تواجه مستهدفات مصر للتوسع على صعيد البنية التحتية اللوجستية مشكلة تتعلق بالتنسيق. فمع أن الحكومة أمضت سنوات في بناء الموانئ والمناطق اللوجستية والبنية التحتية البحرية، يبقى السؤال الأهم حاليا هو لماذا لم يُترجم هذا التوسع حتى الآن إلى تدفقات تجارية أكثر سلاسة وعوائد أكبر من العملات الأجنبية، وذلك وفق ما ورد في تقرير صدر مؤخرا عن مؤسسة ماكينزي. إذ ترى المؤسسة أن النقل واللوجستيات يمثلان أحد القطاعات القادرة على تحسين الميزان التجاري بدرجة كبيرة بحلول عام 2035، غير أن هذا التقدم يظل مرهونا بأن تركز المرحلة المقبلة من الاستثمارات على تحسين حركة المنظومة بصورة أكبر، وبصورة أقل على إضافة المزيد من الأصول.

الموانئ المصرية أقوى من المنظومة المحيطة بها

يتوقع تقرير ماكينزي نمو سوق النقل واللوجستيات من 26.9 مليار دولار في عام 2023 إلى 36.9 مليار دولار بحلول عام 2028. لا تفتقر البلاد إلى الأصول البحرية؛ إذ تمتلك 18 ميناء تجاريا، وأكثر من 40 ميناء نهريا، وما يزيد على 2000 كيلومتر من الممرات المائية الصالحة للملاحة، وعلى رأس كل هذا تمتلك قناة السويس، التي يمر عبرها نحو 12% من حركة التجارة العالمية. ومن شأن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أن تزيد من قيمة وجودها في هذا المحيط — على الأقل من الناحية النظرية — إذ تشير ماكينزي إلى أن المنطقة تقع "مباشرة على طريق التجارة الرئيسي بين الشرق والغرب" وتضم بالفعل 6 موانئ نشطة، فضلا عن قاعدة متنامية من المستأجرين.

تحتل مصر المرتبة 57 في مؤشر أداء الخدمات اللوجستية الصادر عن البنك الدولي، وتسبقها السعودية في المرتبة 38 والإمارات في المرتبة 7، ويُعزى السبب في هذا أنه برغم الاستثمارات الكبيرة في تحسين الموانئ، لا تستخدم الموانئ المصرية حاليا سوى نحو 68% من طاقتها الاستيعابية للحاويات". ويبرهن هذا على أن الأمر لا يتعلق ببناء مزيد من الموانئ، بل بمعرفة أسباب عدم جذب الموانئ الحالية لمزيد من التجارة والقيمة المضافة والعملات الأجنبية عبر المنظومة الحالية.

تعمل أجزاء من هذه المنظومة بشكل جيد بالفعل. وتشير ماكينزي إلى إدراج 5 موانئ مصرية في مؤشر أداء موانئ الحاويات لعام 2024، بما في ذلك ميناء بورسعيد، الذي احتل المرتبة 3 عالميا. لذلك لا يجادل التقرير بأن الموانئ المصرية تعاني من خلل، بل يؤكد وجود "أمثلة عديدة لأفضل الممارسات التي يمكن الاستفادة منها"، حتى إن كانت المنظومة الأوسع لا تزال بحاجة إلى "حوكمة أفضل وكفاءة تشغيلية لتقديم خدمات أسرع وأكثر موثوقية". وتعد هذه نقطة بداية مثيرة للاهتمام؛ إذ تمتلك مصر بالفعل موانئ قادرة على المنافسة، لكنها لا تمتلك حتى الآن منظومة لوجستية قادرة على ذلك باستمرار.

عنق الزجاجة الحقيقي يبدأ بمجرد خروج البضائع من الميناء

لم يعد التحدي اللوجستي القادم لمصر مقصورا على السعة البحرية وحدها، بل يتجاوزها فيمتد إلى ما يحدث بعد وصول البضائع. ويقول تقرير ماكينزي إن البنية التحتية للوجستيات والتخزين في البلاد "معزولة جغرافيا"، مع انتشار المرافق بطرق تخلق أوجه قصور يمكن تجنبها. ويكمن الحل الذي تقترحه المؤسسة في توحيد المخططات وإجراءات التشغيل، وربط المرافق من خلال بنية تحتية مشتركة لتكنولوجيا المعلومات، واستخدام منصة موحدة تتيح للمشغلين رؤية السعة المتاحة عبر الشبكة. ستسمح هذه الطريقة بتخزين البضائع بالقرب من مراكز الطلب، ونتيجة لهذا ستبدأ المنظومة في تقليل فترات التأخير والتكاليف بدلا من مجرد إضافة مزيد من المساحات.

