يبدو أن طموحات مصر في التحول إلى مركز إقليمي لتموين السفن بالوقود الأخضر ستواجه بعض العراقيل. إذ بدأت الشركات الملاحية تجرب استخدام الإيثانول، سعيا للابتعاد عن الصين كي ترضي إدارة ترامب. فبعد أن تلقت جهود الحد من انبعاثات قطاع النقل البحري ضربة قوية إثر ضغوط ترامب على الدول الأعضاء في المنظمة البحرية الدولية، وتلويحه بفرض رسوم جمركية وعقوبات لدفعها للتخلي عن إطار عمل تصفير صافي الانبعاثات لتسعير انبعاثات الشحن البحري، بدأت شركة الشحن العالمية العملاقة ميرسك في تغيير تكتيكاتها.
باتت هيمنة الميثانول على الاستراتيجية العالمية للحد من انبعاثات قطاع النقل البحري ومكانة الصين كمورد رئيسي للوقود الأخضر على المحك. فقد نجح ثاني أكبر خط ملاحي في العالم في اختبار مزيج من الإيثانول والميثانول بنسبة 50% لكل منهما على إحدى سفنه في ديسمبر الماضي، بهدف الوصول في النهاية إلى استخدام مزيج من الإيثانول الصافي بنسبة 100%. والدافع وراء هذا التحول نحو الإيثانول الحيوي ليس فنيا، بل جيوسياسيا؛ فبينما تتصدر الصين بلا منازع في إنتاج الميثانول الأخضر، تُعد الولايات المتحدة أكبر منتج للإيثانول كوقود في العالم. و"إذا كانت كل المكاسب تصب في مصلحة الصين فقط، فمن الطبيعي أن تعترض بعض الدول"، وفق ما صرح به الرئيس التنفيذي لشركة ميرسك فينسينت كليرك لفايننشال تايمز.
يسفر هذا التوجه عن مخاطر بالنسبة لمحفظة مشروعات الهيدروجين والميثانول الأخضر في مصر، والتي تقدر بمليارات الدولارات وتقودها شركات مثل سكاتك وفيرتيجلوب و"سي 2 إكس" التابعة لميرسك. فقد صُممت هذه المشروعات في عالم يتفق على سعر للكربون أعلى من ذلك الذي يوفره الإيثانول، وكان الهيدروجين والميثانول الأخضر في قلب تلك الخطط.
الوقود الخطأ في المكان الخطأ
تكمن الميزة التنافسية لمصر في صحرائها الشاسعة، لكن هذه الميزة تعتمد فقط على ما إذا كان هدفك الأساسي إنتاج الهيدروجين والميثانول الأخضر. فالاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون التي تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، وطموحات تموين السفن بالوقود الأخضر التي تتمحور حول استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لإنتاج الهيدروجين الأخضر، تتسق بشكل ممتاز مع جغرافية البلاد. لكن الإيثانول الحيوي قصة مختلفة تماما، في بلد لا تتجاوز مساحة أراضيه الصالحة للزراعة 5%.
بضدها تتمايز الأشياء: يعرف الميثانول الأخضر بأنه وقود صناعي يُنتج من الهيدروجين الأخضر وثاني أكسيد الكربون المحتجز، ولا يتطلب سوى أراضٍ لإقامة مشروعات الطاقة الشمسية أو الرياح ومنشأة لإنتاج الوقود. في المقابل، الإيثانول الأخضر هو وقود حيوي يُنتج من خلال التخمر الطبيعي للسكريات النباتية بواسطة الخميرة، وهي عملية تتطلب آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية وكميات هائلة من المياه العذبة لزراعة المواد الخام، أو الاعتماد على المخلفات مثل زيت الطهي المستخدم وقش القمح، وهذه مستلزمات أقل وفرة بكثير في مصر مقارنة بالأراضي الصحراوية الممتدة على طول ساحل البحر الأحمر وأشعة الشمس الساطعة.
