يتطلب التحول الأخضر في مصر تعزيز الاستثمار في التنقل الذكي: يعد الاستثمار في التنقل الذكي أمرا أساسيا لمساعدة البلدان التي تواجه تحديات التوسع الحضري الحديث على بناء مدن واقتصادات مستدامة. وستكون مشروعات التنقل الذكية ضرورية للحد من المشكلات الحضرية المزمنة في البلاد، ولكن هناك عقبات كبيرة يجب التغلب عليها، ولا تزال مصر متأخرة عن جيرانها في الخليج من حيث الاستثمار في التنقل الذكي، حسبما قال طارق سليم من المجلس الاقتصادي العالمي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، في مقال له ضمن تقرير شركة الاتصالات الاستراتيجية بي إل جيه الذي أصدرته مؤخرا بعنوان: "تقرير التكنولوجيا بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2024: رسم المشهد التكنولوجي" (بي دي إف).

لكن أولا، ماذا يعني التنقل الذكي؟ التنقل الذكي هو طريقة جديدة للتفكير في وسائل النقل والبنية التحتية لجعلها "نظيفة وأكثر أمانا وأكثر كفاءة"، حسبما قال سليم. وسواء كان الأمر يتعلق بالمدن والمناطق القائمة أو الجديدة التي تكون قيد الإنشاء، فإن فكرة التنقل الذكي تدفعنا إلى وضع وإنشاء بنية تحتية لوسائل النقل المختلفة لتقليل اعتمادنا على السيارات الخاصة. ويتعلق التنقل الذكي باستخدام شبكات النقل العام الحديثة والمدن المصممة بحيث يمكن اجتيازها سيرا على الأقدام أو بالدراجة بمساعدة التكنولوجيا لخلق مناخ وسكان أكثر صحة.

هذا الأمر مهم بشكل خاص بالنسبة لمصر، وهي الدولة الأكثر اكتظاظا بالسكان في المنطقة. ومن المتوقع أن تشهد مصر نموا سكانيا سريعا في السنوات الست المقبلة، مع إضافة 20 مليون نسمة إلى التعداد السكاني بين عامي 2021 و2030. ويؤدي ارتفاع عدد السكان والمناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية المتزايدة إلى تفاقم المشكلات التي تواجهها البلاد فيما يخص التلوث والتضخم والعمل غير الرسمي وارتفاع الطلب على الطاقة والفقر والتمويل العام والازدحام المروري، ويجب على مصر أن تتطلع إلى الاستثمارات في التنقل الذكي للمساعدة في حل هذه المشكلات، حسبما قال سليم.

حتى الآن، يبدو أن منطقة الخليج متقدمة في إنشاء المدن الذكية: دخلت كل من أبو ظبي ودبي ضمن أفضل 20 مدينة في مؤشر المدن الذكية لعام 2024 (بي دي إف) الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية، في حين جاءت الرياض في المركز الـ 25، والدوحة في المركز الـ 48، وجدة في المركز الـ 55. وفي نهاية القائمة من بين 142 مدينة جرى تصنيفها، جاءت القاهرة في المركز الـ 114، وعمان في المركز الـ 128، وتونس في المركز الـ 137، بينما جاءت بيروت وصنعاء في المركزين الثالث والثاني من أسفل القائمة.

تواصل الإمارات تصدر مبادرات المدن الذكية التي تستخدم شبكات التنقل الذكية: سلط سليم الضوء على مبادرة دبي الذكية بدولة الإمارات، والتي تهدف لتقليل الازدحام المروري من خلال تحويل 25% من وسائل النقل إلى وسائل النقل ذاتية القيادة بحلول عام 2030 والتي من المتوقع أن توفر 6 مليارات دولار سنويا من حيث القوة الشرائية الاستهلاكية على أساس التوفير المتوقع من استخدام كميات أقل من الوقود، ووقوع عدد أقل من الحوادث، وتقليل أوقات التنقل بمقدار 20 إلى 30 دقيقة في المتوسط، وخفض انبعاثات الكربون. وفي أبو ظبي، أشار سليم أيضا إلى مشروع مدينة مصدر التابع لشركة مبادلة لبناء مشروع صديق للبيئة ومنخفض الكربون يسكنه نحو 40 ألفا.

لدى السعودية أيضا بعض المشروعات الطموحة قيد التنفيذ: سيستخدم مشروع نيوم الذي يجري إنشاؤه في السعودية نموذجا للتنقل لا يعتمد بشكل كامل على مصادر الطاقة المتجددة فحسب، بل لا يحتوي على سيارات أو طرق. وبدلا من ذلك، سيعتمد التنقل على الحافلات الكهربائية ذاتية القيادة وأنظمة النقل تحت الأرض عالية السرعة.

