تقود طفرة الذكاء الاصطناعي الاستثمار في مراكز البيانات في الأسواق الناشئة، لكن مصر لم تشهد حتى الآن زيادة ملحوظة في الاهتمام من قبل المستثمرين. إذ إن الطلب العالمي على مراكز البيانات يتزايد بسبب التوسع في الصناعات كثيفة الاستخدام للبيانات، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء، حسبما قال محلل البنية التحتية الرقمية في وحدة أبحاث بي إم آي التابعة لمؤسسة فيتش سوليوشنز نيكولو لومباتي خلال ندوة عبر الإنترنت حضرتها إنتربرايز. وأوضح لومباتي أن هذا الأمر يدفع المستثمرين إلى استكشاف الأسواق الناشئة بوصفها وجهات جذابة لاستضافة مراكز البيانات، فمن المتوقع أن تنمو سوق الحوسبة السحابية العالمية من 743.5 مليار دولار في عام 2024 إلى أكثر من 2 تريليون دولار بحلول عام 2030. وبرغم موقع مصر المتميز في مفترق الطرق بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، فإنها لم تضع نفسها حتى هذه اللحظة على الخارطة بوصفها لاعبا مهما في مجال مراكز البيانات، حتى في ظل إحرازها بعض التقدم في وقت مبكر.
تحتضن مصر حاليا 5.5% فقط من مراكز البيانات في المنطقة، إذ تشير الأداة البحثية ” خريطة مراكز البيانات (DCM) ” إلى استضافتها 14 مركزا فقط، فيما تتصدر السعودية العالم العربي بـ 36 مركز بيانات، تعقبها الإمارات في المركز الثاني بـ 32 مركزا. بل إن سلطنة عمان تتفوق على مصر بعدد 15 مركز بيانات، مع أن عدد سكانها أقل بأكثر من 20 مرة عن عدد سكان مصر. كذلك تتخلف مصر عن العديد من جيرانها الأفارقة، إذ تتصدر جنوب أفريقيا القارة بـ47 مركز بيانات، تليها كينيا بـ18 مركزا.
ما هي الأسباب؟ نظريا تبدو الأسس واعدة. فمصر لديها القدرة على أن تكون مركزا رئيسيا لمراكز البيانات نظرا لموقعها عند مفترق الطرق بين قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا، كما أن لديها قدرات قوية على مستوى الاتصال عبر الكابلات البحرية، بجانب المساحات الواسعة من الأراضي المجانية التي يمكن استخدامها. لكن انطلاقة القطاع اتسمت بالبطء نتيجة الفجوات في البنية التحتية، والتكاليف التشغيلية المرتفعة، وغيرها من التحديات التي أدت إلى عزوف بعض المستثمرين.
برغم تأجيل بعض المشروعات، لا يزال هناك اهتمام كبير بمصر. فمن بين المشروعات الكبيرة قيد الإعداد، لدينا مشروع “مركز كيميت للبيانات” التابع لمجموعة “إنترو تكنولوجي” المصرية وشركة “عمان داتا بارك” العمانية الرائدة في مجال مراكز البيانات، الذي من المقرر أن يبدأ مرحلته الأولى العام المقبل، ضمن مشروع أوسع نطاقا بقيمة مليار دولار. وفي الشهر الماضي، ذكرت تقارير أن شركة الاستشارات الطبية الإسبانية “دبليو إتش إم” تتطلع إلى إنشاء مركز بيانات للرعاية الصحية بتكلفة استثمارية تبلغ 1.8 مليار دولار في مصر. كما أفادت تقارير بأن شركة خزنة داتا سنتر، التي يقع مقرها في دبي، تقترب من تحديد الموقع الخاص بإنشاء مركز بيانات في مصر بتكلفة 250 مليون دولار، الذي من المقرر الانتهاء منه في عام 2026.
لا تزال فجوات البنية التحتية مهمة على مستوى التأثير على قرارات المستثمرين تجاه مصر، ولا تزال شبكة الألياف المحلية بحاجة إلى تحسين لدعم نمو مراكز البيانات على نطاق واسع. كما أن نمو مراكز البيانات في البلاد يعتمد على توفر اتصال مستقر وعالي السرعة، غير أن قيود النطاق الترددي ما زالت تمثل مشكلة، حسبما قال لومباتي ردا على سؤال من إنتربرايز. فضلا عن أن بغية المستثمرين في الأسواق الناشئة تتمثل في المناطق الصناعية المناسبة ذات البنية التحتية المتطورة.
