يشهد سوق العقارات الإدارية والمكتبية في مصر تحولا، في ظل اتساع الفجوة بين العرض والطلب. وتبدي الشركات المحلية والدولية اهتماما أكبر بمساحات العمل المرنة وعالية الجودة. وفي حين يعمل المطورون ومقدمو المساحات المكتبية على تكثيف توسعاتهم، لا يزال السوق يواجه تحديات هيكلية تتعلق بأنماط التطوير وحجم المساحات وتفضيلات العمل المتغيرة في أعقاب الجائحة.

يكتسب السباق لتوسيع المعروض من المساحات المكتبية في القاهرة مزيدا من الزخم، لكن المطورين من جانبهم يواجهون تحديات. يشهد السوق نقصا في المساحات الكبيرة والممتازة من الفئة “أ”، وتحولا في الطلب نحو النماذج المرنة والهجينة. ومع ذلك، يشير الاتجاه الأوسع إلى إعادة تشكيل المشهد المكتبي في مصر، مدفوعا بدخول لاعبين عالميين مثل “آي دبليو جي”، ونمو الاستثمار الخليجي، وجاذبية القاهرة المتزايدة بوصفها مركزا إقليميا للأعمال.

وثمة عدم توافق واضح بين المساحات الإدارية المتاحة والطلب الفعلي، حسبما صرحت به رانيا نظمي، رئيسة قسم الاستشارات الاستراتيجية في شركة الاستشارات العقارية سفلز – مصر، خلال حديثها مع إنتربرايز. وقالت إن معظم المشروعات الجديدة تركز على الوحدات الصغيرة، في حين تبحث الشركات متعددة الجنسيات عن مساحات كبيرة من الفئة “أ” بمعايير تشغيلية متقدمة.

تسبب مضي العديد من المطورين قدما لبيع وحدات أصغر للمستثمرين الأفراد للحصول على سيولة سريعة في خلق خلل هيكلي، وفق ما قالت شيرين بدر الدين، مديرة العمليات في سفلز مصر لإنتربرايز، مضيفة أن هناك فائضا في المعروض من المكاتب الصغيرة، بينما يصعب العثور على المساحات الكبيرة. وتأكيدا على الأمر، قال كيتسبي لانجر-باجيت، رئيس مكتب سفلز – مصر، لإنتربرايز إن الشركات العالمية التي تدخل مصر تحتاج إلى مكاتب أكبر بثلاث إلى خمس مرات من تلك الموجودة في دبي أو الرياض، لكن السوق المحلي لا يزال يكافح لتلبية هذا الطلب.

ويشهد سوق المكاتب في مصر زخما قويا، فمن المتوقع أن ينمو إجمالي المعروض في القاهرة بنسبة 82% بحلول عام 2030 ليصل إلى 1.82 مليون متر مربع، حسبما صرح به جيمس لويس، المدير الإداري لشركة نايت فرانك في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لإنتربرايز. وقال إن هذا النمو يعكس توسع الاقتصاد المصري ومكانة القاهرة كونها مركزا إقليميا للأعمال. وبحسب فيصل دوراني، رئيس قسم الأبحاث لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في نايت فرانك، فإن أولويات الشركات تتحول أيضا من الموقع إلى الجودة، إذ يُنظر الآن إلى المساحات من الفئة “أ” على أنها عامل رئيسي لجذب المواهب والاحتفاظ بها. وأضاف أن إيجارات المكاتب الممتازة في المناطق الرئيسية بالقاهرة تتقارب أيضا مع اشتداد المنافسة على المساحات عالية المستوى.

وتهيمن القاهرة الجديدة على السوق بنحو 1.33 مليون متر مربع من المعروض الحالي والمرتقب — وهو الأعلى بين مناطق القاهرة — بمتوسط سعر بيع يبلغ 274 ألف جنيه للمتر المربع في النصف الأول من عام 2025، وفقا لشركة نايت فرانك. كذلك تلحق بها مناطق أخرى، حيث يبلغ متوسط سعر المتر المربع في الشيخ زايد 229 ألف جنيه، وفي السادس من أكتوبر 171 ألف جنيه للمتر المربع. يشير تقارب فجوة الأسعار إلى أن السوق يولي تركيزا أقل إلى الموقع، مع زيادة التركيز على الجودة، بحسب دوراني.

وأصبح قطاع العقارات الإدارية في مصر ثاني أكثر القطاعات جاذبية للمستثمرين الخليجيين، فقد ارتفع الاهتمام به إلى 49%، وهو ضعف الرقم المسجل في عام 2023، وفقا لنايت فرانك. ويعد أيضا الخيار الأول للمستثمرين السعوديين بنسبة 63%. وقال دوراني إن هذا الاهتمام مدفوع بصعود مصر السريع بوصفها مركزا إقليميا للتعهيد، بفضل انخفاض تكاليف التشغيل بنسبة 50-60% مقارنة بأوروبا والولايات المتحدة، ووفرة المواهب متعددة اللغات.

