يبدو أن موجة إعادة تقييم أسهم العقارات المصرية، المدفوعة بتحركات سعر الصرف، قد أخذت مجراها، مع تحول مستثمري البورصة المصرية عن الرهان الشامل على القطاع العقاري، والاتجاه نحو المطورين الذين يتمتعون برؤية واضحة للسيولة النقدية وسرعة استرداد رأس المال. لم يعد المستثمرون يراهنون على القطاع بأكمله، بل على نماذج أعمال محددة. وتتحول السوق حاليا بعيدا عن المطورين الذين يعتمدون خطط سداد تمتد لعقود، لصالح الشركات ذات الدورات النقدية السريعة، وتحديدا في قطاعات السياحة، والإيجارات التجارية، والتنفيذ السريع للمشروعات.
نهاية عصر "العقار مخزن القيمة"
"في السنوات التي أعقبت خفض قيمة العملة مباشرة، جاء الزخم مدفوعا في الأساس بالطلب الدفاعي، ومحاولات التحوط من التضخم، إلى جانب موجة إعادة تسعير قوية"، حسبما صرحت به راندا حامد، العضو المنتدب في شركة عكاظ لإدارة الأصول، خلال حديثها مع إنتربرايز. خلال تلك الفترة، لم يحتج المستثمرون إلى الانتقاء، بل حسبهم امتلاك العقار، لأن العقار كان في المقام الأول بمثابة مخزن للقيمة وليس أصلا مدفوعا بالإنتاجية.
التحول: مع دخول السوق عام 2026، تلاشت ميزة التحوط، وحل محلها ما تصفه حامد بأنه "انتقائية أعلى بشكل ملحوظ من جانب المستخدمين النهائيين وأسواق المال". تنفذ السوق الآن عملية فلترة للمطورين القادرين على الصمود في 2026 — وهو العام الذي حذر أحمد بدر الدين، المدير العام في أركان بالم، من أنه سيكون عاما صعبا حتى مع بدء الدورة الصعودية التالية.
المحركات الجديدة: السيولة، والسياحة، والأصول التجارية
تجاوز المطورون نموذج محفظة الأراضي، واتجهوا إلى بناء شركات تشغيلية بتدفقات نقدية قابلة للتحقق، بما يضعهم في موقع أفضل للاستفادة من هذه الموجة الجديدة. وينصب اهتمام المستثمرين بشكل متزايد على الأصول الإدارية والتجارية التي توفر دخلا إيجاريا مستداما، مدعومة بتوسع اقتصاد التعهيد في مصر وديناميكيات التسعير الأكثر هدوءا، وفق ما قال طارق عبد الرحمن، الرئيس التنفيذي لشركة بنيان، لإنتربرايز.
صبت أسعار الفائدة المرتفعة في صالح المطورين ذوي الميزانيات العمومية القوية: وقالت حامد: "كانت أسعار الفائدة المرتفعة بمثابة عملية فرز تلقائي، إذ انحازت للمطورين الذين يمتلكون ميزانيات قوية وقدرات تنفيذية ومحافظ أراضي، في حين ضغطت على اللاعبين الأضعف". وأيدت هذا الرأي أيضا مريم السعدني، محللة القطاع العقاري لدى شركة "إتش سي لإدارة الأوراق المالية". وأشارت السعدني في حديثها مع إنتربرايز إلى أنه من الممكن توقع استحواذ الشركات الكبرى ذات الطابع المؤسسي بقوة على حصة سوقية، في حين يضطر المطورون الصغار الذين يعانون من نقص السيولة إلى الخروج من السوق.
علاوة السياحة: تفوقت الأسهم التي توفر دورات رأسمالية قصيرة وواضحة — وتحديدا من خلال السياحة — على أداء السوق الأوسع. فقد نجحت مشروعات الضيافة التابعة لمجموعة طلعت مصطفى من إحداث فارق للشركة أكثر مما فعلته مشروعاتها السكنية، بحسب هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في الأهلي فاروس. ومع وصول معدلات الإشغال الفندقي إلى 80-90% ووجود مشروع ضخم بالقرب من المتحف المصري الكبير، كان انخراط الشركة في السياحة هو المحرك الرئيسي. وبالمثل، استفادت شركة أوراسكوم للتنمية مصر من الزخم السياحي بفضل تركز أعمالها على الجونة واحتمالية إعادة فتح فنادقطابا في أعقاب انحسار التوترات الإقليمية.
لماذا تفقد الأرباح المعلنة وخطط التوسع الطويلة جاذبيتها؟
لم تعد الأرباح المعلنة مؤشرا موثوقا للمستثمرين. ويوضح جنينة أن غالبية المطورين يستخدمون طريقة "العقد التام"، وفيها يُعترف بالإيرادات فقط عند التسليم. ومع ذلك، تعكس تقارير الأرباح الحالية في أغلب الأحوال مبيعات نُفذت قبل ثلاث أو أربع سنوات، مما يدفع المستثمرين لتجاهل هذه الأرقام إلى حد كبير.
كان التحول الشامل في القطاع نحو خطط سداد تمتد لـ 12 إلى 15 عاما ضارا بالتقييمات. ويقول جنينة: "ستسترد أموالك بعد 12 عاما إذا كنت مستثمرا"، مما يعزز المخاوف بشأن السيولة ومدة دورة رأس المال العامل. وأضاف أن المستثمرين يفضلون دورات قصيرة لرأس المال العامل على الأرباح الدفترية. وفي الوقت الراهن يواجه المطورون المتخصصون — الذين يقتصر نشاطهم على مصر ولديهم جداول زمنية طويلة للمشروعات — سقفا محددا لارتفاع تقييماتهم.
نضوج.. وليس انفجار
مع دخول عام 2026، يرتطم السوق العقاري بسقف القدرة الشرائية، لا سيما بالنسبة للشرائح المتوسطة وفوق المتوسطة. أصبح المشترون الآن أكثر تدقيقا في مصداقية التسليم والجداول الزمنية للتنفيذ، وهذا يجعل التحكم في تكاليف البناء والانضباط في التدفقات النقدية عوامل حاسمة للتميز.
ومن أجل حدوث تصحيح حقيقي، يجب أن تنخفض تكاليف الاقتراض. "عادة ما تحدث طفرات العقارات الأكثر استدامة واتساعا في مصر عندما تقترب أسعار الفائدة من 10% أو أقل"، بحسب حامد. والأرجح أن أي تسارع مستدام في السوق سيرتبط بالسرعة التي تتجه بها أسعار الفائدة نحو مستويات محفزة على الاستثمار كما كان يحدث سابقا.
منافذ جديدة:: "الإطلاق المرتقب لصناديق الاستثمار العقاري المنظمة يقدم طبقة جديدة من رأس المال المؤسسي، مما يتيح للمستثمرين أصولا حقيقية من خلال أدوات تدار باحترافية بدلا من مخاطر التطوير المباشر"، حسبما قالت حامج. وبالتوازي، تعيد المنصات والتطبيقات الرقمية — مثل منصة سيف التابعة لمدينة مصر، ومنصة "ناوي" — تشكيل الوصول إلى العقارات من منظوري الاستثمار والتوزيع.
سنقدم لكم الجزء الثاني من هذا الموضوع في الأسبوع المقبل، وسننظر فيه إلى كيفية ترجمة هذه الأساسيات العقارية إلى تدفقات في الأسهم، وفجوات التقييم، وشهية المستثمرين، وما إذا كانت أسهم العقارات قادرة على إقناع السوق بأنها تستحق إعادة تقييم أخرى.