تبدو المنظومة اللوجستية في مصر مثالية من الناحية النظرية. فقد توسعت الموانئ، وتحسنت الإجراءات الجمركية، ونمت طاقات التخزين بسرعة البرق، بالتوازي مع طفرة التجارة الإلكترونية. لكن النظام يتعثر غالبا قبل الوصول إلى عتبة الباب مباشرة. إذ تظل مرحلة “الميل الأخير” — وهي المرحلة النهائية لتسليم الطرد من المندوب إلى العميل — واحدة من أكثر مراحل عملية التوصيل تكلفة وأقلها موثوقية في مصر. وبالنسبة لمنصات التجارة الإلكترونية وشركات الشحن، تعد هذه هي المرحلة التي تتبخر فيها هوامش الأرباح.

عقبات هيكلية تعيق التسليم

“الميل الأخير هو المرحلة الأصعب في عمليات التوصيل بمصر”، حسبما صرح به أدهم الملا، مدير العمليات الأول في بارجو مصر، في حديثه مع إنتربرايز. وأشار الملا إلى تحديات هذه المرحلة من عمليات الشحن، مثل العناوين غير الواضحة، والازدحام المروري الكثيف، وعدم وجود العملاء في المنازل خلال أوقات التوصيل. ويضيف الملا أن هذه المشكلات تقود إلى حلقة مفرغة من عمليات التسليم الفاشلة، والمحاولات المتكررة، والتنسيق الهاتفي المستمر بين المندوبين والعملاء، وهو أمر معهود على الأرجح بين جميع عملاء خدمات الشحن والتوصيل في مصر.

كذلك تزيد المناطق السكنية غير المخططة من تعقيد المشكلة. ففي ظل غياب عناوين دقيقة وموثوقة، يعتمد السائقون على المعالم البارزة ووصف الطريق عبر الهاتف، مما يضيف وقتا وتكلفة وقود إضافية لكل عملية تسليم. وفي المجمعات السكنية المغلقة (الكمبوندات)، غالبا ما تمنع الإجراءات الأمنية السائقين من الدخول بحرية، وهذا يتسبب في مزيد من التأخير. وتضيف كل محاولة تسليم فاشلة تكاليف مباشرة على شركات الشحن وتكاليف غير مباشرة على تجار التجزئة، بدءا من شكاوى العملاء وصولا إلى المرتجعات وفقدان الثقة.

التحول بعيدا عن عتبة باب المنزل

من أجل كسر هذه الحلقة، تتجه بعض شركات الخدمات اللوجستية للتخلي عن التوصيل للمنازل تماما. تقدم شركة “إم بوكس” أحد هذه الأساليب ، الذي يعتمد على تركيب خزائن ذكية آلية تعمل بوصفها نقاط مشتركة للاستلام والتسليم. وبدلا من الشحن إلى عنوان المنزل، يختار العميل خزانة قريبة أثناء إتمام الشراء. “نحن نحل أزمة الميل الأخير”، وفق ما قال أيمن هنداوي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “إم بوكس”، في حديثه مع إنتربرايز. وأوضح هنداوي أن المشكلة الجوهرية تكمن في محاولات التسليم الفاشلة، مضيفا: “بالنسبة لشركات الخدمات اللوجستية، تعد هذه الإخفاقات سببا رئيسيا لزيادة التكلفة، وبالنسبة للعملاء، تشكل مصدرا دائما للإحباط”.

وبمجرد أن يودع المندوب الطرد، يتلقى العميل رمز استجابة سريعة، ويستطيع حينها استلام طرده في أي وقت. ويقول هنداوي إن خزائن “إم بوكس” مثبتة حاليا في المولات، ومحطات الوقود، والمجمعات السكنية، ومحطات المواصلات الرئيسية؛ فهي مواقع مصممة لتندمج بشكل طبيعي في الروتين اليومي. ويضيف: “بالنسبة لشركات الخدمات اللوجستية، تحل المحطات الآلية محل المكاتب التقليدية”، مشيرا إلى أن التصنيع المحلي لهذه الخزائن يسمح لشركته بالتخصيص والتوسع بشكل أسرع من أنظمة الخزائن المستوردة.

ويروج هنداوي للخزائن أيضا بوصفها خطوة نحو الاستدامة. فمن خلال دمج عدة شحنات منزلية في نقطة تسليم واحدة، تقلل “إم بوكس” المسافات التي يقطعها المندوبون، واستهلاك الوقود، وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مما يجعل كفاءة الميل الأخير سبيلا لتعزيز الاستدامة البيئية في القطاع.

