التكلفة قد ترتفع بشكل كبير إذا أُدخلت المعايير بوصفها تعديلات لاحقة بعد بدء التنفيذ"، على حد قوله.
لا يمكن للمطورين تجنب التكلفة الإضافية من الناحية الهندسية إلا إذا أُدرجت المعايير في التصميمات قبل صب أول أساسات المشروع. وتتفق مصادر القطاع على أن التكلفة الإضافية قد تؤتي ثمارها لاحقا؛ إذ أوضح الجمال أن الوفورات تظهر في الجانب التشغيلي، فعلي سبيل المثال، يخفف الزجاج العازل للحرارة الأحمال الحرارية ويخفض كذلك حجم أنظمة التكييف والأسلاك الكهربائية في المبنى. ويشير الطيبي في حديثه إلى عائد أوسع نطاقا، قائلا: "المباني الخضراء تخفض تكاليف التشغيل بنسبة 15-25%، واستهلاك المياه بنحو 40%، مما ينعكس إيجابا على القيمة الرأسمالية للأصل على المدى الطويل"، بافتراض تحققها وفقا للتصميم.
لكن هذه الآلية تفتقر إلى البيانات التي تثبت فرضيتها. استوضحت إنتربرايز من الجمال حول هذا الأمر. ومن جانبه قال إن القطاع لم يلمس حتى الآن الانخفاض الذي تعد به الآلية في حجم استخدام الأسلاك والمفاتيح الكهربائية. وأضاف: "الحقيقة أننا لم نشهد انخفاضا في الأسلاك والمفاتيح الكهربائية بهذا الحد، ولم يجرِ الاستشاريون أبدا دراسة معمقة حول هذا الجانب".
تحديد المستهدفات لا يضمن تحقيقها: يعكس حجم وفورات المياه البالغة 40%، التي أشار إليها الطيبي، سقفا مستهدفا، وليس سجلا فعليا. وقد استشهدت مي عبد الحميد، الرئيسة التنفيذية لصندوق الإسكان الاجتماعي، بالرقم ذاته في بيان حول الإسكان الأخضر الذي نُفذ ضمن المبادرة الرئاسية "سكن لكل المصريين" بحدائق العاصمة، التي تستهدف خفض استهلاك الطاقة بنسبة 27% وخفض استهلاك المياه بنسبة 40%. لكن كلا الرقمين يمثل أفضل السيناريوهات، وليس النتائج المضمونة.
من يتحمل الفاتورة؟
يعتمد تمرير هذه التكلفة إلى المشترين على فئة الأصول نفسها، بحسب إجماع غالبية المطورين في حديثهم لإنتربرايز. ويرى الجمال أن مطوري العقارات التجارية والإدارية في وضع أفضل، يسمح لهم بتحمل التكلفة مقدما، بالنظر إلى ارتفاع عوائد التشغيل. أما في فئة العقارات السكنية، فمن المرجح تقسيم الزيادة تدريجيا بين المطور والمشتري، على حد قوله.
لكن يرى آخرون أن الخيار لا يتعلق بمن يمكنه تحمل التكلفة، بل بمن ينبغي له تحملها. إذ يعارض الطيبي تحميل الفاتورة كاملة للمشترين، موضحا أن المطور الذكي يمكنه تعويض التكلفة من خلال تصميم أكثر كفاءة وأقل هدرا. وأضاف لإنتربرايز: "أثبت السوق قدرته على خلق القيمة بزيادات سعرية تجاوزت 300% مؤخرا. لكن التميز المستقبلي سيكون لمن يبني أصولا تحافظ على قيمتها لعقود، وليس لمن يحقق أعلى زيادة في السعر فقط".
تعكس القفزة البالغة 300% أثر تعويم العملة أكثر من ارتباطها بالمشاريع ذاتها. فقد أدت جولات التخفيض المتكررة لقيمة الجنيه، جنبا إلى جنب مع ارتفاع التضخم لمستويات قياسية على مدى السنوات الخمسة الماضية، إلى دفع الأسعار الاسمية نحو الارتفاع بأكثر من 300% في الأسواق العقارية الرئيسية، بما في ذلك الساحل الشمالي والقاهرة الجديدة والشيخ زايد والعاصمة الجديدة. ولا يقصد الطيبي أن المطورين هم من خلقوا هذه القيمة، بل يرى أن الرابحين في السوق مستقبلا سيكونون أولئك القادرين على الاحتفاظ بها بعد استقرار المكاسب المدفوعة بتغيرات أسعار الصرف.
فجوة التمويل
تأتي الاشتراطات الإلزامية بالحصول على الشهادة الخضراء في توقيت صعب على صعيد الائتمان. إذ قال مختار لإنتربرايز إن ارتفاع أسعار الفائدة يحدّ من إقبال الشركات على الاقتراض. ويتفق مع هذا الرأي أحمد أمين مسعود، رئيس مجلس إدارة شركة منصات العقارية، التي تتركز مشاريعها في القاهرة الجديدة والعاصمة الجديدة. فقد قال مسعود إن "توفير التمويل الأخضر بتكلفة منخفضة هو المفتاح لتعويض زيادة تكلفة التنفيذ وتحفيز الاستدامة".
