يعتمد طموح مصر لتحديث منظومتها اللوجستية على تحويل شطر من الطاقة الاستيعابية للشحن بعيدا عن الطرق ونقلها إلى شبكة السكك الحديدية الواسعة، لكنها غير مستغلة بالقدر الكافي. ولعل إطلاق خدمة شحن سككي ثابتة المواعيد يديرها القطاع الخاص بمثابة “نموذج أولي” لكيفية نقل المزيد من البضائع عبر السكك الحديدية، والابتعاد عن النموذج الحالي “المخصص حسب طلب العميل” لتحل محله خدمات سكك حديدية منتظمة قابلة للتنبؤ.

القطاع الخاص يقود هذا التحول حاليا: حصلت شركة ” جي ثري أيه ” — وهي شركة متخصصة في خدمات النقل متعدد الوسائط والتخزين تأسست عام 2023 بعد اندماج شركة الغرابلي للهندسة المتكاملة وشركة “ثري أيه إنترناشيونال” — على امتياز لمدة 15 عاما لتشغيل جميع خدمات شحن البضائع بالسكك الحديدية، وذلك لدعم الحكومة في تحقيق أهدافها للشحن السككي، حسبما صرحت به الرئيسة التنفيذية للعمليات بالشركة نهى عوض لإنتربرايز.

وأطلقت “جي ثري أيه” وشركة ترانسمار الإقليمية للخدمات اللوجستية متعددة الوسائط، أول خدمة شحن سككي منتظمة المواعيد في مصر خلال الصيف، وتتضمن رحلتين أسبوعيا بإجمالي سعة 200 وحدة مكافئة لحاوية بطول عشرين قدما (TEUs). وتربط الخدمة مدينة الروبيكي الصناعية في القاهرة الكبرى بميناء الأدبية بخليج السويس، حيث تتمتع ترانسمار وشقيقتها ترانسكارغو إنترناشيونال بحضور تشغيلي راسخ.

توضيح الصورة: برغم امتلاكها أكثر من 10 آلاف كيلومتر من السكك الحديدية، تستحوذ منظومة السكك الحديدية حاليا على نحو 6% فقط من الشحن الداخلي للبضائع في البلاد، مما يترك سلاسل الإمداد معتمدة اعتمادا كبيرا على النقل بالشاحنات عبر شبكات الطرق الأكثر خطورة والأقل موثوقية. ومن أجل سد هذه الفجوة، تخطط الحكومة لرفع الطاقة الاستيعابية للشحن السككي بنحو 63% لنقل 13 مليون طن بحلول عام 2030 — وهي قفزة كبيرة مقارنة بأرقام 2024 التي وردت في عدة تقارير، حتى وإن كان هذا الرقم يمثل انخفاضا حادا عن الهدف الأولي البالغ 30 مليون طن.

لكن “جي ثري أيه” متفائلة بقدرتها على تجاوز هذه الأهداف: عندما تولت الشركة قطاع البضائع من هيئة السكك الحديدية المصرية، كانت القضبان تنقل نحو 3 ملايين طن سنويا، حسبما قالت عوض. وخلال عام واحد، تمكنت “جي ثري أيه” من مضاعفة هذا الرقم إلى 6 ملايين طن في عام 2024، وتستهدف الآن الوصول بهذا الرقم إلى 12 مليون طن من البضائع المنقولة بنهاية عام 2025. وأضافت: “نتوقع مضاعفة حجم البضائع التي ننقلها كل عام طوال مدة العقد البالغة 15 عاما”.

لا يعتمد تحقيق هذا الهدف على مد خطوط جديدة وحسب، بل يتطلب تحولا في عقلية العملاء حتى يضعوا السكك الحديدية ضمن خياراتهم للشحن بل وبوصفها أكثر موثوقية وإتمام هذا التحول، حسبما أوضحت عوض لإنتربرايز. وقالت عوض إن النموذج القديم الذي اتبعته هيئة السكك الحديدية لم يعتمد ترويج خدمة البضائع، بل اقتصر استخدامها بشكل أساسي على الخدمات العسكرية ونقل الحاويات الفارغة بين الموانئ. وأضافت أن عدم التعود على الخدمة يجعل العملاء “قلقين من أنهم إذا وضعوا حاوياتهم على متن القطار، فستصل بعد أسبوع، في حين تصل الشاحنات في غضون ست أو سبع ساعات”.

كذلك يتطلب تغيير العقلية أيضا تحولا جذريا في النموذج التشغيلي من نظام الشحن “حسب الطلب” إلى نظام خدمات سكك حديد منتظمة وموثوقة، حسبما صرح به المدير التنفيذي لشركة ترانسمار أحمد الأحول خلال حديثه مع إنتربرايز. كان نظام شحن البضائع التقليدي عبر السكك الحديدية يعمل في الماضي بناء على اضطرار العملاء لطلب قطار كامل وملئه. إذ إن العميل الذي يحتاج إلى نقل بضع حاويات أسبوعيا فحسب، يجب عليه إما الانتظار حتى يملك ما يكفي من البضائع لملء قطار كامل، أو الدفع مقابل السعة المحجوزة بأكملها، بما في ذلك ثمن رحلة العودة الفارغة المكلفة.

لكن الخدمة منتظمة المواعيد تساعد في إزالة هذه القيود الرئيسية المتعلقة بالتكلفة. وبحسب الأحول، كان الالتزام المالي المطلوب لحجز قطار كامل، بالإضافة إلى ضرورة تنسيق رحلة عودة هذا القطار، يعني أن شركات الشحن الصغيرة والمتوسطة تتجنب في المعتاد السكك الحديدية تماما. بيد أن الخدمات منتظمة المواعيد تلغي تماما الحاجة إلى حجز قطار كامل، ناهيك عن ضرورة تنسيق رحلة عودة هذا القطار، حسبما أضاف.

