البنية التحتية تعد العمود الفقري لكل اقتصاد ناجح.. ولكنها ليست رخيصة بالتأكيد: تحتاج أفريقيا ما بين 130 و170 مليار دولار سنويا لتمويل البنية التحتية لتحقيق أهداف البنك الأفريقي للتنمية، وفق ما ذكره المقرض الأفريقي في أحدث تقريره(بي دي إف). ولتطوير كل هذه المشاريع المتعلقة بالنقل والمرافق والطاقة في جميع أنحاء القارة، يلجأ القطاعان العام والخاص في أفريقيا بشكل متزايد إلى الشركات المصرية لتصميم وبناء وحتى إدارة العديد من هذه المشاريع.
على الرغم من الطموح الكبير، تواجه القارة فجوة تمويلية تبلغ 96 مليار دولار، ويعزو التقرير ذلك إلى تحول الأولويات المالية بعيدا عن الإنفاق التنموي طويل الأجل الذي بدأ مع جائحة كوفيد-19. ويرى البنك الأفريقي للتنمية أن نحو 40% من انخفاض معدلات الإنتاجية في الدول الأفريقية يمكن أن تُعزى “مباشرة إلى البنية التحتية المحدودة”، مما يؤدي إلى خسارة كبيرة تبلغ 2 نقطة مئوية في متوسط النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي لكل دولة.
لكن البنك الأفريقي للتنمية يرى أن الوضع قد بدأ في التحول، إذ تعطي الدول الأفريقية الأولوية “للبنية التحتية ليس فقط كأداة تنموية ولكن كرافعة للتنافسية الاقتصادية وأداة جيوسياسية للمرونة وإعادة الاصطفاف”. وإلى جانب التقدم في خفض التعريفات الجمركية بين الدول الأفريقية بقيادة منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، تعتبر البنية التحتية أيضا حاجزا غير جمركي بالغ الأهمية تسعى القارة لإزالته. “البنية التحتية الفعالة والمترابطة، بما في ذلك شبكات الطاقة عبر الحدود، والسكك الحديدية، والموانئ، والممرات التجارية، ضرورية لتوسيع التجارة البينية الأفريقية، وتقليل تكاليف الخدمات اللوجستية، وتمكين التحول الهيكلي لأفريقيا”، وفقا للتقرير.
يعد ضعف البنية التحتية مساهما رئيسيا في ارتفاع الأسعار — ومعها انخفاض التجارة البينية الأفريقية. ومن العوامل الرئيسية التي تجعل المنتجات من الدول الأفريقية الأخرى إما غير شائعة في أرفف المتاجر أو باهظة الثمن بشكل غير عادي، هو أن تكاليف النقل البري تشكل 29% من تكلفة المنتجات المتداولة بين الدول الأفريقية، وفقا للبنك الأفريقي للتنمية.
في الوقت الحالي، 16 دولة فقط من أصل 52 دولة أفريقية تستورد أكثر من 0.5% من سلعها الوسيطة من داخل أفريقيا. على الرغم من أنها كلها تقع في نفس القارة، فإن الواردات من خارج أفريقيا غالبا ما تكون أرخص — وهي المعضلة التي يحاول الاتحاد الأفريقي والبنك الأفريقي للتنمية والعديد من الجهات الأخرى معالجتها.
ليست الطرق الرديئة وحدها التي تجعل المنتجات الأفريقية باهظة الثمن؛ فإن ضعف البنية التحتية للطاقة يمثل مشكلة أيضا، خاصة مع افتقار أكثر من نصف الدول الأفريقية لإمدادات كهرباء موثوقة. إذ أن عدم موثوقية الطاقة أو عدم كفايتها يجعل التصنيع خيارا أقل جاذبية بكثير، خاصة إذا كنت مستثمرا أجنبيا. وتتأثر الزراعة أيضا بشكل خاص بنقص إمدادات الطاقة، والذي يقول البنك إنه عامل مساهم كبير في أن 10% فقط من الأراضي الصالحة للزراعة في أفريقيا مزروعة و6% مروية.
يستحوذ توسيع نطاق الوصول إلى المياه والصرف الصحي على حصة الأسد من الاحتياجات التمويلية المتوقعة، حيث تحتاج القارة ما بين 56 و66 مليار دولار سنويا لتحقيق هدفها المتمثل في الوصول الكامل للمياه في كل من المناطق الحضرية والريفية.
