على مدى سنوات، ارتبط تحويل الأساطيل التجارية في مصر للعمل بالكهرباء بعناوين الاستدامة أكثر من ارتباطه بحسابات الربح والخسارة. ولكن مع وصول أسعار الديزل إلى 20.50 جنيه للتر بدءا من أمس، وحديث الهيئة العامة للرقابة المالية عن إلزامية خفض الانبعاثات الكربونية، بدأت الحسابات تتغير. فقريبا جدا، قد يصبح التمسك بمحركات الاحتراق التقليدية عبئا ماليا.
لماذا يكتسب هذا الأمر أهمية؟ طالما شكلت التكلفة الرأسمالية المرتفعة للشاحنات الكهربائية الجديدة العقبة الأكبر التي تحول دون هذا التحول؛ إذ تزيد الأسعار بنسبة تتراوح بين 40% إلى 80% مقارنة بمثيلاتها التقليدية. وهنا تقدم شركات مثل "شيفت إي في" نموذج "التحول كخدمة". ففي هذا النموذج، تتحمل الشركة تكلفة تحويل الأساطيل الحالية التي تعمل بالديزل، على أن يسدد صاحب الأسطول هذه التكلفة عبر اشتراك شهري يُمول من وفورات إحلال الوقود. يتيح هذا النموذج لعملائه عدم تحمل أي تكاليف رأسمالية مقدمة، مع خفض فوري في المصاريف التشغيلية بنسبة 60% من اليوم الأول.
وقد بدأ القطاع الخاص بالفعل في اتخاذ خطوات جادة؛ إذ تمتلك مصر حاليا "أكبر عدد من المركبات الكهربائية على الطريق من حيث نسبتها إلى إجمالي المركبات، وأعلى مبيعات للمركبات الكهربائية في القطاع التجاري مقارنة بأي دولة أخرى في أفريقيا والشرق الأوسط"، بحسب ما صرح به علي الطيب، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة "شيفت إي في"، لإنتربرايز. وأضاف أن السيارات الكهربائية تستحوذ الآن على حصة كبيرة تصل إلى 5% من إجمالي سوق المركبات التجارية في مصر.
وتعمل شركة إيديتا للصناعات الغذائية علىتحويل أسطولها المكون من 1200 شاحنة إلى أسطول من الشاحنات الكهربائية من خلال شراكة مع "شيفت إي في". كذلك يعمل بنك الإسكندرية وشركة "بلو إي في" التابعة لشركة أوراسكوم للاستثمار القابضة على تطوير نموذج تمويل متناهي الصغر لتحويل أسطول توصيل الطلبات بالدراجات النارية في مصر إلى الدراجات الكهربائية.
الفكرة
عامل الكربون: برز محفز رئيسي جديد الشهر الماضي من الهيئة العامة للرقابة المالية، إذ تلزم القواعد الجديدة المؤسسات المالية غير المصرفية التي يتجاوز رأسمالها 100 مليون جنيه بالإفصاح عن انبعاثاتها وخفض 20% من بصمتها الكربونية عبر سوق الكربون الطوعي في مصر. ومع امتداد هذا الإلزام تدريجيا ليشمل الشركات الكبرى، سيصبح امتلاك أسطول كهربائي وسيلة لتوفير التكاليف ومصدرا لشهادات الكربون القابلة للتداول، أو على الأقل وسيلة لتجنب تكاليف خفض الانبعاثات الإلزامية.
التكلفة هي المحرك: "تعاملنا مع 30 عميلا مختلفا، ما بين شركات متعددة الجنسيات، وشركات مصرية رائدة، ومؤسسات مملوكة للدولة، وثمة قاسم مشترك يجمعهم: التحول الأخضر لا يحمل سوى معنى واحد بالنسبة لهم، وهو تحقيق وفورات في التكاليف. لقد كنا على الدوام مدركين تماما أن منتجنا هو في الأساس منتج لتوفير النفقات"، بحسب الطيب.
بالأرقام: يعد العنصر الرئيسي المتمثل في التكلفة المالية هو الفجوة الآخذة في الاتساع بين أسعار الكهرباء والديزل. إذ إن قيادة مركبة لمسافة 100 كيلومتر بالكهرباء تتكلف ما بين 50 إلى 65 جنيها، في حين تتكلف نفس المسافة لشاحنة تعمل بالديزل (بمتوسط استهلاك لتر لكل 8 كيلومترات) نحو 220 جنيها.
وفورات في ورش الإصلاح: ارتفعت تكاليف صيانة الشاحنات بنحو "ثلاث إلى خمس مرات" خلال السنوات القليلة الماضية، ولكن عند تحديث المركبة وتحويلها إلى الكهرباء، يجري القضاء على ما يصل إلى 80% من تكاليف التشغيل المرتبطة بالصيانة، لا سيما أن المركبات الكهربائية تحتوي على أجزاء متحركة أقل بنسبة 60%.
تحديث المركبات يقلل تكاليف الاستبدال: يشير الطيب إلى أن الحفاظ على كفاءة الأساطيل يتطلب تحديث المركبات واستبدالها بموديلات أحدث بانتظام، وهي مهمة تزداد تكلفة في ظل ارتفاع أسعار السيارات خلال السنوات الأخيرة. ويضيف: "عندما نعرض تحديث وتحويل المركبات، فإننا نمنحها عمرا ثانيا يتراوح بين 8 إلى 12 عاما إضافية على الطريق. ويلغي المضي قدما في هذه الخطوة نفقات رأسمالية ضخمة؛ إذ إن أسطولا يتكون من 100 شاحنة متوسطة الحجم، قد يصل التوفير إلى 100 مليون جنيه".
ومع ذلك، تظل قيود الشبكة الكهربائية وتكاليف البنية التحتية للشحن تشكل تحديا. ففي حين يسهل تحويل مركبات الميل الأخير — من الدراجات والشاحنات الصغيرة — يظل الشحن الكهربائي للشاحنات الثقيلة المخصصة للمسافات الطويلة أمرا صعبا بسبب قيود الشبكة وتأثر البطاريات بالحرارة. كذلك تواجه الشركات تكاليف خفية في تطوير مستودعاتها، إذ قد يحتاج أسطول مكون من 25 شاحنة صغيرة طاقة تعادل ما يستهلكه 40 منزلا.
ماذا بعد؟
يتوقع الطيب أن نشهد "مستويات أعلى من انتشار المركبات الكهربائية" خلال أعوام قليلة، بما في ذلك التوسع من سوق يركز على الشركات (B2B) فقط إلى سوق يركز على الشركات وعلى المستهلكين الأفراد أيضا (B2C). وأضاف: "أعتقد أن المستقبل هنا مشرق للغاية من حيث معدلات التبني".
قد نشهد دخول المزيد من اللاعبين الدوليين: يتدخل شركاء استراتيجيون، مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، لسد الفجوة التمويلية، مثلما حدث العام الماضي بتمويل توسعات الحافلات الكهربائية لشركتي أبو غالي موتورز وأيضا جو باص. وتشير هذه الخطوة إلى أن التمويل الأخضر المؤسسي يستهدف الآن قطاع النقل بشكل محدد.