تعد مصر من أكثر دول العالم معاناة من محدودية الأراضي وندرة المياه، مما يجعل الأمن الغذائي أولوية تسبق منطقيا أي خطط لتصدير الوقود الأخضر. ويمكن لمصر إنتاج الإيثانول الحيوي بكميات محدودة لخدمة صادرات الكيماويات، لكن زيادة الإنتاج لتلبية احتياجات الصناعة البحرية تمثل معادلة مختلفة تماما.
ولتوضيح الصورة، فإن مصنع الشركة المصرية للإيثانول الحيوي المخطط إقامته في دمياط، والبالغة تكلفته الاستثمارية 135 مليوندولار، لن يكفي إنتاجه حتى لتشغيل سفينتين بسعة تزيد عن 17 ألف حاوية مكافئة. ولتزويد أسطول كامل بالوقود، لن تحتاج مصر إلى المزيد من المشروعات المماثلة فحسب، بل الأهم من ذلك أنها ستحتاج إلى منتجات ثانوية تكفي لتشغيل تلك المصانع، أو زراعة محاصيل مخصصة كمواد خام على رقعة زراعية محدودة.
منافسة غير متكافئة: حتى إذا تمكنت مصر من توفير الأراضي اللازمة، فإنها لن تتمكن أبدا من المنافسة من حيث التكلفة مع الغرب الأوسط الأمريكي أو الداخل البرازيلي. ففي تلك المناطق، يُعد الإيثانول سلعة تُنتج بوفورات ضخمة واعتمادا على مياه الأمطار، بينما في مصر تعتمد الزراعة كليا على الري، مما يجعل تكلفة المواد الخام أعلى بطبيعتها.
لكن مصر لا تزال تمتلك أوراقا بديلة
في الوقت الذي تعمل فيه الولايات المتحدة على تفكيك مبادرات خفض الانبعاثات الكربونية، يتحرك الاتحاد الأوروبي في الاتجاه المعاكس من خلال "آلية تعديل حدود الكربون". ورغم أن هذه الضريبة قد تبدو تهديدا وجوديا لمصنعي الأسمدة والأسمنت والألومنيوم والصلب، فإنها قد تخلق سوقا ضخمة للشركات الراغبة في إنشاء مشروعات لإنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر. وحتى قبل أن يؤدي الحديث عن الإيثانول الأخضر أو تأجيل العمل بضوابط الانبعاثات الكربونية البحرية إلى تعقيد طموحات مصر في مجال تموين السفن بالوقود الأخضر، فإن إعادة توجيه إنتاج الهيدروجين الأخضر المخطط له نحو "تخضير" الصناعة المحلية يبرز كرد فعل منطقي لغياب طلبات الشراء في الخارج.
كذلك يمكن لمصر بيع الوقود للسفن العابرة لقناة السويس والتربح من ذلك، حتى لو لم يُنتج هذا الوقود محليا. فمن خلال إعادة التموضع جزئيا كمركز إقليمي لمعالجة ومزج الإيثانول، تستطيع مصر الحفاظ على مكانتها في سلسلة القيمة من خلال استيراد الإيثانول ومعالجته ليصبح وقودا بحريا للسفن العابرة. ويبدو أن الدولة تتجه بالفعل نحو هذا المسار من خلال خطة لإنشاء محطات لتموين السفن على طول القناة بتكلفة مليار دولار، والتي من المفترض نظريا أن تكون قادرة على تزويد أي سفينة بالوقود، بغض النظر عن نوعه.
وبعيدا عن الضجة الأخيرة حول الإيثانول، لا يزال الميثانول الوسيلة الرئيسية لقطاع النقل البحري لخفض الانبعاثات الكربونية. فبينما لا يزال استخدام الإيثانول كوقود لسفن الشحن في مراحل الاختبار المبكرة لتقييم الجدوى، هناك بالفعل 38 سفينة شحن تعمل بالميثانول في الخدمة، بالإضافة إلى طلبات تصنيع 186 سفينة أخرى، وفقا لبيانات شركة ألفالاينر.