وعلى عكس الأسواق الناشئة الأخرى، قد لا تكون إمدادات الطاقة في مصر موثوقة بالقدر الذي يتطلع إليه المستثمرون، لا سيما في وجود المشكلات الخطيرة الناتجة عن انقطاعات التيار الكهربائي. وحتى إن كانت أيام انقطاع التيار الكهربائي قد ولّت إلى غير رجعة، سيدرك المستثمرون المهتمون جيدا أن البلاد عانت من انقطاعات التيار الكهربائي حتى يوليو الماضي — ولن يقتنع البعض أبدا بأي تطمينات بأن إمدادات الكهرباء ستظل مستمرة لمشروعات معينة.
من أجل معالجة هذا المستوى من الطلب على الطاقة والأثر البيئي لمراكز البيانات، كان هناك مسعى لإنشاء أحد مراكز البيانات الخضراء في مصر، إذ وقع تحالف يضم شركات سويكورب إنفرا كابيتال، وإنكوم إيجيبت، وريكورد ديجيتال أسيت فينتشر مذكرة تفاهم العام الماضي لبناء وامتلاك وتشغيل مركز بيانات أخضر في مصر. وسيجري تشغيل مركز البيانات بنحو 200 ميجاوات من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وسيصدر الخدمات الرقمية إلى العملاء في الخارج.
كما أننا لسنا مستعدين لاستهلاك المياه الكثيف لمراكز البيانات. تتطلب مراكز البيانات موارد مائية كبيرة للتبريد، خاصة عندما تكون في المناخ الحار مثل مصر. ومع أنه لا يزال قطاعا صغيرا نسبيا، تشير تقديرات المطلعين على بواطن هذه الصناعة في عام 2023 إلى أنها تمثل بالفعل 2% من الاستهلاك العالمي للمياه. وفي حين أن هذا يمثل تحديا لأي بلد، تتعاظم خطورة هذا الأمر أمام بلد مثل مصر، التي تعاني من عجز مائي سنوي يقدر بـ7 مليارات متر مكعب، إلى جانب ارتفاع عدد السكان وتهديد سد النهضة الإثيوبي.
يمكن أن تتعلم مصر الكثير من نجاح السعودية في هذا القطاع، إذ تتصدر المملكة حاليا العالم العربي بعد أن جذبت 8 مليارات دولارخُصصت لتوسيع مراكز البيانات منذ بداية عام 2025، بحسب لومباتي. إذ تأتي مساعي المملكة لأن تصبح مركزا للذكاء الاصطناعي، مدفوعة بالسياسات الحكومية الداعمة، والحوافز الضريبية، وتوفر المناطق الاقتصادية الحرة. وقد اجتذبت هذه الجهود شركات كبرى — مثل مايكروسوفت وأمازون ويب سيرفيسز وإكوينكس — للاستثمار في سعة مراكز البيانات، إلى جانب الشراكة بين جروك وأرامكو بقيمة 1.5 مليار دولار لإقامة أكبر عقدة استدلالية للذكاء الاصطناعي في العالم.
أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع:
- وقعت أوراسكوم كونستراكشون وتكنيكاس ريونيداس الإسبانية عقد هندسة وتوريد وإنشاء بقيمة 2.6 مليار دولار لبناء محطة توليد كهرباء تعمل بنظام الدورة المركبة بقدرة 3 جيجاوات ضمن مشروع توسعة محطة القرية للإنتاج المستقل للكهرباء في المنطقة الشرقية بالسعودية.
- منحت الحكومة موافقتها لشركة ألستوم الفرنسية لإنشاء مجمع تصنيع عربات السكك الحديدية بنظام المناطق الحرةالخاصة في مدينة برج العرب بالإسكندرية، بتكلفة استثمارية تبلغ 80 مليون يورو. وسيتضمن المشروع مصنعين لتصنيع قطع غيار الخط السادس لمترو الأنفاق والكابلات.
- ناقش وزير البترول كريم بدوي بنود استئجار سفينة إعادة التغويز العائمة “إنرجوس باور” مع مسؤولين ألمان خلال زيارته إلى برلين. وجاءت المناقشات بعد مفاوضات أولية جرت في القاهرة أواخر فبراير. ترسو السفينة حاليا في ميناء موكران بألمانيا.