لدى مصر أيضا بعض المشروعات قيد التنفيذ والتي تركز على فكرة التنقل الذكي. ستكون العاصمة الإدارية الجديدة أول مدينة ذكية ضخمة في البلاد، وفقا لسليم، ومن المتوقع أن تستوعب نحو 7 ملايين شخص. وصممت المدينة كي تعمل باستخدام أنظمة التنقل الذكية لإدارة حركة المرور وتشجيع النقل العام، مع وجود أجهزة استشعار للازدحام المروري تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ونظام مراقبة ذكي، ومركز عمليات ذكي لعمليات المرور.

هذه ليست أول محاولة لمصر لتبني أنظمة التنقل الذكية: جاءت العاصمة الجديدة في أعقاب التنفيذ الناجح لشبكات ومدن التنقل الذكية الأصغر حجما في مصر مثل مدينة العلمين الجديدة، ومدينة مصر الدولية للألعاب الأولمبية، وحديقة برج العرب التكنولوجية.

هناك مشروعات مقترحة عبر الحدود يمكن أن تحول المنطقة، بحسب سليم. من شأن إنشاء جسر مصري سعودي - يربط الخليج بمصر وشمال أفريقيا حتى منطقة المغرب العربي - أن "يحول الاستدامة والسياحة والتجارة والخدمات اللوجستية في المنطقة إلى مستوى جديد تماما"، بحسب سليم، الذي يقترح إنشاء شبكة سكك حديدية للتنقل الذكي على المستوى العربي، والتي "إذا جرى تنفيذها، فمن شأنها أن تعمل على تحسين سبل العيش المستدامة في المنطقة والأفق التجارية للعالم ككل".

ومع ذلك، لا تواكب جميع بلدان المنطقة هذه التطورات: بينما تخطط السعودية والإمارات وقطر وعمان ومصر وتقوم بالفعل بتنفيذ مدن ذكية وأنظمة تنقل ذكية، تتخلف مناطق أخرى في المنطقة عن الركب، وهي السودان وفلسطين، ويعود هذا الانقسام إلى ازدياد قيود التمويل وعدم الاستقرار الأمني.

المنطقة ككل متخلفة أيضا عن الركب عالميا: استثمرت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مدى السنوات العديدة الماضية نحو 2.3 مليار دولار في مشروعات التنقل الذكي سنويا، وهو ما يمثل 1.9% فقط من الإنفاق العالمي البالغ 122 مليار دولار سنويا، وفقا لسليم. وبحلول عام 2030، من المتوقع أن تصل إمكانات السوق العالمية لاستثمارات التنقل الذكي إلى 250 مليار دولار وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 6 مليارات دولار فقط.

حدد سليم ستة تحديات تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في رحلتها نحو التوسع في التنقل الذكي:

  • ضمان الوصول الرقمي للجميع: فمن دون دقة البيانات والبنية التحتية الرقمية القوية، ستفشل دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في توفير أسلوب حياة رقمي مقبول لجميع المواطنين.
  • تحقيق القبول: من أجل اعتمادها من قبل السكان، يجب تقديم أنظمة التنقل الذكية كخدمات فعالة وبأسعار معقولة ويمكن الوصول إليها. في حين أن الفئة السكانية الأصغر سنا يظهرون مستويات مرتفعة من القبول للتنقل الذكي، إلا أن هناك مقاومة أكبر من قبل الشرائح الأكبر سنا من السكان.
  • تتبع التغيير: ستوفر أطر المراقبة لتقييم ورصد مدى التقدم المحرز بموجب المقاييس والمعايير البيئية والمجتمعية ومعايير الحوكمة بيانات مستمرة ودقيقة لفهم أنظمة التنقل الذكية وتطويرها بشكل أفضل.
  • التعاون بشكل أفضل: ينبغي للبلدان أن تبحث عن مشروعات تنقل ذكية تعاونية إقليمية، كالمطارات الإقليمية، والقطارات ذاتية القيادة بين الدول، وأطر التمويل لدعم استثمارات التنقل الذكي.
  • رفع مهارات القوى العاملة: تثقيف القوى العاملة حول إنتاج واستخدام ومراقبة أنظمة التنقل الذكية مع التركيز على تشجيع الابتكار المستمر.
  • ضمان الانفتاح: تحديث وتنسيق الأطر التشريعية في جميع أنحاء المنطقة لتعزيز مشروعات التنقل الذكي.

أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع:

  • مصر بصدد إطلاق أول مشروع لتخريد السفن: وقعت الشركة القابضة للنقل البحري والبري، المملوكة للدولة، مذكرة تفاهم مع شركة الوحدة للتنمية الصناعية لإنشاء أول مشروع من نوعه في البلاد لتخريد السفن بالقرب من ميناء دمياط.
  • منشأة لتخزين الحبوب الروسية في مصر؟ أرسلت شركة مصرية إلى الحكومة الروسية دراسة جدوى لإنشاء مركز لتخزين الحبوب الروسية والتعامل معها في بورسعيد أو دمياط أو السخنة، وفق تصريحات وزير التجارة والصناعة أحمد سمير لوكالة الأنباء الروسية ريا نوفوستي.