رؤوس الأموال الدولية تتدفق لسد هذه الفجوة: أظهر تقرير صادر عن مؤسسة التمويل الدولية ومنصة إيدج (بي دي إف) في نوفمبر 2023 أن المباني المصممة وفق معايير شهادات الريادة في الطاقة والتصميم البيئي (LEED) شكلت نحو 76% من إجمالي مساحات المباني الخضراء المعتمدة في مصر، في حين بلغت نسبة المباني الموافقة لمعايير شهادة إيدج 12.5%، حتى مع إشارة التقرير إلى أن التمويل المحلي "ظل محدودا". لكننا نشهد تغير هذا الوضع بالفعل، إذ أشارت إنتربرايز في يونيو الماضي إلى أن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يستهدف تقديم تمويلات لمصر بقيمة 7.5 مليار يورو (نحو 450 مليار جنيه) على مدى السنوات الخمسة المقبلة. وتأتي هذه الخطوة ضمن التزام أوسع للبنك بتوجيه 50% على الأقل من استثماراته السنوية نحو تمويل التحول إلى الاقتصاد الأخضر، بموجب خطة تنفيذ استراتيجيته للسنوات 2026-2028 (بي دي إف). ويجري تشجيع المطورين على السعي للحصول على شهادتي إيدج أو الريادة في الطاقة والتصميم البيئي للاستفادة من هذه التمويلات.
كذلك حذت مؤسسة التمويل الدولية حذوا مماثلا. ففي نوفمبر 2024، قدمت المؤسسة لشركة أوراسكوم للتنمية مصر قرضا مرتبطا بالاستدامة بقيمة 155 مليون دولار، مقسما إلى شريحتين بقيمة 96 مليون دولار و55 مليون يورو، لتحديث فنادق الجونة، مع فترة سماح لسنتين ونصف. كما وافقت المؤسسة مؤخرا على استثمار 150 مليون دولار في بنك مصر، مع تخصيص نصف هذا المبلغ إلى الأصول المناخية، فيما يُخصص 30% من هذا الجزء (أي نحو 15% من إجمالي القرض) للمباني الخضراء الخاصة بالبنك.
أما على المستوى المحلي، فقد اعتمدت مصر رسميا منظومتها الوطنية لشهادات كفاءة أداء الطاقة في ديسمبر 2023، لتصبح من أوائل الأطر من نوعها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأصدرت البلاد أولى هذه الشهادات الوطنية بعد أكثر من عام بقليل، تحديدا في 17 ديسمبر 2024، لمشروعين تجريبيين: وهما مشروع باديا التابع لشركة بالم هيلز للتعمير في مدينة السادس من أكتوبر، ومبنى تابع لبنك مصر.
نظرة على استثمارات الحكومة: كانت وزارة التخطيط تعتزم تخصيص 55% من الاستثمارات العامة للعام المالي 2025-2026، أي نحو 637 مليار جنيه، للمشاريع الخضراء. ويأتي هذا ضمن وتيرة صعود مستمر، بدءا من 15% في العام المالي 2020-2021، وصولا إلى الهدف البالغ 60% الذي حددته الوزارة الآن للعام المالي 2026-2027.
النظرة المستقبلية للتراخيص
تسير العملية بسلاسة حاليا. فقد دخل الإلزام حيز التنفيذ في المدن الخمسة عبر آلية من خطوتين: يتعين على المطورين أولا الحصول على شهادة اعتماد التصميم من هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة والمركز القومي لبحوث الإسكان والبناء قبل البدء في الأعمال الإنشائية، تليها عمليات تفتيش ومراجعات دورية مع تقدم أعمال البناء. ويقول الطيبي لإنتربرايز إن شركته لم تواجه تأخيرات تذكر في ظل هذه المنظومة. ويوضح أن دمج الاشتراطات في التخطيط المبكر "يحول دون تحولها إلى عقبة". كما يرفض الطيبي فكرة أن الإلزام يخلق حاجزا أمام دخول المطورين الأصغر حجما، إذ يرى أنه سيؤدي فقط إلى خروج من يعتمدون على الحد الأدنى من الجودة في البناء.
لكن قرارا واحدا هو ما سيحدد إذا كان هذا الإلزام سيظل قابلا للتطبيق، وهو تجديد هيئة المجتمعات العمرانية حزمة التيسيرات من عدمه. إذ إن الحوافز الممنوحة لأوائل المبادرين، مثل تمديد فترات التنفيذ وتخفيض الرسوم، مطروحة الآن للتجديد، دون الإعلان عن أي قرار بعد. ويضغط كل من إبراهيم ومسعود من أجل هذا التمديد، معللين ذلك بأن قلة الوعي حالت دون استفادة معظم المطورين منها في المرة الأولى.
الخطوة التالية: ستُظهر الأسابيع القليلة المقبلة التوجه الذي تميل إليه هيئة المجتمعات العمرانية. فإذا قررت تمديد الحزمة، فهذا يعني استمرار إمكانية تطبيق القرار حتى بالنسبة للمطورين متوسطي الحجم الذين لا يزالون في مرحلة التكيف. أما في حال انقضائها، فستتجه السوق نحو الاندماج والتركز في أيدي الكيانات القادرة بالفعل على استيعاب تكلفة الحصول على الشهادات ضمن ميزانياتها العمومية.