إلى جانب الموثوقية والمواعيد المنتظمة، تتسبب أيضا الزيادات المتتالية في أسعار الوقود في مصر في جعل الشحن السككي خيارا “أقل تكلفة”، وفق عوض. وأوضحت لإنتربرايز أن هذا يُعزى بدرجة كبيرة إلى أن النقل بالشاحنات أكثر تأثرا بأسعار الوقود، إذ ترتفع تكلفته بنسبة 15%-20% في المتوسط مع كل زيادة، مضيفة أن هذه الديناميكية تترجم إلى وفورات كامنة في التكاليف لصالح السكك الحديدية، التي أصبحت تكلفتها الآن أقل بنسبة 20% إلى 30% من النقل بالشاحنات.

وتتفق الدراسات الدولية مع عوض في هذا الشأن. إذ إن عمليات السكك الحديدية عموما أقل عرضة لتقلبات أسعار الوقود العالمية، لأن الوقود يمثل ما يقرب من 15% من تكاليف النقل السككي، مقارنة بنحو 30-40% من أساس التكلفة الخاص بالنقل البري، وفق ما ورد في دراسة (بي دي إف) أجرتها شركة مينا ريل لاستشارات النقل في عام 2019 بتكليف من البنك الدولي وهيئة السكك الحديدية المصرية.

تذكر- تقدم خدمات السكك الحديدية عموما أيضا فوائد ملموسة تواجه بشكل مباشر التحديات و”العجز عن التنبؤ” المتأصل في النقل البري. تتيح السكك الحديدية عقودا طويلة الأجل تستمر لمدة عام أو أكثر، مما يوفر لشركات الشحن “تكاليف يمكن التنبؤ بها”، وفقا لدراسة عام 2019 التي أجرتها مينا ريل. فضلا عن أنها توفر عمليات على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، في حين أن حركة الشاحنات قد تكون مقيدة بالقيود المحلية. بالإضافة إلى ذلك، يسمح نقل البضائع فوق قضبان السكك الحديدية بحدود وزن قانونية أعلى لكل حاوية مقارنة بالطرق، مما يخفف من مخاطر الغرامات المرتبطة بالشاحنات ذات الحمولة الزائدة.

الاستدامة فائدة أخرى: “السبب الرئيسي الآخر للتحول إلى السكك الحديدية يكمن في وجود وسيلة أكثر صداقة للبيئة لنقل البضائع، وهو ما أصبح الآن جذابا لمعظم اللاعبين الدوليين”.

وأوضحت عوض أن المواعيد المنتظمة وأسعار الوقود تمثلان بلا شك عاملين رئيسيين للتحول، لكن تدريب العمال والإدارة السليمة والاستثمارات في البنية التحتية للقطاع لا تقل أهمية عنها. وحتى الآن، أنشأت “جي ثري أيه” أربع محطات متعددة الوسائط في جميع أنحاء مصر في المناطق الصناعية الكبرى. وتكثف الحكومة استثماراتها في هذا القطاع، جنبا إلى جنب مع خطط لتطوير أربعة ممرات لوجستية متعددة الوسائط في جميع أنحاء البلاد.

كذلك تتزايد جهود الحكومة التي تستهدف توطين صناعة القاطرات والعربات، حسبما صرح به الأحول لإنتربرايز، مضيفا أن خطة التوطين الحكومية هذه ستكون محورية لأهداف الشحن السككي في البلاد، لأنها ستلغي الحاجة إلى الاعتماد على الواردات من أجل زيادة سعة المناولة في القطاع، مع تحول المزيد من العملاء إليه للشحن.

تذكر- بدأت شركة ألستوم الفرنسية للعربات والوحدات المتحركة في تدشين مجمع لصناعات السكك الحديدية في برج العرب، يضم مصنعين بقيمة 80 مليون يورو. كذلك تعمل الشركة الوطنية المصرية لصناعات السكك الحديدية على تطوير مجمع صناعي لصناعات السكك الحديدية في المنطقة الصناعية بشرق بورسعيد. وسيضم المجمع خطي إنتاج — أحدهما لعربات المترو بمكون محلي يتراوح بين 35-40%، والآخر لعربات السكك الحديدية بمكون محلي 65% — ومن المخطط أن يخدم الإنتاج كلا من السوق المحلية والتصدير إلى الأسواق الإقليمية، وخاصة في أفريقيا.


أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع:

  • ترسانة جديدة في ميناء سفاجا الكبير: وقعت الهيئة العامة لموانئ البحر الأحمر وشركة الجسر العربي للملاحة مذكرة تفاهم بشأن إنشاء وإدارة وتشغيل وإعادة تسليم ترسانة لبناء وصيانة وإصلاح السفن في ميناء سفاجا الكبير. (بيان)
  • تبحث الحكومة إنشاء مركز لوجستي عالمي لتخزين وتوريد وتجارة الحبوب بميناء شرق بورسعيد، في إطار خططها لتعزيز البنية التحتية لمنظومة السلع الاستراتيجية، وتحقيق الأمن الغذائي من خلال تطوير سلاسل الإمداد والتوزيع.
  • مصر والسعودية توقعان مذكرة تفاهم لتبادل الخبرات في مجال الطرق: وقعت وزارة النقل بجمهورية مصر العربية ووزارة النقل والخدمات اللوجستية بالمملكة العربية السعودية مذكرة تفاهم للتعاون في مجال تبادل الخبرات في الطرق، والبحث العلمي، والتدريب. (بيان)