وتمثل السكك الحديدية نقطة ضعف أخرى. إذ يوضح أن مصر قادرة على تسريع حركة الحاويات عن طريق "خطوط سكك حديدية موثوقة ومخصصة" بين الموانئ والموانئ الجافة الداخلية، إلى جانب خدمات النقل الترددي التي تنقل البضائع وفق جداول زمنية ثابتة كي تتجنب مزاحمة حركة الركاب. وكانت العبارة الأهم في هذا التقرير هي "مسارات شحن محمية تلتزم بجداول زمنية صارمة وثابتة"؛ لأن السمة الرئيسية لحركة السكك الحديدية هي أن تكون قابلة للتنبؤ، وإذا غابت هذه السمة سيصعب على المشغلين الملتزمين بمواعيد تسليم دقيقة التعامل معها بوصفها ركيزة لوجستية أساسية، وليست مجرد إضافة جيدة.

يفسر ذلك أيضا السبب في وصف التقرير المرحلة المقبلة من الاستثمار اللوجستي بأنها أقرب إلى جهود التنسيق منها إلى مشروع عملاق جديد. وتجادل المؤسسة بأنه "يمكن تحقيق مكاسب فورية منخفضة التكلفة" عن طريق إجراءات التشغيل الموحدة، ومشاركة البيانات، وجدولة إدارة الخانات الزمنية التي تنسق بين الجداول الزمنية للشحن والسكك الحديدية. بعبارة أخرى، لا تقتصر المشكلة اللوجستية في مصر على نقل مزيد من البضائع، بل تتعلق بجعل المنظومة المحيطة بالبضائع تعمل بتناغم.

فجوات سلاسل التبريد تهدر قيمة الصادرات المصرية

يسلط التقرير ضوءا على البنية التحتية لسلاسل التبريد، بوصفها أحد أبرز المجالات التي تنعكس فيها نقاط الضعف اللوجستية انعكاسا مباشرا على أداء الصادرات. وتعد سعة التخزين المبرد في مصر "صغيرة الحجم" مقارنة بالمعايير الأفريقية الأوسع، إذ تبلغ نحو 3 ملايين متر مكعب، في حين أن حجم المستودعات غالبا ما يكون صغيرا جدا لتلبية احتياجات سلاسل التوريد الحديثة. وتشير المؤسسة أيضا إلى افتقار البلاد للسعات المتخصصة، التي تتضمن التخزين فائق التبريد لمنتجات على شاكلة اللقاحات، إلى جانب المخاطر الإضافية الناجمة عن عدم استقرار التيار الكهربائي. وفي منظومة كهذه، لم تعد نجاعة نقل المنتجات سريعة التلف تقتصر على النقل وحسب، بل تحولت إلى أزمة موثوقية.

يكتسب ذلك أهمية خاصة بسبب الاتجاه الصعودي لقطاع الأعمال الزراعية في البلاد، الذي يرتبط بتقليل الهدر والحفاظ على القيمة في مراحل أعمق من سلسلة التوريد. ويستشهد التقرير بدراسات تظهر خسائر كبيرة في قيمة المنتجات الطازجة، مرجعا إياها إلى "ارتفاع معدلات تلف المنتجات سريعة التلف، مثل العنب والطماطم، على طول سلسلة التوريد"، ويجادل بأن بعض المكاسب الأسرع يمكن أن تأتي من "محطات التعبئة الحديثة، والتخزين المبرد، ووجود أنظمة مراقبة جودة أقوى".

يبدو الحل اللوجستي واضحا ومباشرا إلى حد ما. إذ يدعو التقرير إلى إنشاء "مجمعات تبريد مؤمنة بشبكة كهرباء" بالقرب من أحزمة الإنتاج الرئيسية والمطارات والموانئ المهمة، إلى جانب أساطيل شاحنات تبريد متعددة الدرجات ومرافق للتوزيع المباشر قادرة على الحفاظ على درجات الحرارة أثناء النقل والتفريغ. من المؤكد أن هذه المتطلبات ليست من نوعية البنية التحتية البارزة التي تتصدر عناوين الأخبار الرئيسية، مثل توسعة الموانئ أو إنشاء مناطق لوجستية جديدة، بيد أنه بالأحرى الطريق الأقرب لتحقيق الشريحة التالية من المكاسب من العملات الأجنبية: أي حماية الصادرات الأعلى قيمة من التلف والتأخير والخسائر المرتبطة بالكهرباء، قبل أن تخرج من المنظومة.

وبغض النظر عن المشكلات القائمة، لا تحتاج مصر إلى البدء من الصفر؛ فالركائز الأساسية موجودة بالفعل، وتعمل بشكل جيد في بعض الأماكن. لكن ما ينقصها هو حلقة الوصل. "من شأن البنية التحتية المشتركة أن تغير منحنى الأداء"، سواء أكان ذلك يعني إنشاء "محطات خدمة شاملة" في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لقطاعات مثل السلع الاستهلاكية سريعة الدوران والأدوية والإلكترونيات، أم "منصة رقمية موحدة تربط المناطق اللوجستية" ليتسنى للمشغلين أخيرا المواءمة بين التخزين والنقل والطلب عبر الشبكة.