خدمة استلم بنفسك عبر المتاجر المجاورة

تعالج بارجو نفس المشكلة ولكن من زاوية مختلفة، وهي توصيل الطرود إلى المتاجر المجاورة بدلا من الخزائن أو المنازل.

“تكمن الفكرة في فك الارتباط بين المندوب والعميل”، بحسب الملا. إذ يحمل المندوبون الشحنات إلى نقطة تجارية معتمد — أي إحدى نقاط التوصيل الخاصة التي تخص بارجو — مما يضمن نجاح التسليم من المرة الأولى. ثم يستلم العملاء طرودهم في الوقت المناسب لهم من خلال رمز سري يستخدم لمرة واحدة ويُرسل عبر الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني أو واتساب.

وتتضمن شبكة بارجو لنقاط التسليم المعتمدة هذه سلاسل المتاجر، ومراكز التكنولوجيا المالية، وتجار التجزئة المحليين. وبالنسبة لأصحاب المحلات، يقول الملا إن القيمة تتجاوز مجرد توفير الخدمات اللوجستية؛ لأن “30 إلى 50% من العملاء الذين يأتون لاستلام طرد ينتهي بهم الأمر بشراء شيء ما من المتجر”، مما يحول عملية التسليم إلى محفز لزيادة حركة الزبائن بدلا من كونها مصدرا للإزعاج، بحسب الملا.

ما الذي ينجح.. وما الذي يعطل التقدم؟

يشترك النموذجان في ميزة واحدة، وهي تجميع الشحنات. فمن المؤكد أن توصيل عشرات الطرود إلى موقع واحد، يكون أرخص وأسرع وأكثر قابلية للتنبؤ مقارنة بتوصيل كل طرد على عتبة باب المنزل. لكن التوسع في مصر يأتي بقيود فريدة.

يقول هنداوي إن التحدي الأكبر لـ “إم بوكس” هو تثقيف السوق. ويوضح: “الخزائن الذكية سائدة في أوروبا ودول الخليج، لكنها لا تزال جديدة على السوق المصرية”. إذ إن إقناع تجار التجزئة ومديري العقارات والمطورين بأن البنية التحتية المشتركة للتوصيل هي أمر أساسي — وليست رفاهية — يستغرق وقتا طويلا.

ويشير الملا إلى أن سلوكيات الدفع تمثل عائقا رئيسيا. ويضيف: “عندما انطلقنا في مصر، كان الاعتماد على الدفع النقدي بمثابة تحد لم نره في أسواق أخرى”. واستجابت بارجو لهذا من خلال بناء خيار الدفع عند الاستلام، مما يسمح للعملاء بالدفع نقدا في نقاط الاستلام، وهي خطوة يصفها الملا بأنها الحلقة المفقودة للوصول إلى شريحة واسعة من السوق.

دروس من الأسواق الأخرى

في أوروبا ودول الخليج، توسعت الخزائن ونقاط الاستلام بسرعة؛ ويُعزى الفضل في هذا إلى أنظمة العناوين الواضحة، والأتمتة، والتعاون بين البلديات والمطورين العقاريين ومشغلي الخدمات اللوجستية. ويرى هنداوي أننا بحاجة إلى تنسيق مماثل محليا، مشيرا إلى أن الدعم الحكومي — خاصة تسهيل تصاريح تركيب الخزائن في الأماكن العامة — من شأنه تسريع تبني هذه الحلول وتشجيع منصات التجارة الإلكترونية الكبرى على دمج نماذج التوصيل البديلة.

الصورة الكاملة

لم تعد مشكلة الميل الأخير في مصر تتعلق بالبنية التحتية للموانئ أو المخازن؛ بل بالبنية التحتية المصغرة داخل الأحياء، وبما إذا كان المستهلكون مستعدين للتوقف عن توقع وصول الطرود إلى أبواب منازلهم. ويختتم الملا قائلا: “مع معدل نجاح 100% في التسليم من المرة الأولى، يصعب تجاهل هذا المنطق”. والسؤال الآن هو ما إذا كانت الخزائن ونقاط الاستلام ستظل حلولا متخصصة أم ستصبح الطريقة الافتراضية التي تنجح بها مصر أخيرا في حل اللغز الأصعب لمشكلة الميل الأخير.