أصبح مقدمو مساحات العمل المرنة محوريين في منظومة المكاتب بالقاهرة، وفق ما قالته نظمي. وتساعد المكاتب المشتركة في سد جزء من فجوة السوق، بالإضافة إلى أنها تلقى رواجا لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة، بل ولدى بعض الشركات العالمية التي تبحث عن المرونة دون التزامات طويلة الأجل. أصبحت مصر واحدة من أسرع أسواق “آي دبليو جي” نموا على مستوى العالم، فقد توسعت من عشرة مراكز إلى أكثر من 30 مركزا في أقل من عامين، وفق ما قاله مارك ديسكروزايل، المدير الإقليمي لشركة “آي دبليو جي” لإنتربرايز. وأضاف أن المجموعة تكثف استثماراتها في مصر بناء على إمكاناتها الاقتصادية والتحول القوي نحو العمل المرن. ومع ذلك، لا تزال مصر تواجه “فجوة واضحة” بين العرض والطلب، خاصة في الشرائح الصغيرة والمتوسطة الحجم التي يفضلها رواد الأعمال، حسبما صرح به كوري طومسون، نائب المدير الإقليمي لـ “آي دبليو جي” في أفريقيا والشرق الأوسط، لإنتربرايز. وأضاف أن “آي دبليو جي” تخطط أيضا لافتتاح أكبر مركز لها عالميا في مصر، يمتد على مساحة 17 ألف متر مربع في شارع التسعين الجنوبي بالقاهرة الجديدة قبل نهاية هذا العام.

يعتمد توسع “آي دبليو جي” على شراكات مع مطورين محليين، مما يسمح بالتوسع السريع مع الحفاظ على المعايير العالمية، بحسب يوسف نجيب، الرئيس التنفيذي لشركة “آي دبليو جي مصر”. وأضاف نجيب أن هذا النموذج يدعم خطط الشركة للتوسع في العاصمة الإدارية الجديدة والساحل الشمالي والجونة والإسكندرية وصعيد مصر. وأضاف أن شركات التكنولوجيا والتمويل والتعهيد هي المحركات الرئيسية للطلب على مساحات “آي دبليو جي” في مصر، حيث قفز التعهيد إلى المراكز الثلاثة الأولى في العام الماضي. وقال طومسون إن توسع “آي دبليو جي” في مدن جديدة لا يهدف فقط إلى تلبية الطلب الحالي، بل وأيضا إلى بناء الوعي وتشكيل الطلب المستقبلي. وأوضح مفتاح النجاح يكمن في الدخول المبكر إلى السوق. كذلك أشار ديسكروزايل إلى إن هدف “آي دبليو جي” يتمثل في تقديم حلول عمل مرنة في كل مدينة مصرية، كي يتمكن رواد الأعمال والشركات من العثور على مساحة مناسبة وبأسعار معقولة في أي مكان في البلاد.

وتعد شركة تبارك القابضة من بين المطورين المحليين الذين يتكيفون مع هذا التحول، وفق ما صرح به رئيس مجلس الإدارة علي الشرباني لإنتربرايز. وتركز الشركة على المكاتب المرنة والهجينة من الفئة “أ” المصممة بالقرب من محاور النقل الرئيسية والمطارات، مع خيارات تأجير قصيرة الأجل للشركات التي تبحث عن مرونة تشغيلية.

يمكن أن تساعد صناديق الاستثمار العقاري في تخفيف النقص في المساحات الإدارية الكبيرة من خلال الاستحواذ على أصول وتأجيرها لكبار المستأجرين، بحسب بدر الدين. وأشارت إلى أن أسعار المساحات المكتبية الممتازة في القاهرة لا تزال تنافسية عند 723 دولارا للمتر المربع سنويا. ويتوقع معتز مسلم، رئيس خدمات المشروعات في نايت فرانك، أن يتجه السوق نحو المكاتب المستدامة التي تعطي الأولوية لرفاهية الموظفين وكفاءة الطاقة. وأضاف أنه ينبغي للمطورين التركيز على التصميم الذكي والمرونة بوصفها عوامل تمييز رئيسية.

خلال فعاليات منتدى إنتربرايز مصر 2025، اتفق قادة العقارات والتكنولوجيا على أن القدرة على التكيف ستحدد العقد القادم. تتحول المدن نحو مشروعات متعددة الاستخدامات تدمج بين السكن والعمل والترفيه، في حين ستعيد الثقافة والرفاهية تشكيل أولويات الأجيال الشابة. وقال الخبراء إن الذكاء الاصطناعي سيعيد تعريف الوظائف والمهارات، لكنه لن يحل محل الإبداع أو التفاعل البشري. وبدلا من ذلك، سيجعلها أكثر قيمة. ومع المزيد من الفرص المحلية، قد تبدأ المواهب المصرية في الخارج في العودة إلى الوطن. وقد تشهد المناطق الحضرية مثل وسط القاهرة أيضا إحياء يمزج بين التاريخ والابتكار.


أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع:

  • يدرس جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة طرح 5 آلاف فدان أمام المستثمرين لتنميتها بوصفها مناطق لوجستية. وتخضع البنية التحتية للمناطق لعمليات التأهيل في الوقت الراهن، ومن المتوقع أن تستفيد المناطق اللوجستية من شبكة الطرق المحيطة لنقل المنتجات إلى الموانئ المصرية.
  • وقعت الشركة المصرية للإيثانول الحيويعقد تمويل مشترك طويل الأجل بقيمة 135 مليون دولار مع تحالف مصرفي يضم سبعة بنوك، تُوجَّه لإنشاء أول مصنع للإيثانول الحيوي في مصر بمحافظة دمياط. وسينتج المشروع 100 ألف طن سنويا من الإيثانول الحيوي اعتمادا على مولاس بنجر السكر.