كان كل من الشركات المملوكة للدولة والقطاع الخاص نشطين على هذه الجبهة في القارة، بما في ذلك مشاريع كبرى مثل الشراكة بين القطاعين العام والخاص بين أوراسكوم كونستراكشون وذراعها بيسكس لبناء محطة الحامة لتحلية مياه البحر في الجزائر بتكلفة 257 مليار دولار. وكانت شركة المقاولون العرب المملوكة للدولة هي الشركة المصرية الأبرز التي تعمل في مشاريع متعلقة بالمياه في أفريقيا، حيث وقعت عقودا لتنفيذ ست محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي في ساحل العاج وانتهت من تنفيذ محطة لمياه الشرب في غينيا الاستوائية.
من المتوقع أن تكون احتياجات البنية التحتية للطاقة مكلفة للغاية، إذ تتراوح ما بين 25 و50 مليار دولار سنويا لتحقيق هدف البنك المتمثل في التزويد الكامل للمدن بالكهرباء، وتغطية المناطق الريفية بنسبة 95%.
مرة أخرى، لعبت الجهات الفاعلة في القطاعين الخاص والعام من الداخل دورا حيويا في المشاريع الكبيرة والصغيرة. على الجانب الكبير، هناك محطة وسد جوليوس نيريري للطاقة الكهرومائية في تنزانيا بقيمة 2.9 مليار دولار، والتي جرى تصميمها وبناؤها من قبل شركة مشتركة بين المقاولون العرب وشركة السويدي إليكتريك، بمساعدة ألف عامل مصري. السويدي إليكتريك تتواجد في الجزائر وإثيوبيا ونيجيريا وزامبيا والمغرب وبوركينا فاسو وأوغندا وكينيا وليبيا وساحل العاج ومدغشقر عبر مجموعة من مشاريع الكهرباء والنقل. أقامت شركة بيسكس التابعة لأوراسكوم كونستراكشون مشروعا للطاقة الكهرومائية على نهر ساناغا في الكاميرون في عام 2023، والذي يغطي نحو 30% من احتياجات البلاد من الطاقة.
تتطلع دول أفريقية أخرى إلى مصر للمساعدة في مشاريع الطاقة الشمسية على وجه الخصوص، إذ من المتوقع أن تتولى الشركات المصرية مشروعات بأكثر من 5 مليارات دولار في القارة السمراء خلال السنوات الخمس المقبلة، حسبما أفادت مصادر مطلعةلإنتربرايزسابقا.
الطائرات والقطارات والمركبات — بالإضافة إلى كل ما نحتاجه لنقل البضائع والأشخاص — تأتي أيضا بتكلفة باهظة، بتقدير يبلغ 35 مليار دولار كحد أدنى و47 مليار دولار كحد أقصى.
مرة أخرى، تتمتع شركة المقاولون العرب بحضور كبير في البنية التحتية اللوجستية، مع العديد من المشاريع التي تقوم بها الشركة المملوكة للدولة والتي تمتد عبر القارة بأكملها. وللشركة العديد من مشاريع الطرق المكتملة أو قيد التنفيذ في عدة دول أفريقية، بما في ذلك طريق بطول 1700 كيلومتر يربط بين مصر وليبيا وتشاد.
تعمل مصر أيضا على إنشاء منطقة لوجستية في رواندا في خطوة من شأنها أن تساعد الشركات المصرية في الوصول إلى السوق الرواندية، والتي ستستوعب بواسطة ممر لوجستي يربط تنزانيا ورواندا في محاولة لتسهيل تدفق الصادرات المصرية إلى أفريقيا. كما وقعت مصر والسودان عقدا لإنشاء منطقة لوجستية في المعابر الحدودية المشتركة بين البلدين الشهر الماضي، مع تقارير عن مشروع مماثل مع ليبيا. وقد عملت الشركات المحلية أيضا على العديد من مشاريع تطوير الموانئ، بما في ذلك مشروع ميناء جزر القمر التابع لشركة المقاولون العرب بقيمة 60 مليون يورو.
أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع:
- ضخت مبادرة الحزام والطريق الصينية استثمارات بقيمة 4.8 مليار دولار في مصر خلال النصف الأول من عام 2025، لتصبح البلاد بهذا ثالث أكبر وجهة استثمارية للمبادرة على مستوى العالم — بعد كازاخستان وتايلاند.
- تعتزم شركة تيدا مصر استثمار 100 مليون دولار لتطوير البنية التحتية لقطعة أرض صناعية بمساحة 2.9 كيلومتر مربع في المنطقة الصناعية بالعين السخنة، وذلك بالشراكة مع شركة التنمية الرئيسية.
- أنشأت طلبات مارت، ذراع البقالة والبيع بالتجزئة التابعة لشركة طلبات، مركز توزيع بمساحة 22.4 ألف متر مربع — وهو الأكبر بالنسبة للشركة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا — في مجمع ينمو اللوجستي شرق القاهرة.